متى تصبح الحرب شيئًا من الماضي؟

السيد عباس نورالدين

 

إنّ قتل الإنسان لأخيه الإنسان هو أبشع ما يمكن أن يلطّخ جبين البشرية، ويؤكد مقولة إبليس اللعين بعدم لياقة أبناء آدم لخلافة الله. وحين يصبح هذا القتل عموميًّا حيث تقوم جماعة كبيرة بقتل جماعة كبيرة أخرى، فإنّ هذا بحدّ ذاته أبشع من تلك البشاعة.
 قد يُقال إنّ تحفيز عدد كبير من الناس وتحريضهم وحشدهم لقتل شعوب وإبادة جماعات، لهو بالأمر الصعب والمعقّد جدًّا. ففي مثل هذه الحالات يتّسع المجال للمنطق العقلانيّ خصوصًا حين يُراد للغرائز المختلفة أن تحرَّك وتحرَّض. ولهذا احتاج الزعماء والملوك عبر التاريخ لعنصرٍ آخر غير الغريزة لتجييش الناس، وهو ما يندرج تحت عنوان المقدّس. وقد تمّ استغلال المقدسات (وعلى رأسها الديانات) لإقناع الرعايا من أجل تلبية رغباتهم والتحرّك وفق نزواتهم.
لا ننسى ما فعله فرعون في تحريضه المصريين على بني إسرائيل وإخفاء نزوته الاستبدادية. فكان يقول في البداية: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار التي تجري من تحتي؟ لكنّه بمجرد أن شعر أنّ ملكه هذا أصبح مهدّدًا حتى بدأ باستخدام سلاح الدين فقال: {ذَرُوني‏ أَقْتُلْ مُوسى‏ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَساد}،[1]وقال:{يُريدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُون‏}.[2]
الكثير من الحروب التي استعرت بين البشر وفتكت بهم وأكلت أخضرهم ويابسهم، كان أساسها شهوة ملك بالسلطة والاستبداد؛ وهذا ما نشهده اليوم في العديد من مناطق العرب. أجل، قد لعب الدين دورًا مهمًّا في تأمين هذا المقدّس، وما زال، مثلما لعبت مقدّسات القومية والعشائرية؛ لكن كان العامل الاقتصاديّ دومًا حاضرًا لتفعيل هذا المقدس وتبريره وتغذيته. فلو تأملنا في حروب العالم قاطبة لوجدنا أنّ الأغلبية الساحقة منها كانت ذات بواعث اقتصادية، حيث تشعر جماعة معينة بتهديد النقص في الثمرات والأموال، وتشنّ حربًا على جماعة أخرى، كونها تقف في طريق مصالحها أو تتوافر على الإمكانات التي تحتاجها أو تشعر بأنّها ستحتاج إليها في المستقبل.
صحيح أنّ الحربين العالميتين في القرن الماضي قد خيضتا تحت عناوين قومية بارزة، إلا إنّ الاضطرابات الاقتصادية التي كانت تعصف ببعض البلدان الأوروبية، واستئثار بعضها الآخر بإمكانات الاستعمار ونهب الشعوب الأخرى، هو الذي أجج تلك الروح العنصرية وأضفى عليها عنوان المظلومية وجعلها وقودًا مهمًّا لتلك الحروب. لذلك ما إن تصبح كلفة الحرب أعلى بكثير من المكتسبات الاقتصادية المتوقعة، حتى نجد أنّ استخدام الدين والقومية يصبح صعبًا ومعقدًا؛ أي أنّه سيتطلب مخططات شديدة المكر والدهاء وبعد النظر.
لقد أدرك المتآمرون في الولايات المتحدة أنّ الشيء الأساسيّ الذي يدفع الأمريكيين لتأييد حروب بوش وغزواته لمنطقتنا هو أن يشعروا بالتهديد الاقتصادي المباشر. ولذلك تمّ اختيار إسقاط البرجين اللذين يرمزان إلى القوة الاقتصادية الأمريكية العالمية. وقد كانت الآثار المباشرة لهذه العملية ـ التي نفذها شباب، تمّ تدريبهم تحت إشراف المخابرات الأمريكية وعلى عينها ـ واضحة جلية على مستوى حياة الأمريكيين؛ لكن ما إن بدأت مغامرات بوش في أفغانستان والعراق تنعكس على الاقتصاد الأمريكي بالطريقة التي لم يتوقعها الأمريكيون أنفسهم، حتى انخفض معدل تأييدهم لحروبه بصورة ملحوظة للغاية.
لا يمكن إقناع الأوروبيين اليوم بأنّ ألمانيا ـ كونها مركز الثقل الاقتصادي في هذه القارة ـ تهدد اقتصاداتهم، نظرًا لحجم التبادل الاقتصادي ومرونته، والذكاء الألماني في إدارة هذا الملف الحساس. فكلما ترنح اقتصاد دولة أوروبية هناك، بفعل عدم التوازن بينها وبين قوة الاقتصاد الألماني، قامت ألمانيا بالتدخل اللطيف لتخفيف الأوجاع (كما حدث في اليونان وأسبانيا وحتى آيسلندا). ولهذا يمكن أن يُقال إنّ الحرب في أوروبا هذه ـ والتي عُرفت بأنّها القارة التي شهدت مئات السنين من الحروب المتواصلة ـ أصبحت شيئًا من الماضي في المدى المنظور. أمّا إقناع الأوروبيين باستعمار الدول الأخرى، فلم يعد ممكنًا نظرًا إلى حجم الأعباء التي يفرضها الاستعمار اليوم على أي دولة أوروبية بمفردها بل ومجتمعة أيضًا. فإنّ سعي أي دولة أوروبية لاستعمار دولة نفطية مثل العراق أو إيران أو حتى ليبيا سيضع هذه الدولة أمام أعباء تفوق كل قدراتها وإمكاناتها؛ لهذا، يعتمد الأوروبيون منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية سياسة التماهي مع الإدارة الأمريكية والتبعية لها في شن الحروب والغزوات واستعمار الشعوب ونهب الدول. وبعبارةٍ أخرى، لقد رضي الأوروبيون بالفُتات التي تقدمها لهم الإدارة الأمريكية ما داموا مشاركين أو مؤيدين.
إنّ الكيان العنصريّ الإسرائيليّ سيبقى الأداة الحربية المتقدّمة في منطقتنا، وهو راضٍ ومسرور بتحمّل وزر الجرائم ضدّ الإنسانية عن الغرب، طالما أنّه يتلقّى مثل هذا الدعم السخيّ الذي لا مثيل له، والفيتو الوفيّ في الأمم المتحدة؛ هذه المؤسّسة التي أنشأتها الدول المستعمرة لتكون إسفنجة امتصاص نقمات الشعوب. ولأجل ذلك، ما دام هذا الكيان قائمًا، فإنّ شبح الحروب لن يختفي من منطقتنا؛ وسيبقى سيفًا مسلطًا على شعوبها، لتدفع الضرائب والجزيات وتتخلّى عن القسم الأكبر من ثرواتها للغرب، سواء عبر بيع النفط الرخيص أو في شكل صفقات أسلحة عالية الكلفة.
إنّ العجز الاقتصادي الغربي المستمر وعدم قدرته على حل مشاكله الاقتصادية يعني أمرًا واحدًا وهو التوجّه المستمر إلى الشعوب والبلاد الأخرى لنهبها والسيطرة عليها. فقد أدرك الغربيون أكثر من أي شعب آخر أنّ الازدهار الاقتصادي لا يقوم إلا على مبدإٍ واحد وهو المستنبط من العقيدة الداروينية التي تقول بالبقاء للأقوى.
إنّ ما يذهلنا هو حجم الثروات التي دخلت إلى الغرب جراء النهب والسلب والاستعمار على مدى مئات السنين، ومع ذلك لم تقدر هذه الحضارة المدججة على بناء منظومات اقتصادية ناجحة. وبالرغم من النفوذ السياسي المنقطع النظير والقدرات العسكرية الهائلة والإمكانات الثقافية والعلمية المتفوقة، لم يتمكن الغربيون من استغلال معظم هذه الثروات التي نهبوها بما يتناسب معها. فتراهم كل حين يتطلعون إلى أي ثروة تبرز في أي بقعة من العالم بعين الطمع والاستغلال.
لا يعجزنا تفسير هذا الفشل الاقتصادي، لأنّ كل اقتصاد يُبنى على المال فمآله الزوال. لكن الظن بأنّ هذا الغربي سيكف عن نهب الآخر وغزوه لهو خير مؤشّر على مستوًى عالٍ من السذاجة والسطحية. وما حصل في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن سوى إعادة تموضع استعماريّ تجلّى في تشكيل معسكرٍ واحد لغزو العالم واستعماره، بعد أن تميز عصر الاستعمار السابق بالصراع بين القوى الغربية على موارده. ولم يكن انتظام هذا المعسكر الغربي الجديد إلا نتيجة التفوّق العسكري الهائل للولايات المتّحدة الأمريكية قياسًا بأي قوة أوروبية ولو كانت بريطانيا أو فرنسا.
إنّ الشعوب المسلمة، التي تنتشر في منطقة آسيا وأفريقيا، لهي أقرب إلى السلام والتعاون والتبادل فيما بينها أكثر من أي شعوب أخرى؛ وهي ما زالت ترى أنّ الكثير من الفرص الاقتصادية العظيمة تكمن في التبادل والانفتاح؛ ولأجل ذلك من الصعب بمكان إقناعها بأنّ ازدهارها يكمن في شن الحروب على جيرانها من المسلمين وغيرهم. لأجل ذلك، عمل الغرب، من أجل إضعاف هذه الشعوب، على إغرائها بحروب ذات طابع مذهبي أو ديني أو قومي كما حدث في عراق صدام أو سعودية اليمن أو سوريا أو أي مكان آخر. ولأنّ المواد المذهبية المناسبة لإيقاد شعلة الحروب ما زالت متوافرة بنسبة كبيرة في بعض المؤسّسات المذهبية التابعة للسلطة، فلن يكون صعبًا جعل الحروب الداخلية مسألة دين ومقدسات.
لأجل ذلك، إن أردنا للحروب أن تصبح شيئًا من الماضي في منطقتنا كما حدث في أوروبا، فعلينا أن نعمل على الأمور التالية:
أولًا: القضاء على الكيان العنصريّ الذي يسهل عليه شن الحروب بسبب طبيعة وجوده.
ثانيًا: إسقاط المؤسسات المذهبية الفتنوية من خلال محاصرتها بالمذاهب المختلفة ومؤسساتها الرشيدة.
ثالثًا:استعادة الوعي تجاه الحرب الاستعمارية الغربية وتعميقه حتى تعرف الشعوب المسلمة أنّ ما تقوم به الولايات المتحدة ومعها الدول الأوروبية ليس سوى استمرار للاستعمار القديم، وأنّ ما يجري تحت عنوان دعم الحريات أو الوقوف بوجه التهديد الفارسي أو صد الهيمنة الروسية أو الصينية ليس سوى ذرائع لهذا الاستعمار الجديد.   

 

 

[1]. سورة غافر، الآية 26.

[2]. سورة الشعراء، الآية 35.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center