Home مقالات

من لا تاريخ له لا مستقبل له.. كيف تساهم الأعمال التأريخية بتقوية المجتمع؟

من لا تاريخ له لا مستقبل له
كيف تساهم الأعمال التأريخية بتقوية المجتمع؟

السيد عباس نورالدين

يكمن السر الأكبر الذي يقف وراء وحدة أي جماعة بشرية في وجود وعي مشترك عند أغلبية أفرادها تجاه هوية محدّدة. وغالبًا ما تُعرّف الهوية داخل المجتمعات نسبةً إلى الهويات الأخرى وبالنظر إلى الموقعية والمكانة على خارطة الأمم. في هذا المجال، سنجد أنّ لوعي هذه الجماعة التاريخيّ، ونظرة أبنائها إلى تشكّلهم كجماعة أو أمّة واحدة، والمسار الذي طووه على مدى الزمن، الدور الأكبر في تحديد أهم أبعاد هويتهم وخصائصها المميزة.
 إنّنا كأفراد غالبًا ما ندرك هويتنا الذاتية ونحدد من نحن على أساس فهمنا للتجارب التي عشناها وتفاعلنا معها منذ بداية وعينا. فما يُشار إليه بالأنا عند معظم الناس، ليس سوى تراكم وعي عن تجارب الحياة والمواقف التي اتّخذوها وما يمكن أن يتّخذوه بناء على ذلك فيما بعد.. وحين يجتمع قوم على تفسيرٍ واحدٍ لتاريخهم (كيف تشكّلوا، وما هي المنعطفات والمواقف الأساسية التي مرّوا بها والأفعال والحوادث الكبرى، ومن هم الأبطال، وما هي الأمجاد والإخفاقات والهزائم والصعود والهبوط وما هي سمات حضارتهم و..)، فهذا يعني أنّهم مشتركون في الذاكرة التاريخية التي ترسم عناصر هذا الوعي التاريخيّ الذي يحدّد من هم؛ وبفعل ذلك يمكنهم أن يتطلّعوا إلى المستقبل باعتباره مصيرًا مشتركًا، فيتشاركوا الرؤية لما ينبغي أن يكونوا عليه مثلًا بعد عشرين أو ثلاثين سنة.
في العصر الحديث، استُعيض عن الحكواتية وكتّاب السير وشعراء الملاحم، الذين سطّروا أمجاد الأجداد ولعبوا الدور الأكبر في ترسيخ الهويات القومية، بالكتب المدرسية التي تعدّها الحكومات وفق رؤى قد تكون مستوردة من قوى استعمارية أو خارجية ضاغطة؛ ويتم التركيز على مادة التاريخ في المراحل الدراسية المختلفة لتشكيل ذلك الوعي من خلال تفسير الحاضر والواقع (لماذا أصبحنا هنا أو لماذا صرنا إلى ما نحن عليه) على ضوء رسم المسار التاريخي.
لقد عانى لبنان من حرب أهلية طاحنة تبعها احتلالات صهيونية وأمريكية وتدخلات إقليمية، وما زال يرزح تحت أوزارها ويتحمل تبعاتها على جميع الصعد النفسية والاقتصادية والسياسية والثقافية. لكن لنا أن نسأل إن كان بإمكان خرّيجي المدارس أن يفسروا واقعهم والأوضاع الحالية على ضوء مجريات التاريخ؛ وبالتالي إذا ما كانوا سيتفقون على أنّ ما جرى منذ عهد المتصرفية ـ على سبيل المثال ـ قد شكّل مسارًا طبيعيًّا انتهى إلى هذه الحروب والاحتلالات وما تبعها من سقوط الدولة وتفكّك المجتمع.
يمكننا أن نتعرف إلى الإجابة عن هذا السؤال وأمثاله من خلال دراسة وتحليل البنية والمنطلقات التي تشكلت على أساسها هذه المناهج المدرسية لمادة التاريخ. فإصرار كل طائفة في لبنان على اعتماد منهاج خاص يتناسب مع تفسيرها لما جرى في التاريخ، يؤكد أنّه من الصعب ـ بل يكاد يكون من المستحيل ـ أن يتمكن اللبنانيون، بتعدد طوائفهم، من تشكيل هوية قومية واحدة.
إنّ العمل على تأليف الناس وتأطيرهم في بوتقة المجتمعات يمكن أن يؤدّي بشكل طبيعي إلى تعزيز نقاط الاختلاف وتأجيج روح الصراع والنزاع بين الأمم بدل التقارب والتبادل؛ والحل الأساسي للخروج من هذه المعضلة يكمن في تقديم التاريخ بالتلازم مع استخراج الدروس والعبر. ولا يمكن أن نستنبط العبرة في حادثةٍ تاريخيةٍ ما من دون الانطلاق من منظومة قيمية إنسانية سامية. لأجل ذلك، يجب أن يصبح الاعتراف بأخطاء الأجداد وحماقاتهم أو تضييعهم للفرص فضيلة لا تبتعد عن فضيلة تعظيم البطولات والثناء على الأمجاد. فالعاقل هو ذاك الذي يعتبر من التاريخ ويستفيد من دروسه لكي لا يكرر تلك الأخطاء ولا يقع في تلك المصائب؛ كل ذلك من أجل بناء مستقبلٍ مشرقٍ ومزدهر. أمّا الجاهل فهو الذي يصر على تفسير التاريخ كما يحلو له، وهو غافل عن أنّ الغض عن أخطاء السابقين وجرائم الماضين لن يكون له سوى مردودٌ واحد؛ ألا وهو السقوط فيها مجدّدًا.
إنّ تباين الهويات وتعدّدها، وإن كان يشكّل أرضية خصبة للنزاع، لكن يمكن أن يكون في الوقت نفسه عنصرًا مهمًّا للتقدم وكذلك للتقارب الأمميّ؛ ولتحقيق ذلك يجب اعتبار هذه التعددية فرصة بحدّ ذاتها للتعرف إلى الهوية الذاتية بصورة أفضل.
 لقد ابتُلي اليابانيون، قبل عصر الحرب العالمية، بنزعة الانغلاق التي أدت إلى تشكيل رؤية استعلائية وهوية شديدة الاستكبار ورأوا أنفسهم كعنصرٍ أعلى واعتبروا إمبراطورهم إلهًا لهذا الوجود وتغنّوا بأنّ من جزرهم تشرق الشمس. لكنّهم بمجرد أن خرجوا فاتحين ومستعمرين حتى قامت جيوشهم بارتكاب أفظع الجرائم الإنسانية بحق الشعوب المجاورة. وما كان الأمر ليتوقف إلا بعد انكسار شوكتهم في الحرب العالمية الثانية، مع ما تبع ذلك من صدمة حضارية ما زالت آثارها مشهودة إلى يومنا هذا.
لا ضرر في العمل على تشكيل هوية نابعة من فهم صحيح للتاريخ؛ وإنّما المشكلة هنا تكمن في ابتعاد التفسير التاريخي للهوية الجمعية عن القيم والأخلاق الفاضلة. فلماذا وصل المغول أو الجرمان أو الأنغلوساكسون إلى مثل هذا الاستعلاء الذي جعلهم يهيمون في الأرض مستعمرين وناهبين ومدمرين ومبيدين لحضارات وثقافات وشعوب بأسرها؟ وما الذي يدفع بأمثال ترامب إلى هذا المستوى من العنصرية، لولا أنّه يستحضر تلك النسخة الخاصة لتاريخ أمريكا الأبيض "النقي" التي تمّ فرضها بقوة الأكثرية. 
ينظر الموالون والمحبون لأهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى أنفسهم كجماعة تعرضت للاضطهاد والتنكيل الفجيع على مدى الزمن، ولكن هل يعرف هؤلاء الموالون ما هي العوامل والأسباب التي أدت إلى هذا الاضطهاد؟ وهل يدرك أكثرهم طبيعة وهوية المضطهِدِين الحقيقيين وأهدافهم؟ ربما يظن الكثيرون منهم أنّ الطوائف الأخرى هي التي نكّلت بهم، أو يتصورون أنّ ذلك قد قام على أساس تبنّي فتاوى إمام المذهب الفلاني. وقد يعجز معظمهم عن ملاحظة التغيرات الجوهرية التي حدثت داخل ذلك المذهب نفسه على مدى الزمن حتى يومنا هذا. فمثل هذا الجهل غالبًا ما يكون سببًا لهزال ووهن في الوعي التاريخيّ مع ما يستتبعه من ضعف بيّن في إدراك الهوية الذاتية.
 إنّ الوقائع التاريخية الصلبة تشير إلى أنّ هذه الجماعة المضطهدة قد تأسّست داخل رحم مدرسة إصلاحية قامت على عنصر مواجهة الطغيان والظلم؛ كل ذلك بهدف توحيد الأمّة الإسلامية وحفظ منعتها حتى تدرك رسالتها السماوية ودورها الحضاريّ الكبير؛ لكنّ الغفلة والجهل الذي سيطر على أفراد هذه الجماعة على مدى التاريخ كان عاملًا مهمًّا في العجز عن مواجهة الكثير من المخاطر والأزمات التي عصفت بهم وربما أدت إلى الكثير من المآسي والمصائب والإخفاقات. وما لم نعمل على محو هذا القصور الفادح المرتبط بالوعي التاريخي لظروف التشكل ومقتضيات الدور، فإنّنا سنشهد المزيد من المآسي والأخطاء.
ما زالت الأعمال، التي يمكن أن تصب في خانة تفسير تاريخ جماعة الموالين لأهل البيت (والمعروفين بالشيعة) خجولة، قياسًا مع الدور المصيري الذي أنيط بها. وباعتقادي، إنّ الكثير من عناصر الضعف والعجز والتشتّت، الذي تعاني منه هذه الجماعة على مستوى الدور الحضاري، يرجع إلى هذه النقطة بالتحديد.
انظر إلى شعبي العراق وإيران، وتأمّل فيما يمتلكه هذان الشعبان من مشتركات قد لا توجد في أي جماعة بشرية على الأرض قاطبة، ثمّ انظر إلى عجزهما عن الاتّحاد والاجتماع على كلمة واحدة؛ هذا الاتّحاد الذي يعتبره الكثير من المراقبين والمحلّلين السياسيّين حدثًا يمكن أن يغيّر وجه المنطقة والعالم إلى الأبد؛ ولا تتوقف عند هذا، بل ابحث قليلًا في الأسباب التي أدت إلى هذا العجز المزمن، فربما لن يطول الأمر بك حتى تدرك أنّ المشكلة كلّها تكمن في هذا الوعي التاريخي. ولا شك بأنّ ما حصل في السنوات الأخيرة على صعيد التقارب جراء مواجهة العدوّ المشترك، وما يحصل خصوصًا في زيارة الأربعين كلّ عام، يبشّر بمستقبلٍ مشرق إن شاء الله؛ لكن هذا كلّه يعتمد على إنجاز أعمال ضرورية تساعد على توحيد الوعي التاريخيّ. إنّ نسبة مهمة من العراقيين ما زالت تعتقد إلى يومنا هذا بأنّ مصائبها الأساسية هي من إيران، في الوقت الذي قد يعجز الكثير من الإيرانيين عن تفهّم عوامل نشوء هذا الاعتقاد أو ملاحظة أسبابه التاريخية.
قد تكون الأدبيات والسرديات التاريخية لأي جماعة بشرية هي بذاتها محرّفة أو أسطورية أو يشوبها النقصان الفادح، كما قد تُفسّر بصور خاطئة أو تضليلية. ربما يتم تفسير حروب الأجداد كفتوحات رسالية، فتُصبغ بالأمجاد والبطولات، في الوقت الذي تدل التحقيقات التاريخية المدققة على أنّها كانت غزوات همجية وحشية. وقد يتم تفسير الاستعمار، الذي قام به هؤلاء الأجداد، كاستجابة لمهمة إنسانية لنشر الحضارة وإنقاذ الشعوب المتخلّفة.  
غالبًا ما ساهم التراث الفني للرسّامين والنحّات والملحّنين في تعزيز الهويات الوطنية للأوروبيين وإشعارهم بأنّهم أمة متفوّقة وأنّ الشعوب الأخرى التي لم تعبّر عن ذاتها بهذا النمط الفني ليست صاحبة حضارة. ونحن لا ننسى تلك العقيدة التي سادت أوروبا أيام وعد بلفور بشأن أرض فلسطين التي اعتُبرت خالية من السكان، خلا بعض البدو الرحّل؛ ولهذا انطلق المشروع الصهيوني الاستيطاني من مقولة "أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض".
الشعوب التي لا تستطيع أن تعبّر عن وجودها وهويتها من خلال الأعمال الفنية والأدبية التاريخية ذات البعد الحضاري، سرعان ما تواجه أزمة هوية في صراع الحضارات المستمر والمتجدد. وما لم ترق تلك الأعمال إلى مستوى التفوق الحضاري فلا يمكن أن تكون عنصر قوة لازم في هذا التصادم والتفاعل.
الأعمال الفنية قادرة مثلًا على تكثيف الإنجازات العلمية لهذه الجماعة أو تلك فتظهرها في مصاف الشعوب الرائدة التي تستحق الحياة والاحترام، ما يصعّب هزيمتها وكسر إرادتها. وكذلك الأمر على مستوى الإنجازات المرتبطة بالتراث الإنساني الروحي والقيمي. إنّ قوة الجماعة في عيون أبنائها والآخرين تكمن في ظهور عظمة إسهاماتها الحضارية؛ وهذا ما ينبغي أن تتوجّه إليه الأعمال التاريخية، التي لا تتبلور فقط في المنهاج المدرسي وإنّما تنتشر عبر الإعلام والسينما والمسرح والشعر والأدب والرواية.
إنّ مهمّة المؤرّخين لا تنحصر في إطار ذكر الوقائع الكبرى، وإنّما تتعدّى ذلك إلى بيان الأبعاد الحضارية والإنسانية التي أدت إلى تلك الوقائع. فالمقاومون الأوائل لم يكونوا مجرد غالبين، وإنّما احتووا على تراثٍ إنسانيّ وقيميّ عظيم هو الذي وقف وراء تضحياتهم وبطولاتهم وبعث فيهم الهمّة والعزم للوقوف بوجه أعتى القوى المستكبرة والغاشمة. فالجدير بمن يعمل على إنتاج هذه الأعمال الفنية أن يلتفت إلى أنّ الإثارة والتشويق الحركيّ لا ينبغي أن يحجبا الأصول التي هي أكثر تشويقًا.

 

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center