Home مقالات

تنشيط الحياة الفكريّة في المجتمع

لماذا يجب تنشيط الحياة الفكريّة في المجتمع؟

السيّد عبّاس نورالدين

لكلّ مجتمع أنماطٌ من الحياة قد تكون فاعلة ناشطة أو كامنة مخفيّة. وكلّما تنوّعت حياة هذا المجتمع وتعمّقت، كان المجتمع أشدّ قوّةً وتكاملًا وازدهارًا ودوامًا.
الشّكل المشهور للحياة الاجتماعيّة هو الشّكل الاقتصاديّ الذي تنشط فيه الطّاقات وتتحرّك باتّجاه الرّفاهيّة الاقتصاديّة؛ وإن كانت هذه الرّفاهيّة لتختلف من مجتمع إلى آخر بحسب ثقافته ونظرته للحياة. فقد يكتفي مجتمع بالحدّ الأدنى من العيش الحيوانيّ، وقد يتّجه آخر بقوّة نحو تكديس الثّروات وتحقيق الثّراء الفاحش أو الحياة المُترفة.
وهناك حياة علميّة أيضًا لأيّ مجتمع، تظهر في الاهتمام والتوجّه العام نحو تحصيل المعارف وجمع المعلومات واكتشاف المجهول؛ وإن تعدّدت واختلفت بحسب القوّة والدّرجة. فقد يكون هذا التوجّه والنّشاط العلميّ بهدف السّيطرة على الطّبيعة أو على الإنسان؛ هذه السّيطرة التي تختلف أيضًا بحسب الأداة. وقد يكون النّشاط العلميّ لأجل قيمة العلم بحدّ ذاتها.. وقد تحدّثتُ مفصّلًا عن المجتمع العلميّ وأبعاده في سلسلة اللقاءات المصورة المرفقة مع هذا المقال.
وما نحن بحاجة إليه هنا من أنواع الحياة: الحياة الفكريّة؛ لأنّها أساس كل أنواع الحياة الكريمة للإنسانيّة وقاعدة انطلاق الفضائل البشريّة قاطبة. فتنشيط الحياة الفكريّة في المجتمع يكون بجعل التفكّر والبحث عن الحقيقة وإنتاج الفكر وتبادله وترويجه قيمة راسخة فيه؛ وذلك لأنّ  المجتمع المفكّر هو الذي يعي أهميّة التّحليل والبحث والتمييز والتّدقيق؛ أي باختصار: أهميّة الأفكار في بعث المعنى والرّوح والحياة والسّعادة فيه.
فالحياة الفكريّة الصّاخبة مقدّمة ضروريّة للحياة الروحيّة المتألّقة؛ بل هي إحدى درجاتها وأبعادها. لهذا، نحن بحاجة إلى اكتشاف أبعاد وخصائص ومؤشّرات مثل هذه الحياة قبل العمل عليها.
وما يمكن قوله هنا، إنّ من أهم علامات المجتمع المفكّر: اهتمامه بالفكر المتوافر لديه (الفكر المحلّيّ أو التّراث)، ومن ثمّ سعيه لاكتشاف الفكر الآخر والتّواصل معه بحريّة وشجاعة.
من هنا إذا أراد القيّمون على المجتمع أن يقودوا مثل هذه الحركة الإصلاحيّة، فهم بحاجة إلى تشكيل وعي عام بشأن التّراث الفكريّ وقيمته وتأثيره. فهو بمنزلة الكنز المتاح الذي يمهّد الاتّصال به والأخذ منه واستعماله لحركة كبرى على مستوى الإنتاج الفكريّ الذي يُعدّ من أعظم ثروات المجتمعات.
الفكر هنا هو ثمرة لقاح التفكّر مع الواقع والتراث؛ وإنّما يكون خصبًا حين يتّصل بالتّراث العظيم للدين وأهله وفق آلية بحثيّة علميّة سليمة، نظرًا لما يطرحه الدين من معارف كبرى وحقائق عظيمة ومديات بعيدة.
الإنتاج الفكريّ دليل على استحقاق هذا المجتمع للحياة، وهو مؤشّر على تقدّمه وتفوّقه، وعلامة على انتصاره وتغلّبه على كل أشكال التحدّيات الأمنيّة والاقتصاديّة والعسكريّة التي يمكن أن تعصف به.
لا شيء يمكن أن يُشعِر أبناء هذا المجتمع بقيمة مجتمعهم وأهمّية الذود عنه وحمايته مثل هذه الحياة الفكريّة. فهي نبض الحياة الإنسانية والتّعبير عن كوننا مخلوقات تستحق العيش الكريم، لأنّنا نهتم ونبالي ونكترث بكلّ واحدٍ فينا، وبتجاربنا ومشاعرنا وما يجري علينا.

 

كتب ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center