Home مقالات

حقيقة الذكاء العقليّ، إذا كنت تظن أنّك تعرف ما هو الذّكاء، فكّر ثانيًا!

حقيقة الذكاء العقليّ
إذا كنت تظن أنّك تعرف ما هو الذّكاء، فكّر ثانيًا!

السيّد عبّاس نورالدّين

منذ عدّة سنوات، طالعت كتابًا يتحدّث عن الذّكاء، ويعرض للسّير التّاريخيّ الذي مرّت به عمليّة فهم الإنسان المعاصر له. لا شك أنّ الكتاب أوسع من هذه القضيّة، لكن الملفت هو أنّ الكاتب استعرض المراحل التي مرّت فيها عمليّة تحديد الذّكاء منذ أن أصبح عنصرًا محوريًّا في تحديد المستوى التعليميّ للأطفال وحتّى المراحل الجامعيّة.
لقد ذكر هذا الكاتب أنّه ومع بروز الحاجة إلى تحديد الكفايات المطلوبة للتعلّم، غير المرحلة العمريّة (الأول الابتدائي لسنّ السادسة)، لجأ الغربيّون كالعادة إلى علماء النّفس لمساعدتهم على تحديد الذّكاء ليكون بديلًا في عمليّة التّصنيف والتّقسيم، وذلك باعتباره العامل المحوريّ في التّعلّم أو في القدرة الذهنيّة المطلوبة للتعلّم.
وهكذا بدأ عصر تصنيف تلامذة المدارس بحسب ما عُرف في المصطلح العربيّ بالذّكاء (intelligence). وعلى هذا الأساس وضع بعض علماء النفس سلّمًا له، وابتكروا لتحديده روائز واختبارات، حيث يتم تصنيف التلميذ وفق ذلك ووضعه على إحدى هذه الدرجات؛ وتكون الدرجة العليا في هذا السلّم درجة العبقري، أمّا الدرجة السفلى  فقد كان التعبير عنها  بالمتخلّف!
وبالرغم من قبح التعبير بالتخلّف، وما أدّى إليه من كوارث نفسيّة لا تُحصى، والتي تبعها التخلّي عنه لفظًا، لكن هذه النّظرة ما زالت سائدة في معظم مجالات التربية التعليميّة. هذا بالطبع، مع كل هذا الكم الهائل للدراسات المتعلّقة بالذّكاء البشريّ.
أجل، اتّسع فهم المشتغلين بالتّعليم للذّكاء، وذلك بفضل نظريّات عدّة، مثل نظريّة الذّكاء المتعدّد لـ "غاردنر"، والتي أثبت فيها وجود أنواع عدّة للذكاء، كالذّكاء العاطفيّ  والذّكاء الاجتماعيّ والذّكاء الموسيقيّ وغيره؛ لكن ما يعنينا هنا هو أنّ التّعبير عن أحد أنواع الذّكاء بالذّكاء العقليّ قد يحمل معه التباسًا كبيرًا؛ والأسوأ من ذلك أنّه قد يحجبنا عن فهم معنى هذه القوّة العظيمة المُسمّاة في تراثنا الإسلاميّ بالعقل. وبسبب ذلك، قد نحرم أنفسنا من اكتشاف هذه القدرة الربّانيّة فينا وتطويرها وزيادتها.
ولا يخفى أنّ قضيّة العقل قد أخذت حيّزًا مهمًّا من كلمات الفلاسفة بمختلف مذاهبهم، وإن كانت سفينة الفلسفة الإسلاميّة هي الأكثر نقاءً في هذا المجال. لكن يبدو أنّ نتاجات الفلسفة الإسلاميّة لم تشقّ طريقها السّهل إلى أحد أهم شؤون الحياة البشريّة في عصرنا الحاضر، وهو شأن التّعليم المدرسيّ والأكاديميّ.
ومع ذلك، يمكن القول بأنّ ما قدّمه الفلاسفة في مجال تحديد العقل يحتاج إلى تكميل، كما أنّه قد يستوعب بعض الملاحظات والتنقيحات الضّروريّة.
ففي الفلسفة، يُعدّ العقل تلك القدرة الاستدلاليّة التي توصل الإنسان إلى الحقائق. ولأجل اكتشاف عمليّات الاستدلال التي يقوم بها هذا العقل، اهتمّ الفلاسفة بقواعد القياس المنطقيّ، والتي كان لأرسطو الفيلسوف اليونانيّ المشهور قصب السّبق في تدوينها.
ومن هذا الباب، فإنّ القدرة على التّوصّل إلى قواعد عامّة أو قوانين كلّيّة في أي مجال من مجالات الحياة والوجود، تّعدّ ميزة كبرى للإنسان وسببًا للكثير من التطوّرات العلميّة؛ بيد أنّ جوهر العقل لم يزل بحاجة إلى المزيد من التوضيح. وأعتقد أنّ هذا التوضيح سيكون سببًا لتفعيل دوره ونتائجه بصورة مذهلة، خصوصًا في قضايا حياتنا المصيريّة.
لقد تفكّرت مليًّا ووجدت أنّ أفضل تعريف للعقل هو أنّه عبارة عن تلك القدرة التي تُفاض على الإنسان (مع وجود الاستعداد اللازم لها طبعًا)، والتي بفضلها سيتمكّن من التمييز بين الكمال والنقص في أيّ شيءٍ يُعرض عليه.
وبما أنّ مرجع كلّ خير إلى الكمال، ومرجع كلّ شرٍّ إلى النّقص، فإنّ تمييز الخير من الشرّ في أيّ قضيّة سيرتبط بهذه القدرة أيضًا.
وبما أنّ مرجع كلّ حسن إلى الكمال، ومرجع كلّ قُبح إلى النّقص، فإنّ التّمييز بين الحُسن والقُبح في أيّ شيء سينبع من هذه القدرة كذلك.
وبما أنّ مرجع كلّ حقّ إلى الكمال، ومرجع أيّ باطل إلى النّقص، فإنّ التمييز بينهما سيقع على عاتق العقل أيضًا.
وبما أنّ جميع قوانين الوجود وقضاياه ترجع إلى اكتشاف الكمال والنّقص بنحوٍ ما، فإنّ للعقل الدّور الأكبر في عمليّة اكتشاف هذه القوانين (التي تمثّل، ولا شك، أكبر منافع الإنسان).
وعلى هذا الأساس، فإنّ المقدّمة الكبرى لجميع الاكتشافات المفيدة والمعارف النافعة ترتبط بالتّصوّر الصّحيح لأي موضوع يُراد الحكم عليه. ولو استفاد أي إنسان من العقل التامّ الكامل، لاستطاع أن يحكم بشكلٍ صحيح على أيّ موضوع (وهو معنى القضيّة)؛ بالطّبع بعد تصوّره تصوّرًا صحيحًا.
فالعقل هو النّور الذي يضيء على الكائنات والموضوعات والتّصوّرات المنتزعة بشكل صحيح عن الأشياء، ويكتشف فيها مستوى الكمال (الذي هو بالحقيقة شأن الوجود ودرجته). ويمكن القول أيضًا، إنّ العقل لتماثله مع الوجود وكونه أقرب الأشياء إليه يستطيع أن يكتشف أي درجة منه؛ وبتبع ذلك يتعرّف إلى الكمال فيه، ويدرك نقصانه بمقارنته بالكمال المطلق أو الوجود الصّرف.
حسنًا، لم تكن نيّتي منذ البداية أن يصل الكلام إلى هذا الحدّ من العمق؛ لكنّ السّياق العلميّ للقضيّة التي نسعى لتبيينها قد أوصلنا إلى هنا. والمقصود الأوّليّ كان أنّنا، بتحديد المعنى الدّقيق للذكاء العقليّ، سوف نتوجّه أكثر إلى عناصر الخير والكمال والحقّ والحُسن في كلّ شؤون حياتنا. وبتمييزها عن الشرّ والنقص والبطلان والقبح، سنتمكّن من تحديد المواقف المطلوبة فيها؛ ذلك لأنّنا بفطرتنا نرفض النّقص والشرّ والقبح، ولا نرغب أن نُبتلى بأي خسارة أو ضرر أو ألم.
أجل، إنّ من يقيم حياته على أساسٍ عقليّ هو الذي يتّبع الفطرة الطّالبة للكمال والسّعادة والبهجة والفوز والنّفع. ولأجل ذلك، ينبغي أن يستمد من منبع العقل ويرتبط بحقيقته التي هي عين الوجود. ولأجل ذلك أيضًا، ينبغي أن يجتنب نقيض الوجود الذي هو الوهم المتمثّل في أشكال الخيالات الباطلة.
لو قام نظامنا التعليميّ على قواعد العقل الحقيقيّ، لبتنا اليوم أمام أعظم تحوّل في بناء الشخصيّة القويّة المقتدرة التي ستنطلق في آفاق الحياة، وتتعرّف إلى كل أسرار الكون، وتعلم أنّ القوة الواقعيّة ليست في التكنولوجيا وجمع المال وتسخير الرجال.

 

 

مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center