Home مقالات

ذاك الشاب المغمور قدوتي! كيف يتحوّل شخص ضعيف بائس إلى قدوة لآلاف الشباب؟

ذاك الشاب المغمور قدوتي!
كيف يتحوّل شخص ضعيف بائس إلى قدوة لآلاف الشباب؟

السيّد عبّاس نورالدين

يرسم بعض النّاس لنا صورة القدوة ويجسّدونها من خلال التحوّل العميق الذي يحدث في شخصيّتهم. هذا التحوّل الذي يظهر بارتقائهم من أسفل سافلين إلى أعلى عليّين في زمنٍ محدود، يعبّر عنه بعض أهل العرفان والرّوحانية بعبور ألف شهر في ليلة واحدة.
يدهشنا كيف أنّ شابًّا بائسًا عديم الجدوى يمكن أن يصنع مثل هذه المعجزة دون أن يبذل جهدًا كبيرًا أو يستغرق زمنًا طويلًا. لكن دهشتنا هذه سرعان ما تخبو حين نسمع أو نرى عشرات الشباب وهم في مقتبل العمر قد خبروا مثل هذه التجربة الراقية. ولا عجب، فإنّ بحار الأزمات والحوادث الكبرى غالبًا ما تعيد صياغة النّفوس كما تفعل حمم النّيران الملتهبة بالذهب المشوب بالتراب والحديد. وما أكثر مثل هذه الأحداث في عصرنا!
لا يحتاج الإنسان للاقتداء بنموذجٍ حقيقيّ إلّا لعنصرين أساسيّين:
الأوّل: أن يكون هذا النّموذج بمستوى أعلى من أيّ نموذجٍ يعرفه.
والثاني: أن يكون هذا النّموذج القدوة، قد وصل إلى المقام الذي حقّقه، بوسيلة ميسّرة ومقنِعة.
فإذا اقتنعنا بإمكانية الوصول إلى ما وصل إليه، فلا يهمّنا بعدها أين كان وماذا كان؛ بل إنّ ضعفه وانحطاطه السّابق قد يصبح عاملًا إضافيًّا لترسيخ قناعتنا وإيماننا به. فإن كان هذا الشاب المغمور السطحيّ قد استطاع أن يبلغ هذه المنزلة والرّتبة الكمالية العظيمة، فلماذا لا أقدر أنا على ذلك!
ولهذا، يكون الفنّ الأكبر للأنبياء والأولياء المعصومين في صناعة أمثال هؤلاء الذين يعدّهم الناس أراذل القوم. فيتمكّنون من استخراج الكنوز العظيمة الكامنة فيهم بواسطة يد الهداية البيضاء.
أمّا التصديق بوجود مثل هؤلاء في الحياة البشريّة فليس بالأمر الصعب، لأنّ الإنسان يدرك بفطرته وجود مراتب الكمال. وليس علينا سوى أن نقدّم له هذه النّماذج الكاملة بصورةٍ مقنعة. وإنّ أحد أهم عناصر الإقناع يتجلّى في بيان كيفيّة انتقالهم من حالة النّقص إلى الكمال بواسطة الفعل الاختياريّ الواعي الحر.
فإذا دخل عنصر السّحر والإعجاز الذي يحرق المراحل، سنشعر بالإرباك، وكأنّ مطرقة ما سقطت على رؤوسنا ومنعتنا من التفكير والتفاعل؛ وبالطبع سوف نفقد الشعور بالتصديق.
اسمع هذه القصّة وحاول أن تتفاعل معها، وأخبرني إن كنت ستشعر بالقدوة في هذا الشخص.
فقد رُوي أنّ شابًّا من الذي يبغضون أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان يقف مع أصحابه في إحدى أزقّة الكوفة، وصادف أن مرّ الإمام من هذا الزّقاق ونظر إلى هذا الشاب بعينيه. فلم يمتلك هذا الشاب سوى أن هجم مسرعًا على الأمير وخرّ يقبّل قدميه وهو يقول، بالأمس كنتَ يا أمير المؤمنين أبغض النّاس إلي، واليوم أنت أحبّ النّاس عندي!
إنّ من عرف أمير المؤمنين أو أدرك شيئًا من مقاماته وعظمة شخصيّته، لا يستبعد أبدًا إمكانيّة تأثيره في القلوب إلى هذا الحدّ. ومن عرف قيمة وعظمة حبّ هذا الوليّ الأعظم يدرك جيّدًا أنّ هذا الشّاب قد نال الفوز الأكبر بحبّه لعليّ عليه السلام. وكثيرون يتمنّون لو تحصل لهم بارقة من هذه المحبّة أو ينالون جذوة من نيرانها الدافئة. ففي ظلّ هذا الحبّ يصل الإنسان إلى كل مراتب الكمال.
ولكن هل يمكن أن يصبح هذا الشاب قدوة لنا بحال؟
هل نطلب من الشباب أن ينتظروا تلك النّظرة؟ وكيف يمكن أن يحصل هذا اللقاء؟ وهل كل من نظر إليه الإمام انقلب عاشقًا له؟
فلا يبدو أنّنا أمام شخص يمثّل قدوة لنا! أو هكذا يبدو.. لأنّ القصة التي قرأناها هنا ناقصة، وتفتقد إلى العديد من الحلقات الأساسية. فلا شك أنّ لهذا الشاب قصّة مخفيّة تحكي عن مجموعة من المقدّمات التي طواها، والتي أوصلته إلى هذا الاستعداد للتّفاعل العميق مع نظرة الإمام الهمّام عليه السلام.
للأسف، إنّ الكثير من القصص التي نسمعها أو نقرأها تفتقد إلى العنصر المحوريّ في القصّة وهو التسلسل المنطقيّ والتّصاعد الشعوريّ والتّكامل الاستعداديّ. فالقصّة في حقيقتها عبارة عن سلسلة من الأحداث المترابطة التي تؤدّي كل حادثة فيها إلى ما يليها، بحيث تكون الحادثة التالية مقدّمة منطقيّة (وسببيّة) للحادثة الثالثة وهكذا، حتى نصل إلى المغزى أو المقام الكماليّ الذي يظهر لنا التحوّل الجوهريّ في شخصيّة بطل القصّة.
فلو استطعنا أن نعرض القصص الواقعيّة للكثير من الشباب، الذين عاشوا تجارب المقاومة والنضال في كلّ شؤون الحياة، لاستطعنا أن نقدّم أفضل نماذج القدوة التي نحلم بها. القدوة التي تبيّن لنا أنّ في الحياة معانٍ جميلة وحقائق عظيمة ولذّات أعلى وأجمل وأرقى من اللذات التي يتفنّن الغرب المنحطّ بتقديمها للشباب بواسطة سحره البصريّ الباطل.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center