Home مقالات

4 أصول أساسية لتعلّم اللغة.. كيف نجعل أبناءنا يمتلكون مهارات لغويّة عالية؟

4 أصول أساسية لتعلّم اللغة
كيف نجعل أبناءنا يمتلكون مهارات لغويّة عالية؟

السيّد عباس نورالدين 

حتّى في عصر التكنولوجيا والحواسيب الفائقة السّرعة، ما زالت اللغة تشكّل قدرة أساسيّة لا بديل لها. وقد يدهشك مدى ما يمكن أن يبلغه الإنسان من تأثير ومن قدرة اقتصاديّة واجتماعيّة ومعنويّة فيما إذا كان بارعًا في استخدام الكلمات!
لكن، مع ذلك كلّه تخفق مدارسنا في تحقيق الحدّ المطلوب من هذه المهارة، وخصوصًا في اللغة العربيّة التي تُعد من أقوى لغات العالم وأكثرها تأثيرًا في رفع مستوى الذّكاءات المتعدّدة. فما هي الأصول التي ينبغي الاعتماد عليها لتقديم مناهج تعليميّة لغويّة فعّالة؟

الأصل الأول: العفويّة
خلق الله الإنسان ناطقًا بمعنى أنّ كل إنسان سويّ يستطيع أن يتعلّم اللغة دون دراسة وتحليل. وهذا أمر مشهود حتى قيل تعلّم اللغة كطفل. فلأنّ الطفل لا يستعمل التحليل المنطقيّ، ولا يلتفت إلى ضرورة إعماله في اللغة، فهو يكتسب اللغة أسرع من غيره. وحين يدخل المنطق والتحليل العقليّ والسّعي لامتلاك القواعد والانطلاق منها لفهم اللغة تتعقّد عمليّة الاكتساب وتصبح بطيئة.
فاللغة أمرٌ سماعيّ؛ ويمكن أن نقول أنّ لها منطقها الخاصّ الذي يأتي مع أصل خلقة الإنسان. والملفت هنا أنّ هذا المنطق اللغويّ ينشأ منذ الأشهر الأولى من حياة الإنسان. وذلك قبل أن يتفتّح المنطق العقليّ أو يستولي على قنوات الإنسان الإدراكيّة.
طالما أنّنا نتعامل مع اللغة بعفويّة، كلّما ابتعدنا عن التقعيد فإنّنا نبتعد عن التعقيد. ولهذا، فإنّ إدخال القواعد في تعليم اللغة ـ خصوصًا في المراحل الأولى ـ هو الذي يجعل تعلّمها صعبًا؛ فبهذه الطريقة، نريد أن نسلك سبيلًا آخر غير السّبيل الذي ركّبه الله فينا.
إنّ الحاجة إلى القواعد قد تأتي لاحقًا حين نحتاج إلى حل بعض النزاعات اللغويّة، وهي تقريبًا عديمة الأهمّيّة وقليلة الجدوى. فبعيدًا عن القواعد يمكن للطّالب أن يتذوّق جماليّة اللغة وسحرها، فتترسّخ فيه أصولها وتسري فيه روحها.

الأصل الثاني: كثرة الممارسة
إنّها قاعدة عالميّة. فلا يشك أحد بأنّ أفضل طريقة لتعلّم اللغة وإتقانها يكمن في كثرة ممارستها، استماعًا ومكالمةً وقراءةً وكتابة. ومع ذلك نجد الإصرار في مدارسنا على إعطاء اللغة حصّة واحدة أو ما يقل عن خمسة بالمئة من المجهود الذي يبذله الطالب. لهذا، يسجّل طلّابنا معدّلات متدنّية في مهارات اللغة.
وبدل لوم المناهج وتقنيّات التّعليم والنّصوص، يجب أوّلًا أن نعطي للّغة حصّتها اللازمة من التّطبيقات والممارسة. وهذا ما ينبغي أن يكون في المرحلة التّعليميّة الابتدائيّة، بشرط اعتماد أصل التّكثير من التّطبيقات والممارسات.
إنّ استماع الطالب لمدّة شهرين أو ثلاثة لأكثر من ثلاثمئة صفحة من النّصوص التي تراعي تدرّج مستويات المفردات هو أفضل بعشر مرّات من استماعه إلى ثلاثين درسًا مع حلّ تطبيقاتها عبر السّنة الدراسيّة كلّها.

الأصل الثالث: التدرّج
لكي تتفعّل المهارات اللغويّة في أي إنسان، ينبغي أوّلًا أن يستأنس باللغة ولو على نحو الاضطرار (كأن يعيش في بيئة يضطر معها لاستعمال هذه اللغة). والاستئناس يبدأ من الاستماع.
لقد شاهدت العديد من الحالات التي يسجّل فيها الأطفال مهارات لغويّة مميّزة، فقط من خلال إصغائهم المستمر لبرامج الرّسوم المتحرّكة الجذّابة. فقد استطاع هؤلاء الأطفال أن يتكلّموا باللغة الفصحى لعدّة دقائق دون توقّف وأن يحاوروا دون عي، في حين عجز من هم أكبر منهم بسبع سنوات عن أن يتكلّموا لدقيقة أو دقيقتين بالفصحى.
ولا يعني ذلك أنّني أؤيّد مشاهدة هذه البرامج بنحوٍ مطلق؛ لكن هذه التّجربة تؤكّد أنّ الاستماع هو أوّل مراحل بناء مهارة اللغة.
ويأتي بعد الاستماع مرحلة المكالمة والمحاورة، ثمّ القراءة حيث ينبغي تطبيق المسموع على المكتوب. وهذا ما يتطلّب أساليب مختلفة في التّعامل مع الحرف وتركيب الكلمة بواسطة التّركيز على أصل الحرف المكتوب بدل تنميقاته التخطيطيّة. فحرف الباء ليس سوى خط تحته نقطة، وحرف التاء هو خطّ فوقه نقطتان، وحرف النون هو خط فوقه نقطة، وهكذا.. أمّا ما عدا ذلك من تعكيف وزوايا فهي إضافات ينبغي تأجيل اكتسابها إلى مرحلة لاحقة. وسوف نرى أنّه بهذه البساطة البصريّة، سيكون اكتساب قراءة اللغة وكتابتها أسرع بعدّة مرّات من اللغة المكتوبة وفق تزويقات الخطّاطين والرسّامين وفنونهم الجميلة.
ثمّ تأتي مرحلة الكتابة، التي تتطلّب مهارات حسّيّة حركيّة ترتبط باستعمال القلم. فكلّما شعر التّلميذ بمتعة استخدام القلم كان أسرع تعلّمًا واكتسابًا للّغة. ولعلّ قوله تعالى: {الَّذي عَلَّمَ بِالْقَلَم‏ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَم‏}[1] إشارة إلى أنّ ما يتعلّمه الإنسان بالكتابة لا يناله بشيءٍ آخر. وقد قيل أنّ من يكتب يفهم ويبدع.
وينبغي الانطلاق من قواعد تقوية مهارات استعمال اليد والأنامل التي ترتبط بقدرة الاتّصال مع الدّماغ (والتّفكير هو هنا).

الأصل الرابع: الوعي اللغويّ
صحيح أنّ اكتساب اللغة يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على العفويّة. لكن العفويّة هي مرحلة أولى، ويجب أن ينتقل التلميذ منها إلى مرحلة الوعي التام تجاه اللغة وأهمّيتها ودورها وتأثيرها؛ خصوصًا في هذا الزمن الذي يتم التكبّر على اللغة من أناس لا يمتلكون أدنى درجات الحكمة والمعرفة بما يجري في العالم.
لهذا، فإنّ تعريف أبناءنا على أهمّية اللغة في التّواصل والتّأثير واكتساب المعارف وتنمية الذّكاء المنطقيّ والعقليّ وتأمين المعاش والحفاظ على المجتمع واقتداره والاتّصال بمنابع الدّين وتراثه ونصوصه الأساسيّة والتّواصل مع أهل الفكر والعلماء و.. كل هذا سيكون له دورٌ بالغ في تشديد اهتمامهم على تعلّم اللغة والتبحّر فيها؛ خصوصًا أنّ اللغة تستوعب حقائق العالم ولا تنحصر في مساعدتنا على بعض الوظائف والاحتياجات السوقية.

بالنسبة لسائح يريد أن يبقى عدّة أيّام في باريس، فإنّه لا يحتاج إلى أكثر من ثمانين مفردة فرنسيّة ليكون مرتاحًا. أمّا بالنسبة لمن يريد أن يتّصل بعقل الإمام عليّ عليه السلام وعلمه، فقد يحتاج إلى معرفة معاني ما يُقارب عشرة آلاف مفردة في كتاب نهج البلاغة وحده! وما لم ندرك عظمة وتأثير هذا الكتاب في تكوين وعينا وامتلاكنا للحكمة البالغة وفهمنا للدين والتاريخ والاتّصال المعنويّ بأمير المؤمنين عليه السلام، فلن نعمل على تطوير مهاراتنا اللغوية.

 

[1] سورة العلق، الآيات 4 ـ 5.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center