Home مقالات

نحو آفاق شامخة في التّعليم: ما المدى الذي تبلغه ثقــافة الأطفال؟

نحو آفاق شامخة في التّعليم
ما المدى الذي تبلغه ثقــافة الأطفال؟

السيد عبّاس نورالدين

بنظرة متعمّقة في نتاج المدارس والجامعات الحالية، يمكن لأي مهتم متتبّع أن يلاحظ ثغرات كبرى على مستوى المخرجات والنتائج.
صحيح أنّ الجامعة هي فرصة الإبداع والتألّق، لكنّها في نتاجها هذا تعتمد كثيرًا على مخرجات المدرسة. فضمور الإبداع والتفوّق الجامعيّ يرجع بالدّرجة الأولى إلى إخفاق المدرسة في تأمين مقدّمات ذلك.
 إذا كنّا بصدد تأمين حاجات المجتمع من الطّاقات البشريّة الفاعلة والمنسجمة مع أطروحة الإسلام في بناء المجتمع المثاليّ والحضارة النموذجيّة، فنحن بحاجة إلى إحداث تغييرات جوهريّة في نظام التّعليم الحاليّ. وإذا كنّا نسعى لمواجهة زيف الحضارة الغربيّة وهجماتها الثقافيّة التي تستهدف روح البشر وكيانه الإنسانيّ، فلا بدّ أن نبدأ من المراحل الدراسيّة الأولى، فيجب أن ينتشر النور حيث يسري الظلام.
إنّ تطلّعاتنا الكبرى تنبع:
 بالدرجة الأولى، من اعتقادنا بالإمكانات الهائلة الكامنة في المراحل العمريّة الأولى؛
 وبالدرجة الثانية، ممّا يمكن أن نحقّقه من تطوّر مذهل على صعيد البرامج والمناهج التعليميّة انطلاقًا من كنوز التّراث الإسلاميّ ومن معطيات العلوم الإسلاميّة، ومرورًا بالتقنيّات الحديثة التي يمكن أن تلعب دورًا ملفتًا في تسهيل التّواصل وتخفيض الجهود والميزانيّات.
فينبغي أوّلًا استيعاب حجم الطّاقات الكامنة ومعرفة ما أودعه الله تعالى من إمكانات مذهلة فينا، أي ما يمكن أن يحقّقه كل إنسان في طفولته على صعيد المعرفة والعلم والمهارات اللغويّة والذهنيّة والقلبيّة والحسّيّة والخياليّة. وحينها سندرك أنّ ما كان ممكنًا قبل قرون أو عقود لأبناء الأربعين، أصبح اليوم متيسّرًا لأبناء العقد الثاني إن لم يكن قبل هذا!
وحين يجري الحديث عن التّعليم، فإنّ نظرنا يتوجّه إلى إحداث تحوّلٍ كبير على مستوى مجتمعٍ بأسره، لا بضعة أفراد يمتلكون مواهب تنمو في بيئة مساعدة. وما نرجوه هنا هو هذا التقدّم الاجتماعيّ وسط هذا الصّراع والتّنافس العالميّ الذي يستهدف كيانات وهوّيات مجتمعيّة بأسرها. لهذا، يجب التّفكير بالتّعليم العام وبالثّقافة العامّة ضمن التّخطيط لأي تطوير على صعيد المناهج أو المواد أو التقنيّات التعليميّة. ولا يمكن لقطار التقدّم أن ينتظر ذلك التّحوّل التدريجيّ، الذي يمكن أن يحدث على يد مجموعة من المتفوّقين بعد إنهائهم دراساتهم الجامعيّة والتحاقهم بمؤسّسات المجتمع البالية؛ بل ينبغي العمل سريعًا على جعل أي تطوير ذا تأثيرٍ مباشر وجوهريّ في كلّ الشّريحة التي نستهدفها. وهذا ما يستدعي مزج التّعليم بالإعلام واستخدام وسائل الفن وأدواته جنبًا إلى جنب التّعليم الكلاسيكيّ المفروض. فما لم يواكب الإعلام ـ الذي يُعدّ الوسيلة الأولى في صناعة الرأي العام ـ عمليّة صناعة الفرد وتنمية قدراته العلميّة في مختلف المجالات، لا نتوقّع تحقيق تلك النّتائج المرجوّة.
فإذا تمكنّا من إعداد منهاجٍ تعليميّ متطوّر يتناول قضايا الوجود، واستطعنا تقديم أعمق الأفكار الفلسفيّة والعرفانيّة لطلّاب المرحلة المتوسّطة، فلا شك أنّنا سنكون أمام تحوّلٍ نوعيّ في شخصيّة هؤلاء وفي تفكيرهم ونظرتهم للأمور وفي تحمّلهم للمسؤوليّات وقدرتهم على مواجهة أشد وأعتى عمليّات تهديم الإنسانيّة التي تأتي من الغرب. لكن يبقى التحدّي في جعل هذا النتاج عامًّا وشاملًا لأكثريّة أبناء هذه المرحلة العمريّة.
وهنا من المتوقّع أن تزوّدنا الفنون المتنوّعة ـ وخصوصًا الفنون البصريّة وفنّ القصّة ـ بإمكانات هائلة على صعيد تجسيم الأفكار وتقديمها وترسيخها في النفوس.
فإلى جانب التحوّل النوعيّ الذي ينبغي تحقيقه على صعيد المعارف والمهارات، ينبغي القيام بخطوات جبّارة في مجال الفن. وهذا ما يستدعي العمل على بناء بيئة الفن الإسلاميّ الأصيل، أي الفن القيميّ الذي ينبع من إلهيّات الإسلام ورؤيته الكونيّة وثقافته العميقة. وقد تحدّثت سابقًا عن مقوّمات هذه النهضة. (انظر المقالة:كيف نتفوّق في السينما؟ والمقالة: هل تريد قصّة ناجحة، والمقالة: لماذا الإقبال على الروايات والقصص؟)
إنّ المرحلة الأولى في عمليّة التحوّل الجوهريّ تفرض علينا استخراج كنوز الإسلام التي عمل علماء كبار على شرحها وبلورتها وقدّموا في هذا المجال تراثًا غنيًّا، وبلورة جواهره بما يتناسب مع تفعيل القوى المختلفة للإنسان في المرحلة العمريّة الأولى. ومن الطبيعيّ أن تتم مناقشة كيفيّة تقديم نظريّة وحدة الوجود ومقامات الإنسان الكامل وغيرها من القضايا الإسلاميّة العميقة مع الأخذ بعين الاعتبار كل تلك الأهداف المقصودة، من تفعيل القوى الإنسانيّة المختلفة ومن تعميق الدّور والمسؤوليّة تجاه المشروع الكبير ومن مواجهة شيطنة ثقافة الغرب وفساده.
لكن الجواب الحاسم في هذا النّقاش سيكون لمن يتمكّن من تقديم المنهاج التعليميّ المدرسيّ الذي يتناول هذا التراث المعرفيّ العظيم؛ وهو أمرٌ يحتاج إلى مهارتين أساسيّتين:
الأولى: تتعلّق باستيعاب ذاك التّراث المعرفيّ الغنيّ؛
والثانية: ترتبط بالقدرة على إعداد المنهاج وربطه بتقنيّات التّعليم الحديثة.
إنّ مثل هذا الإنجاز الثوريّ قد يحدث على يد شخصٍ ملهم أوحدي، لكن ذلك لا يعفينا من مسؤوليّة إيجاد البيئة المناسبة لمثل هذه الأعمال، التي يمكن أن تدخل في نطاق التّجربة والاختبار والتّطوير على مدى سنوات. وهذا ما يحتاج إلى رعاية قياديّة خاصّة.

 

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center