Home مقالات

تنمية العقل بمواجهة القضايا... كيف يمكن أن نبني منهاجًا حول محور القضايا؟

تنمية العقل بمواجهة القضايا

كيف يمكن أن نبني منهاجًا حول محور القضايا؟

السيد عباس نورالدين

يصرّ المهتمّون والنقّاد على أنّ الكلام الكلّي والعام لا يفيد ولا ينفع في مجال التعليم المدرسي، لأنّ المشكلة كلّ المشكلة تكمن في كيفية تحويل عملية مواجهة القضايا إلى منهاج تعليمي يراعي شروط المراحل المدرسية. ومن حقّ هؤلاء أن يعترضوا أو يطالبوا بتقديم النموذج، لكن فطرية وبداهة ما ذكرناه حين الحديث عن التعليم المتمحور حول القضايا كان من المفترض أن تغني عن هذا النقاش؛ أضف إلى ذلك التجارب الذاتية التي يمكن لأي إنسان أن يكتشف معها دور تحليل قضايا الحياة في تنمية القدرات العقلية عند الطالب.
إنّ الأصول النظرية التي نمتلكها في باب العقل كفيلة بإثبات هذا المطلب، وسوف نشير بعدها إلى مجموعة من المقترحات المنهاجية التي يمكن أن تساهم في بلورة الصورة التفصيلية.
إنّ العقل هو نورٌ إلهي ككلّ الأنوار الموجودة في هذا العالم؛ لكن هدايته ترتبط بمصير الإنسان الذي يفترض أن يتحرّك في هذه الحياة على أساس الاختيار. فلو اختصرنا مسيرة حياتنا في الدنيا بالقول أنّها عبارة عن سلسلة من الاختيارات المتواصلة بين الخير والشر أو الحقّ والباطل أو الحسن والقبح أو الكمال والنقص لما كان في هذا الكلام أي مبالغة؛ بل إنّ سرعة سير كل إنسان على هذا الطريق تتحدّد وفق عدد ونوعية ودرجة الاختيار الذي يقوم به.
 لهذا، فإنّ التمييز بين الحقّ والباطل أو تحديد الكمال والنقص في كل قضية يُعدّ أمرًا ضروريًّا لحسن الاختيار وصوابية الحكم فيها ـ الأمر الذي يُعدّ أيضًا عنصرًا محوريًّا في تقدّم الإنسان المختار على طريق كماله. وهنا يبرز العقل كعاملٍ مفصلي.
ولأنّ مشيئة الله وحكمته اقتضت إتمام الحجّة على الإنسان عبر تزويده بكل ما يحتاج إليه في هذه الرحلة المصيرية، فإنّ إفاضة نور العقل المساعد على كشف الحسن والكمال والحق والخير في كلّ قضية نواجهها في حياتنا يصبح أمرًا حتميًّا. وقد ورد في العديد من الآيات والأحاديث الشريفة أنّ الله تعالى يحاسب الناس يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول (محوريّة العقل في الحساب والمصير).
بالطّبع، يمكن للإنسان أن يختار رفض نور العقل والإعراض عنه بشتّى السبل؛ خصوصًا حين يحكّم شهواته ويتّبع أهواءه. لكن هذا الفيض يبقى متّصلًا بالإنسان متى ما شاء الحصول عليه والاستفادة منه.
وجود قضايا حسّاسة ومصيريّة في حياتنا أمرٌ لا شكّ فيه، والحاجة إلى هداية خاصّة للتعامل معها من أجل النجاح والفلاح مسألة واضحة. ووجود الهداية الإلهية الشاملة أمرٌ حتمي. وإنّما يحتاج الإنسان في مراحل حياته الأولى إلى اكتشاف العقل ودوره في مواجهة القضايا والتعامل معها. وهنا يأتي عاملا التربية والتعليم في ترسيخ حضور العقل والإيمان التام بدوره المحوري في النجاح والفوز والسعادة.
ما يبعث على الأسى هو أن لا تترسّخ هذه القاعدة الجوهرية في حياة الطالب بعد مرور حوالي اثنتي عشرة سنة من الدراسة. فهذه القاعدة هي السرّ الأول في اندفاعه وحركته على طريق تنمية القدرات العقلية وحسن استعمالها. وفي المقابل تكثر الدعوات إلى اتّباع القلب (والمقصود به هنا الهوى) وتنتشر أنماط التربية التي تساهم في الإفراط في استعمال القوّة الغضبية أو تنمّي روح العصبيّة في الأطفال.
إنّ مجتمعنا بحاجة ماسّة إلى التمييز بين أساليب مواجهة القضايا وإدراك السيّئ الفاشل فيها. ويمكن القول أنّ نسبة كبيرة من الشباب اليوم لا يمتلكون معرفة واضحة بأهم أركان الأسلوب والمنهج العقلي؛ ولهذا يكثر وقوعهم في أخطاء وهفوات يمكن تجنّبها بسهولة.
لنأخذ على سبيل المثال قضية التخصّص الجامعيّ، التي تُعتبر مفصلًا حسّاسًا في حياة كل شاب ـ كونها إحدى أهم محدّدات مصيره ونمط عيشه. فمطالعة دقيقة لمئات الحالات التي تعاملتُ معها على مدى عدّة عقود، بيّنت لي الصعوبات العديدة التي يعاني منها  الشباب في تحديد الخيار الصائب في هذه القضية. وغالبًا ما كنّا نشاهدهم يلجأون إلى طرق وأساليب لا تزيد خياراتهم إلا تعقيدًا وبُعدًا عن الصواب. إنّ قضيةً بمثل هذه الأهمية، تصبح في مرحلة الدراسة الثانوية الهمّ الأكبر للأغلبية الساحقة من الشباب، ومع ذلك تراهم غير مزوّدين بالأدوات الذهنيّة اللازمة لفهمها وتحليلها وتحديد الخيار الصائب فيها.
إنّ معرفة كيفية عمل العقل هنا يمكن أن تساهم مساهمة كبرى في اكتشاف دوره العام وتطبيق قواعده والاستفادة منها. وكل ذلك مبنيّ على أمرين أساسيين:
الأوّل، معرفة العقل وأهمّيته ودوره المصيريّ في حياتنا.
والثاني: تمييز طريقة عمله عن كلّ الأساليب الشائعة في عملية تحديد الخيار وأخذ الموقف.
حياة البشر مليئة بالشواهد والتجارب التي تكشف عن الأساليب التي يتّبعونها في التعامل مع قضاياهم المختلفة. وفي كلّ واحدة عبرة ودروس يمكن أن تساهم في ترسيخ ذلك الإدراك والفهم المطلوب. فما نحتاج إليه هنا هو استحضار أهم التجارب وتقديمها غير منتقصة، ومن ثمّ تحليلها من أجل اكتشاف أسباب النجاح والفشل فيها.
كما أنّ للعقل قواعده العامّة التي يمكن التعرّف إليها ومشاهدة عملها في تحليل القضايا التي تتعدّى التجربة الآنية. وفي معظم هذه القضايا يمكن التوافر على تطبيقات وتمارين مهمّة في مجال استخدام العقل في شتّى قضايا الحياة.  فالنتائج والثمار المشهودة في عمل العقل المجرّد وتحليله للقضايا الوجودية والفلسفية لا تقل روعة عن الثمار الناشئة من استعماله في التجريبيات.
وباختصار، فإنّ ما نحتاج إليه هنا هو العرض السليم الممنهج للقضايا التي ستحفزّ العقول المختلفة للتعامل معها. وقد افتقدت أدبياتنا العلمية لمثل هذا العرض نظرًا لطبيعة اهتماماتها البعيدة عن التعليم المدرسي وتربية الأطفال؛ فغلب عليها طابع الجدال والخطاب التخصّصي والحوار الاختصاصي.
حين ينطلق المتخصّصون بالمجال التعليمي العام من هذا التراث، ويبدأون باستخراج كنوزه المعرفية (وخصوصًا في مجال القضايا الأساسية)، فسوف نكون على موعدٍ مع ذخائر كبيرة يمكن تحويلها إلى مناهج تعليمية ممتازة.
 فإذا اجتمع العلم العميق والفن المنهاجي، سيجد المهتمّون والناقدون أنّ عملية التربية بالقضايا ليست بالأمر البعيد المنال.
لطالما افترق هذان السبيلان: سبيل العلم، وخصوصًا ما يتعلق بالرؤية الإسلامية للحياة والوجود، وسبيل التعليم العام وفن إعداد المناهج التعليمية العامّة؛ فانحسرت تلك المعارف الكبرى في نطاق ضيق وضمن فئة نخبوية محدودة جدًّا. وقد آن الأوان لكي يبدأ المتخصّصون والمتبحّرون في تلك المعارف الغنية والقائمة على الأسس العقلية بالاهتمام بالأطفال والناشئة والشباب (أي بالتعليم العام). ولا يمكن أن يترجَم اهتمامهم هذا في أعمال بنّاءة وشديدة التأثير إلا إذا امتزج مع الرؤية المنهاجية والفنون والمهارات اللازمة لإعداد المناهج المدرسية.
تخبرنا الرؤية المنهاجية أنّ لقضية الشذوذ الجنسي مقدّمات أساسية لا بدّ من إدراكها لكي ندرك معها حجم الكارثة والقبح والشر فيها. فما لم يكتشف الطالب معنى الحياة وأهمّية النسل والتكاثر البشريّ ودوره في تحقيق الأهداف السامية، وما لم يؤمن بالله ويعتقد بهدايته التشريعية ودورها المحوريّ في سلوك طريق السعادة، وما لم يتعرّف إلى موقعية الأسرة الطبيعية في تماسك المجتمع وازدهاره، فمن الصعب أن يتعاطى مع قضية الشذوذ تلك كما ينبغي.
نرى كل هذه المقدّمات خاضعة لتحليلات عقلية راقية في تراثنا الغني، ونشاهد معها مساحة واسعة من حرية التفكير والبحث الرصين، فلماذا لا يمكن وضعها ضمن مناهج تعليمية تراعي المسار التكاملي في مدارس اليوم؟!
 لا يتّسع هذا المقال لتقديم عرض تفصيلي لهذه الرؤية. لكنّنا وبحسب التجربة نعلم يقينًا أنّ لكل القضايا الكبرى والحسّاسة التي يواجهها إنسان اليوم مقدّمات وأصول عقلية في تراثنا العلمي العميق. ويقع على عاتق المهتمّين بإعداد مناهج قوية قادرة على بناء إنسان الغد المتمكّن المبادر والشجاع والمنيع أن يبدأوا من هذه النقطة بالتحديد، نقطة العمل على اكتشاف وتحديد القضايا الحسّاسة وتدوينها. لتبدأ بعدها مرحلة التحليل والاستخراج من الأدبيات الغنية، حيث تليها المرحلة الثالثة وهي مرحلة التوزيع والنشر المنهاجي.
لكلّ قضية كبرى مقدّمات وأصول واضحة تحفّز العقول وتنمّيها وتجعلها قادرة على التعامل العقلي مع القضية نفسها. وهذا ما نتوقّعه من أصحاب الشجاعة من معدّي المناهج التعليمية.

 

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center