Home مقالات

أعظم وسائل التربية... أطفالنا من اللاوعي إلى الوعي الكلّيّ

أعظم وسائل التربية
أطفالنا من اللاوعي إلى الوعي الكلّيّ

السيد عباس نورالدين

كل مهتم بالتربية يسعى لمعرفة قواعدها العامّة، لكن لا يخفى على أحد أنّ القاعدة الكبرى هي أنّ اجتماع المعرفة التصديقيّة مع حسّ المسؤوليّة هو الذي يولّد العمل والسّلوك الصحيح. إنّ قسمًا مهمًّا من الشعور أو التصرّف بمسؤوليّة هو نتاجٌ طبيعيّ للجبلّة والخلقة الأصلية للبشر. جميع الناس يُفترض أن يقوموا برد فعل تجاه الخطر المحدق أو الضّرر المتوقّع.
معرفتنا بحصول ضرر أو خسارة من أي شيء تجعلنا نتصرّف بصورة تلقائية لاجتناب ذلك، دون الحاجة إلى تربية أو إرشاد خارجي. هذا المستوى من الحسّ المسؤول موجودٌ في كلّ إنسانٍ طبيعيّ، وغالبًا ما تكون المشكلة في إدراك الخطر أو الضرر الكامن في فعلٍ أو شيءٍ ما. وهنا يأتي دور المعرفة والتصديق.
لا ننكر حصول حالات تشوّهٍ بنيويّ تؤدّي إلى ضعف الشعور المسؤول وما ينجم عنه من ضعف ردّة الفعل الطبيعيّة. فقد حصلت بعض الحالات العجيبة من فقدان هذا الانفعال الغرائزيّ، كما حدث حين اجتاح المغول بلاد المسلمين، حيث ذكر التاريخ أنّ المغوليّ كان يأمر العديد من المسلمين بالوقوف وانتظاره حتى يأتي بسيفه لقطع رؤوسهم. وبسبب انشغاله بالسلب والنهب، ربما كان ينسى ما كان قد توّعد به قبل عدّة أيام، لكنّه كان يرجع ويرى هؤلاء المسلمين منتظرين حتفهم لم يبرحوا مكانهم.
مثل هذه الحالة المرضيّة العجيبة لا تدل على فقدان الإنسانية، بل على فقدان الحيوانية أيضًا. فمن لم يعمل لدفع الضرر عن نفسه، لا يمكن عدّه من زمرة الأناسي ولا الأنعام.
وقد تجتمع عدّة عوامل للضرر والخسارة، ويصبح الإنسان مخيّرًا بينها، ممّا يتطلّب تحديد الأهون منها، حيث يدفع العاقل الأضرّ بالمضر، والأشد خسارة بما فيه خسارة أقل. ولا يخرج في هذه الحالة عن زمرة العقلاء.
فإذا استقامت غريزة البقاء وفطرة الكمال في الإنسان (ولو في حدّها الأدنى)، احتاج إلى معرفة الضرر في الأشياء ـ خصوصًا تلك التي يختلط فيها الخير والشر. وهذا هو ما يحصل بفضل نور العقل.
لا يخفى أنّ الكثير من الأضرار التي تصيب الإنسان إنّما تنزل به جرّاء أفعاله وتصرّفاته؛ ولهذا يحتاج إلى هذه المعرفة، وهي لا تتم إلّا من خلال حالة الوعي تجاه ذاته. فما أكثر الذين لا يتمكّنون من إدراك هذه السببية، فيعجزون عن ربط فعلهم الخاصّ بآثاره الوخيمة؛ وغالبًا ما ينسبون الضرر إلى غيرهم.
لهذا، احتاج كل إنسان إلى الوعي الذاتيّ، الذي يتمكّن معه من إدراك هذا الربط وملاحظته بدقّة.
وإذا كان القسم الأكبر من شروط تأمين السّعادة والصلاح والفلاح مرتبطًا بدفع الأضرار وتجنّب الخسارة، كما يفهم من قوله تعالى: {وَالْعَصْر *  إِنَّ الْإِنْسانَ لَفي‏ خُسْر *  إِلَّا الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْر}،[1]فإنّ العمل على تقوية الانتباه والوعي تجاه أسباب وعوامل الخسارة الذاتيّة يقع في المرتبة الأولى من هذه العمليّة.
لقد ذكر أهل السّير والسلوك وخبراء بناء الذات أنّ الخطوة الأولى هنا تكمن في اليقظة، وعدّوها المقام والمنزل الأوّل في رحلة تهذيب النفس وتكميلها. واليقظة عبارة عن الوعي العميق تجاه الذات، والذي لا بدّ أن يتجلّى في إدراك الأفعال الصادرة منها وما ينجم عنها من آثار.
فأيُّ مربٍّ حريص على إصلاح سلوك الأطفال، لا بدّ أن ينطلق من هذه القاعدة الجوهريّة ويعمل على بعث حالة اليقظة والوعي الذاتيّ التام فيهم؛ وزاده الأكبر هنا هو ما يتميّز به أبناء هذه المرحلة العمريّة من فطرة النفور من النقص والقبائح.
إنّ إدراك الطفل لقبح شيءٍ ما ومضارّه لا يعني بالضرورة أنّه قادرٌ على إدراك سببه (الذي قد يكون تلك الأفعال والسلوكيات الصادرة منه). إنّه بحاجة إلى هذا الإدراك الذي يتحقّق بواسطة الوعي المذكور. ويمكن للتربية الهادفة تسريع وصوله إلى هذا الوعي، وتجنيبه الكثير من الأضرار؛ وفوق ذلك كلّه البلوغ بوعيه هذا مرتبة الوعي الكلّيّ التام الشامل العميق.
فكيف يمكن العمل على تحقيق الوعي التامّ في الأطفال؟
بدايةً، لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الإنسان، حين خروجه من رحم أمّه، يكون فاقدًا لأي درجة من الوعي الذاتيّ، فلا معنى للذات والوجود الخاصّ بالنسبة له؛ وليس فيه سوى الارتباط والتعلّق  بوجود أمّه. ففي البداية لا يكون كيانه سوى كيان الأم، ولا تكون نفسه سوى نفسها؛ ثمّ يبدأ بالانفصال، ويتحرّك الطفل على طريق الوعي تجاه الذات؛ أو هكذا يُفترض.
لا يمكن تصوّر مدى ذعر الرضيع من ابتعاد أمّه عنه أو فقدان الشعور بوجودها؛ ولو قُدّر للرضّع أن يعبّروا عن مشاعرهم في مثل هذه الحالات، لكنّا أمام مشهدٍ مرعب، ربما لا يشبهه سوى من يموت وينفصل عن بدنه بعد شدّة التعلّق والاتّحاد به. وما يخفّف الخطب هو عدم وجود تراكم خياليّ على مدى الزمن في ذاكرة الطفل، وسيره السريع نحو الوعي الذاتي.
إنّ اكتشاف الطفل لذاته، أو ما يمكن أن نعبّر عنه بعملية تبلور الذات في وعيه، إنّما يبدأ من الجسد. يُقال أنّ النفس في المرحلة الأولى لنشوئها لا تكون سوى عين الجسد. ولأنّ جسد الجنين في بطن أمّه لا يكون سوى قطعة منها أو عين التعلّق والارتباط بها، فلا وعي للنفس إلا بالوعي تجاه الأم. ثمّ تبدأ مرحلة الفصام والانفصال، ولا يبقى للنفس سوى جسدها المنفصل عن جسد الأم، فتحكمها حالاته.. فإذا جاع، شعر كأنّه مشرفٌ على الموت، وإن لم يدرِ ما هو الموت. فإدراكاته تكون مقيّدة وتابعة لبدنه المحدود في إطار الزمان والمكان. وغالبًا ما يعجز الأطفال عن فهم ما يجري عليهم من أبدانهم لفقدان الإشراف عليها. ففي هذه المرحلة ليس للنفس ما يزيد عن البدن. 
ثمّ تؤدّي حالات الجسد المختلفة، من حركات غير إرادية، وأحوال غذائية، وانفعالات مع الأصوات والمشهودات والملموسات، دور محفّز الوعي ومنشّطه؛ لكي يدرك الطفل عاجلًا أنّ هذه حركات وأحوال صادرة من نفسه.
في البداية ترى الأطفال الرضّع يتفاجؤون إلى حدّ الذعر (الصدمة) من ارتطام أيديهم بوجوههم، أو من أي شيء يصدر منهم؛ وذلك حين تكون النفس أقل من البدن، ثمّ يحصل التحوّل التدريجيّ على مدى الأيّام، ليصبح الجسد هو النفس والنفس هي الجسد.
 وفي الوقت نفسه يحصل للنفس تطوّرٌ مذهل جرّاء اتّصالها بعالم الروح والاستفاضة منه، بحسب الوعاء الاستعداديّ، فتنال منه حظوظًا من الكمالات والخصائص الوجودية. ولا شك بأنّ عالم الروح أوسع وأعلى من الكيان الجسديّ المحدود.
وما لم يحصل الوعي تجاه النفس في مرتبتها الأعلى وخصائصها الروحية المستجدّة، فسيبقى  الكثير من الأفعال الصادرة منها بالنسبة لصاحبها أمورًا مجهولة.
أجل، إنّ العديد من أفعال هذه النفس في هذه المرحلة العمرية المبكرة لا تصدر من عالم الروح، بل من تركيبة الجسد الموروثة المعبَّر عنها بالطبع (الطباع الوراثية)؛ إلّا أنّ ذلك لا يعني عدم وجود إرادة واختيار بدرجةٍ ما. فوجود الروح وخصائصها يعطي للإنسان ميزة إدراك الأفعال الطبيعيّة وفرصة السيطرة عليها. وهنا يأتي دور التربية الأكبر.
فإذا قيل أنّ هدف التربية السليمة هو تغليب جهات الروح على جهات الطبيعة في الإنسان، فلا مبالغة في هذا القول أبدًا. لكنّ الكلام كلّ الكلام هو في كيفية تحقيق هذا الهدف.
من الطبيعيّ أن تكون أكثر تصرّفات الأطفال ناجمة عن الطباع الموروثة نظرًا لقلّة حظّهم من الروح في هذه المرحلة العمرية. وحتى مع حصول الإدراك، فإنّ النفس تفتقد كثيرًا إلى القدرة على المقاومة أو السيطرة على الطباع. لهذا، كان الولد سرّ أبيه (أو البنت سرّ أمّها)، حيث تظهر أكثر خصائص الأب في تصرّفات ولده الصغير، من الغضب والحدّة والحلم والوداعة والنشاط، بل حتى أبسط التصرّفات والحركات، كطريقة النوم والاستلقاء والمشي والنطق.
إنّ التربية التي تمنح الطفل قدرة المقاومة والسيطرة هي التي يصبو إليها كلّ مربٍّ حريص. ولا بدّ من اكتشاف الوسائل والبرامج المساعدة في هذا المجال. وكلّما ازداد وعي المربّي بهذه الحقيقة، يصبح أكثر قربًا من ذلك الاكتشاف.
ولكي نرفع من قدرة الطفل، لا بدّ أن نزيد من وعيه تجاه ذاته (بما يعنيه هذا الوعي من إدراك العلاقة السببية بين أفعاله وآثارها).
لهذا كان الشأن الأساسيّ للتربية في هذه المرحلة، هو في إيجاد الوعي الذاتيّ وتقويته وتعميقه، حتى يتمكّن الطفل من ملاحظة الفارق بين طباعه (التي تكون سبب معظم تصرّفاته) وروحه التي تتمثّل بالعقل المميّز بين الحسن والقبح والكمال والنقص والحق والباطل والخير والشر، والفطرة التي تعشق كل كمال وتنفر من كل نقص.
لا شك بأنّ حظ كل طفل من العقل يختلف تبعًا لمجموعة من العوامل الاجتماعيّة والوراثية؛ إلّا أنّ هذا لا يعني أنّه غير قابل للنموّ والازدياد. وغالبًا ما يحدث هذا الازدياد بنحوٍ قهريّ ضمن البيئة الاجتماعية، التي تفرض أنماطًا من العقوبات على تصرّفاته المخلّة أو المضرّة.
المطلوب من التربية الهادفة أن تكون عنصرًا محوريًّا في هذه البيئة الاجتماعية وشريكًا رئيسيًّا في تفعيل هذا الوعي وتسريع تشكّله قبل فوات الأوان.
يفوت الأوان كما نعلم، حين تترسّخ تصوّرات خاطئة عن القبح والحسن وعن العلاقة بين الأفعال السيّئة ونتائجها، وخصوصًا في المجتمعات التي يصبح الحسن فيها قبحًا والقبح حسنًا (كما هو السائد في المجتمعات الغربيّة بشأن العديد من القيم والحقائق).
وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذه المسارعة حين خاطب ولده قائلًا: "وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَي‏ءٍ قَبِلَتْهُ، فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ، لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ‏ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ‏ وَتَجْرِبَتَهُ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ وَعُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَة،ِ فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ وَاسْتَبَانَ‏ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْه".[2]
‏ إنّ دور التربية الأساسيّ يتجلّى في ربط الإدراك العقليّ بالذات والنفس، وإسراء تلك الروح في عالم الطّبع. فالمربّي يُلاحظ بوضوح أنّ الطفل ينزعج كثيرًا حين يتعرّض للظلم (وهو أمرٌ خارجيّ ملموس له) في الوقت الذي قد لا يشعر بقبح ظلمه لغيره (لأنّه ما زال تحت سلطان الطبع). فإذا استطاع أن يوجّه هذا الوعي نحو الذات ونحو الداخل من خلال تعميق حالة الانتباه إلى التصرّفات الصادرة عن الذات، فسوف يتحقّق العنصر المحوريّ للتربية.
غالبًا ما يلجأ المربّون إلى استعمال أسلوب العقاب باستعمال أشكال العنف، لأجل تعميق شعور الطفل بالخسارة الناجمة عن تصرّفاته. فمثل هذا الأسلوب، وإن كان ينفع مع الأنعام والبهائم، لكنّه قلّما يحقّق الأهداف الكبيرة للتربية. وفي الحديث : "وَلَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لَا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِلَّا إِذَا بَالَغْتَ فِي إِيلَامِهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالْآدَابِ، وَالْبَهَائِمَ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْب".[3]
إنّ اعتراضنا على هذا المنهج التربويّ يكمن في أنّه لا يلامس عمق المشكلة ولا يمكن الاعتماد عليه لتحقيق القاعدة الجوهريّة الأولى. والخطورة الكبرى فيه هي أنّه قد يعمّق الشرخ والهوّة الفاصلة بين الوعي والذات. فغالبًا ما يكون استعمال العنف والشدّة مع الأطفال عاملًا لذهولهم عن ذواتهم. وهو طريق تستعمله النفوس الضعيفة للهروب من الألم الناجم عن العقاب.
إنّ النسبة الكبيرة من الذين يرتكبون أعمالًا مؤذية بحقّ غيرهم، تكشف عن تعرّضهم لعقوبات شديدة في طفولتهم. وغالبًا ما نجد أنّ هؤلاء المجرمين لم يكونوا مدركين لحجم الأذى الذي تسبّبوا به لغيرهم وحجم الضرر الذي يمكن أن يعود عليهم جرّاء أفعالهم السيئة.
 فما لم يصل الإنسان إلى حالة الوعي التام (المعبّر عنه بمعرفة النفس) من المُستبعد أن يتحرّك على صراط الكمال الحقيقي.
إن التربية السليمة تعطينا تغذية راجعة مباشرة وعلى مدى الأيام تفيدنا بأنّ الطفل أصبح أكثر إدراكًا لآثار أفعاله. ومثلما يندم الكبير على قبح فعله، فإنّ للصغار نوعًا من الندم الذي يمكن للعاقل البصير أن يكتشفه. ولأنّ الندم هو نار إحراق الطباع السيئة، فيجب العمل على إبقاء شعلته في النفس من خلال حضور آثار الأفعال في الذهن.
الذكر الدائم للأفعال والآثار هو الذي يحقّق هذا الغرض. لكن تذكّر أنّ ذلك يعتمد على عنصر الإقبال والرغبة. وهذا ما يتحقّق من خلال الحديث المشوّق القائم على منهج العبرة. فالطفل الذي تعبق ذاكرته بالقصص المشوّقة التي تدور حول مجموعة من الأفعال ونتائجها، هو الذي يمتلك الرصيد الأكبر لانبعاث ذلك الشعور، وهو الذي يسير على طريق الوعي الذاتيّ الكلّيّ.

 

[1]. سورة العصر، الآيات 1-3.

[2]. نهج البلاغة، ص 393.

[3]. نهج البلاغة، ص 404.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center