Home مقالات

شروط الانتصار في الحرب النّاعمة... كيف نجعل العدوّ يائسًا من الانتصار؟

شروط الانتصار في الحرب النّاعمة

كيف نجعل العدوّ يائسًا من الانتصار؟

السيد عباس نورالدين

يشهد مجتمعنا تطوّرًا ملحوظًا في وعيه تجاه إحدى القضايا المصيريّة في حياته، وهي قضيّة الحرب الناعمة. هذه الحرب التي يشنّها الغرب ضدّه بمختلف أنواع الأعيرة، مستهدفًا فيها أسس هويّته وأركان وجوده. 
وسواء شئنا أو أبينا، فإنّ الذهنية الغربية ما زالت محكومة بهاجس رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا)، وهي تعيش هذا الرهاب وتتوارثه منذ مئات السنين، معتقدةً ومقتنعةً بأنّ الإسلام كان ولا يزال النقيض الحضاري لها.
ليس من السهل تغيير هذه الذهنية، إذا كانت مبنيّة على الاستكبار والعصبيّة العرقية والتعصّب الدينيّ الأعمى، فكيف إذا امتزجت بمختلف أنواع المواجهات التاريخيّة، ناهيك عن اعتبارات المصالح الاستراتيجيّة الحيويّة. ومع ذلك، فإذا لم تغدُ مسألة تحطيم هذه العنجهية الغربيّة هدفًا أساسيًّا في المواجهة الحضاريّة، فمن المستبعد أن يتراجع الغرب أو يرتدع عن الاستمرار في حربه ونزعته العدوانيّة هذه.
إنّ إدخال اليأس من تحقيق الانتصار في قلب العدوّ هو الهدف العقلانيّ في أيّ مواجهة؛ خصوصًا إذا كان هذا العدوّ محكومًا بعقيدة داروينية خبيثة هي عقيدة البقاء للأقوى.
لقد تركّزت الجهود الماضية والحالية في الحرب النّاعمة على تحقيق مستوًى من الوعي العام والخاصّ (بين الجماهير والنخب) تجاه حقيقة ما يجري في هذا الميدان. وذلك لأنّ أحد أقوى وسائل القوّة النّاعمة، التي يستخدمها أهل الباطل، تكمن في إبقاء الطرف الآخر غافلًا. فلو ظهرت حقيقة النوايا التي يكنّها العدوّ الخبيث، لحبط الكثير من مؤامراته.
أمّا الهدف الأكبر لهذه المواجهة، والذي يتمثّل في تحطيم نزعة الاستكبار والعنصريّة الغربيّة، فإنّه يتطلّب العمل على تعريف المسلمين بما يمتلكونه من عناصر التفوّق الحضاريّ والثقافيّ؛ حيث إنّ هذه المعرفة كفيلة بجعل كل زخارف الغرب رمادًا في ريحٍ عاصف.

لقد انشغل المسلمون طيلة القرون الماضية في مواجهات داخليّة، صبغت ذهنيّتهم بنزعة الدّفاع والجدال، ممّا أدى إلى غفلتهم عن الكثير من عناصر القوّة الكامنة في تراثهم الدينيّ الأصيل. وأحد أهم هذه العناصر يتمثّل في البعد الحضاريّ للإسلام.
فالإسلام كان ولا يزال أعظم قوّة اجتماعية لأي شعب يتبنّاه ويعمل على تطبيقه في حياته. والسبب بسيط جدًّا، وهو أنّ الإسلام خطّة إلهيّة تهدف إلى بناء حضارة إنسانيّة مجيدة مبنيّة على وعدٍ ربّاني لا يمكن أن يتخلّف.
إنّ الإسلام هو مظهر القدرة الإلهية التي لا يمكن أن تُهزم. وكيف تُهزم وهي القوّة الوحيدة في هذا الوجود!
وبالنظر إلى هذه الحقيقة، فإنّ أي جماعة أو شعب يحصر نظرته إلى هذا الدين في إطار الدفاع، فهو جاهلٌ به ولا يعرف عن حقيقته شيئًا؛ فكيف إذا حصره في إطارٍ قوميّ بشريّ!
إنّ الإسلام بطبيعته دينٌ انتشاريّ مقدام يخترق السدود والحدود. فهو رسالة عالميّة ذات مواصفات وخصائص تتجاوز الأُطر الجغرافية والعرقية والتاريخية والقومية، وتهيمن عليها وتصهرها لتحوّلها إلى قوّة إنسانية عالمية. فمن غير الحكمة أن نحصر تطبيقه في إطارٍ جغرافيّ خاصّ أو تجربة اجتماعية محدودة.
إنّ العلوّ الحضاريّ والتفوّق النوعيّ هو أحد أبرز مميّزات الإسلام؛ وهو يرفع من يتمسّك به ما دام كذلك. وحين يغفل أصحاب المال والسلطة من مسؤولي المواجهة في الحرب الناعمة عن مثل هذه القوّة، فهم قد جهلوا بأهم سلاح يمكن أن يحقّق لهم الفوز الساحق.
في هذه الحرب الناعمة، إنّ إدخال اليأس إلى قلب العدوّ يقتضي تحطيم استعلائه واستكباره الناجم من شعوره بالتفوّق الحضاري الوهمي. ولا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا من خلال ترسيخ حالة الشعور بالعلوّ الحضاري بين المسلمين، الأمر الذي يكون نتاج إدراكهم لما يختزنه الإسلام من ذخائر الروح والمعنى.

إنّ عقليّة الدّفاع في الحرب النّاعمة، لا تنسجم بتاتًا مع روح الإسلام ومبادئه، وهي تعبّر عن جهلٍ مدقع بحقائق هذا الدّين الكبرى. ففي هذه الحالة يمكن أن نشبّه المتصدّين، بذلك القائد الذي يكتفي باستعمال الأسلحة الفرديّة في حربه، وهو يمتلك الطائرات والصواريخ البالستية.
وفي الوقت الذي اعتبر البعض أنّ الحرب الناعمة، التي يشنّها الغربيّون ضدّ المسلمين هي أكبر تهديد يواجهونه في تاريخهم، هناك من يعتبر ذلك أكبر فرصة لتعريف المسلمين على دينهم الواقعيّ، الذي جهلوا قدره عبر قرون الغربة. هذه المعرفة، التي يُفترض أن تكون حاسمة في حركة التاريخ والسيرورة الحضارية للإسلام.
وحين يندفع الغرب في حربه الناعمة لإظهار تفوّقه الحضاريّ في مدنيّته وعمرانه وتكنولوجيّته وأنظمته المختلفة (باعتبار ذلك أهم عامل للانتصار)، فلا شيء يمكن أن يشكّل ردًّا مناسبًا هنا إلّا أن نعمل على إظهار عظمة الإسلام في روحانيّته وشريعته وقيمه السامية؛ لأنّنا سننقل المواجهة إلى مستوى الصراع بين القشر والروح والمظاهر والحقائق؛ ولا شك بأنّ النصر المؤكّد سيكون حليف الروح والحقيقة واللب.
فمهما انحرفت البشريّة عن فطرتها، ستبقى تائقة للمعاني الحقيقيّة والروحانيّة الصافية.
إنّ أحد أهم مرتكزات فهم الإسلام كدينٍ إلهيّ يكمن في إدراك هذه الحقيقة وهي أنّه عبارة عن خطّة إلهيّة، تأسّست على يد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وقادها الأئمّة المعصومون من بعده، وسوف تتحقّق أهدافها الكبرى عبر مسيرة تاريخيّة طبيعيّة؛ وإنّ هذه المسيرة التاريخيّة مرتبطة بالتجربة البشريّة، التي يمكن أن تعيش النجاحات والإخفاقات وفق إرادتها واختيارها.
لقد كان قادة هذه الرسالة مدركين لهذه السيرورة، رغم إيمانهم العميق بصدق الوعد الإلهيّ وحتميّة تحقّقه. فالعنصر البشريّ أصلٌ مهم في إقامة الدين، ولا بدّ أن يحصل تفاعل شامل بين البشرية والإسلام. وما نراه اليوم هو أحد فصول هذا التفاعل.
أجل، يمكن للبشرية أن تجعل هذا التفاعل كبيرًا، فتطوي آخر فصول المسيرة الحتمية. وهنا تقع المسؤولية الكبرى على عاتق قادة الحرب الناعمة؛ وفي ظلّ المسؤولية يكمن الشرف والمجد.
على قادة الحرب النّاعمة أن يعلموا أنّ التفاعل البشريّ مع الإسلام هو الذي يرسم معالم المسيرة التاريخيّة لهذا الدين ويقطع مراحلها. غاية الأمر أنّ بإمكانهم توسعة وتعميق وتضخيم هذا التفاعل، ليمنحوا هذه المسيرة سرعة إضافيّة تجعلهم يقتربون من أهدافها النهائية، ويكون لهم قصب السبق ومنزلة القرب.
ما لم تلقِ البشرية بكل ثقلها في هذا التفاعل، وما لم تختبر وتجرّب كل ما يمكن أن يجول في عقلها ونطاقها البشريّ في مواجهتها، فمن المستبعد أن تعترف بسماويّة الإسلام وألوهية منشئه (الأمر الذي يشكّل كلّ الفارق في هذه السيرورة الحتمية). وها نحن أمام مشهد قد يأخذنا إلى آخر فصول هذا التفاعل؛ إنّه مشهد الحرب الناعمة الشاملة التي لم يسبق لها مثيل ولا نظير.
ولا ننسى بأنّ الصيرورة التاريخية للمجتمعات والتحوّلات النفسيّة للبشر ستبقى ضمن اختياراتهم. فبإمكان أي شعب أن ينتقل من أدنى مراتب التفاعل مع الإسلام ليبلغ أعلاها في مدّة زمنية وجيزة، وبإمكانه أن يجعل هذه التجربة على مدى قرون. وقد يؤدّي التقصير والتباطؤ إلى جريان إحدى السّنن الإلهية على هؤلاء وهي سنّة الاستبدال، حيث ينتقل أمر هذا التفاعل الإيجابيّ منهم إلى قومٍ آخرين.
وها نحن في هذه الحرب الناعمة أمام هذا الاختبار وهذه السنّة الاجتماعية، وما لم ندرك مسؤوليّاتنا تجاه هذه الفرصة التاريخية التي ذكرناها، فمن المتوقّع أن ننحرف عن المسار الطبيعيّ لتحقق الإسلام، فنخرج من هذا العالم وقد خسرنا أعظم فرص الكرامة.
إنّ النجاح في هذا الاختبار اليوم يقتضي أن نلتفت إلى عناصر القوّة الواقعية، التي تكمن في الفهم الصحيح للإسلام وخطّته الإلهيّة.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center