Home مقالات

القوّة الحقيقيّة للمرأة  (للنساء فقط)

القوّة الحقيقيّة للمرأة  (للنساء فقط)

السيد عباس نورالدين

المرأة القويّة ذخرٌ وكرامة للمجتمع. وكل من يسعى لإضعافها فإنّه يعمل على إضعاف المجتمع نفسه بذكوره وإناثه. القوّة للمرأة حصانة وصيانة، والمرأة الضعيفة عُرضة لكلّ أشكال الأخطاء. لكن أين تكمن القوّة الحقيقيّة للمرأة؟ وكيف يمكنها أن تحصل عليها؟
إنّ أي قوّة في العالم إنّما ترجع إلى قوّة الله وتُستمد منه. وقد جعل الله القدرة في هذا الكون تابعة للحكمة. فمن أدرك الحكمة اتّصل بمنبع القدرة. وحين يعطي الله القدرة لمن لا يتّصف بالحكمة، فإنّها تكون لأجل إهانته وزيادة فشله. فنحن نعلم أنّ الأموال والأولاد من عوامل الاقتدار، لكنّ الله يبيّن أنّه يمد المشركين بها من أجل أن يزدادوا فشلًا: {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُون}.[1]
لهذا، يجب أن نفكّك بين ما يراه النّاس من قوّة، وما هو قوّة في الحقيقة.
إنّ قوّة المرأة في حكمتها. وإذا أردنا أن نختصر حكمة المرأة: فهي في إدراكها لموقعيّتها الوجوديّة ودورها في هذا العالم. وأوّل ما يبرز هنا هو تكاملها مع الرجل باعتبار أنّها زوجه، التي يصدر منها كل ثمار العالم.
إذا نظرت المرأة إلى نفسها من هذه الزواية، فسوف تدرك موقعيّتها بسهولة. وبدل أن تجعل نفسها في مقابل الرجل، وبدل أن تسعى لتحصيل حقوقها بمنازعته ـ وإن كانت محقّة، فإنّ سعيها لتكون مكمّلة له (مثلما أنّ عليه أن يكون كذلك بالنسبة لها)، يجعلها قادرة على تحصيل جميع حقوقها في عين كمالها وعزّتها.
إنّ تكميل الرجل والتكامل معه ليس بالأمر البسيط، لأنّ القضية ترتبط بعمق ما تمثّله المرأة في هذه العملية، وهو الأنثويّة. فلا يمكن للمرأة أن تكون كمالًا للرجل، ما لم تدرك عمق أنثويّتها وتعيشها إلى أقصى حدٍّ ممكن.
إنّ الرجولة أو الذكورة هنا هي من هذا القبيل أيضًا. فلا يمكن للرجل أن يدرك عمق ذكورته إلّا في تقابله وتكامله مع الأنوثة. ولهذه الصّفات والخصائص فرصة التكامل في كلٍّ من الجنسين، في ظلّ هذه الرابطة الزوجية. فإذا كانت المرأة تتمتّع بنسبة ستين بالمئة من الأنوثة، فمن الممكن أن تزيد هذه النسبة، بسلوكها وعملها القائم على إدراك جوهر الأنوثة فيها.
الأنوثة قوّة عظيمة في الوجود، وهي أحد أعظم القوى الكامنة في هذا العالم، وبفضلها تتفتّق كل أشكال الحياة فيه. فلو انعدمت الأنوثة لانعدمت الحياة ولزال كلّ جمالٍ فيها. إنّها طاقة وجوديّة نابعة من هذا النظام الكونيّ، الذي أراده الله تعالى أن يكون على قاعدة: {وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجا}.[2]فقد شاء الله تعالى أن يكون نظام الزوجيّة واسطة انبعاث الحياة في كلّ هذا العالم.
الزوجيّة الحقيقيّة، هي التي يعيش فيها الجنسان هذا التكامل بوعيٍ وإدراكٍ تامّ لما تعنيه، فتتوّلد منها أفضل الثمار والمواريث.
ويمكن أن نشير إلى ثلاثة عناصر أساسيّة لهذه القوّة الأنثويّة العظيمة:

  1. التباين الجنسيّ
    كلّ اختلافٍ جسمانيّ بين الذكر والأنثى، إن كان من أصل التكوين والطبيعة، فهو مصدر قوّة كبيرة للأنثى. وكلّما حافظت المرأة على هذا التباين الطبيعيّ، فهي تحافظ على أنثويّتها وتعمل على زيادة جرعتها. فإذا كانت الخشونة والضخامة والشدّة الظاهريّة من شؤون الذكورة، فإنّ قوّة الأنوثة تتوّلد ممّا يقابل هذه الصفات. وبمقدار ما تعمل المرأة على حفظ مظاهر الأنوثة الجسمانية فيها، فهي أكثر قدرة وجاذبية وتأثير.
    النعومة وخفض الصوت والعذوبة واللطافة والرقّة والرهافة وشدّة الحياء، أمورٌ يعرفها الخبير بالأنوثة. وينبغي أن تعتز بها الأنثى وتعمل على تقويتها دومًا.

  2. المؤانسة والحنان
    الإشفاق والحنان والعطف هي أكثر الأشياء التي يتوقّعها الرجل (الذكر) من الأنثى. ولا شيء أشدّ وأصعب على الزوج من خلوّ الزوجة من هذه الصفات.
    يمكن للرجل أن يعيش مع امرأة دميمة أو ناقصة الجمال إذا كانت حنونًا، ولكن من المستحيل أن يتحمّل العيش مع امرأة فاقدة لهذه الصفة، وإن كانت ملكة جمال العالم. وما إقبال الرجل على المرأة الجميلة، إلّا لاعتقاده بأنّ الجمال يشي بوجود الحنان فيه ومعه.
    يبرز حنان المرأة في شدّة عطفها واهتمامها بحاجات الرجل وأحواله، وفي تعاطفها مع آلامه وأسقامه، وفي وقوفها إلى جنبه وقت مصائبه وخذلان الناس له. حين يقع الرجل في مصيبة كهذه، فإنّ المرأة الحنون هي الملجأ الطبيعيّ له؛ وإذا فقد هذا الحنان، يكون قد فقد أحد أهم أركان ثباته وصبره.
    هل يمكن أن نجد في العالم كلّه رجلًا أشدّ صلابةً وصبرًا من الإمام عليّ عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ ومع ذلك، انظروا إلى هذا الوليّ العظيم، كيف يكاد يجزع حين فقد فاطمة الزهراء عليها السلام، وقال في وداعها وهي يشكو إلى رسول الله: "قَلَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي‏"![3]
    أجل، إنّ حنان الزوجة يمكن أن يمد أعظم رجال العالم بقوّةٍ، تجعلهم قادرين على مواجهة أصعب مشاكل الحياة ومصائبها ورزاياها كالطود الشامخ.
    وحين ترى المرأة نفسها مظلومة من قبل زوجها، وحين تعيش مشكلة ضياع حقوقها معه، فمن المتوقّع أن يقل حنانها تجاهه ويضعف؛ الأمر الذي قد يفاقم المشكلة بدل أن يعالجها؛ لأنّ أحد أسباب تضييع الرجل لحقوق زوجته ربما يكون في افتقاده لحنانها.
    إنّنا لا نبرّر لأحد تضييع حقّ أحد، لكنّ الحياة الزوجيّة ليست صراعًا أو نزاعًا في محكمة، بل هي قبل أي شيء تبادل وتعاطف وعطاء. والفائز في هذه الحياة هو الذي يخرج منها وقد كان له قصب السبق في العطاء والجود.

  3. الخضوع أو خفض الجناح
    إذا كانت الحياة الزوجية مبنيّة على نوع من الإدارة والمسؤوليّة، وإذا كانت الأعمال الصلبة من مسؤوليّة الرجل، فمن الطبيعيّ أن تكون له الإمرة والقيّوميّة فيها. وبعبارةٍ ثانية، إذا قبلت المرأة بتصدّي الزوج للإدارة وتوافقا على ذلك، فإنّ عدم مزاحمته ومنازعته فيها هو الذي يكون مصدر قوّتها وتأثيرها، خلافًا لما يتصوّره الجاهل.
    هل تذكرون قول الله تعالى لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله): "{وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنين}،[4] وقوله عزّ من قائل: {فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَليظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك}‏.[5] فهذا القائد العظيم، الذي أخضع أشدّ النفوس قسوةً وجلافةً، إنّما كان له ذلك بفضل ما تمتّع به من رقّة وليونة. والمؤثّر القويّ لا يحتاج إلى الشدّة والغلظة ليحصل على ما يريد، فكيف إذا كانت الرقّة من طبيعته!
    ليس الزواج محلّ التنازع، ولو على الحقوق؛ ومع ذلك فإنّ الذي يعطي فيه هو الذي يأخذ أكثر، والذي يلين فيه هو الذي ينال الأكبر.
    إنّ نفوس البشر قد عُجنت على الخضوع للكلام الجميل واللطافة والإحسان. وحين يكون المتوقَّع من المرأة أن تكون كذلك، فإنّ أي مظهر مخالف منها يكون شديد القسوة على الزوج أو بالنسبة له، ويستفزّ فيه ردّات فعل سلبيّة لا ضرورة لها. وبدل أن يتكامل الزوجان يدخلان في دوّامة النزاع.

 

[1]. سورة التوبة، الآية 55.

[2]. سورة النّبأ، الآية 8.

[3]. الكافي، ج1، ص 459.

[4]. سورة الحجر، الآية 88.

[5]. سورة آل عمران، الآية 159.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center