Home مقالات

كيف تتعاملين مع جفاف زوجك العاطفي؟

كيف تتعاملين مع جفاف زوجك العاطفي؟

السيّد عباس نورالدين

العاطفة كلمة باتت تدل في أدبيّاتنا على نوع من التعبير القلبيّ عن الحبّ والعشق. وقد تتّخذ العاطفة أشكالًا وأنماطًا مختلفة من التعبير بحسب التربية والبيئة الاجتماعية والعادات. فنحن كبشر نكتسب من بيئتنا معظم أنماط التعبير العاطفيّ، وإن كان يجمعنا العديد من أساليب التعبير.
فمن النادر مثلًا أن نجد شعبًا لا يعبّر بالعناق والقبلات عن عاطفته وحنانه وحبّه. لكن قد لا يكون تقديم الوردة الحمراء تعبيرًا لطيفًا عند بعض الشعوب. بَيد أن علينا الاعتراف بأنّ هناك الكثير من الأمور التي تمنع الإنسان من التعبير عن عاطفته للآخر. وما يهمّنا هنا تحليل تلك الموانع التي ترتبط بالعلقة الزوجية تحديدًا. فما الذي يمنع الزوج من التعبير عن عاطفته وحبّه لزوجته؟ وكيف يمكن للزوجة أن تتعامل مع هذه الحالة السلبية؟
قد يمتلك الزوج مخزونًا هائلًا من الحب والعطف، لكنّه قد يجد في التعبير عنه لزوجته بالطريقة التي تحب وترضى تكلفة باهظة تهدّد استقامة الزواج والعلاقة. وقد يكون منشأ هذا الاعتقاد مجرّد وهم أو المقارنة بعلاقات أخرى أو تجربة عاشها مع زوجته.
وقد يفتقد الزوج لمثل هذا المخزون نظرًا لضيق وعاء قلبه. وفي الحديث الشريف "إنّ هذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِية فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا" [نهج البلاغة، ص 495].
 فالأنانيّ لا يستطيع أن يحب سوى نفسه، وبعض الناس لا يقدرون إلّا على حبّ شخصٍ واحد، وهكذا. وهناك من يمتلك قلبًا يسع الناس كلّهم، وهو القلب الأحديّ الأحمديّ (صلّى الله عليه وآله).
أجل، يمكن للوعاء أن يتّسع بفضل بعض الرياضات القلبية المناسبة. والكثير من الناس تتّسع قلوبهم بدءًا من مرحلة الطفولة إذا عاشوا في بيئة متعاطفة، وأدركوا بالتجربة اليوميّة مدى فائدة العطف والحنان في حياتهم وفي تحقيق رغباتهم.
يمكن للزوجة أن تتعرّف إلى طبيعة قلب زوجها من خلال المعايشة والتجربة. فإن علمت أنّه أناني ضيّق القلب، فعليها أن تعمل على إخراجه من أنانيّته وتوسعة قلبه من خلال عاطفتها غير المقيّدة، رُغم صعوبة الأمر وشدّته. أجل، فالعطاء بلا توقّع مقابل، هو أفضل وسيلة لتعليم الحبّ والعطف.
 وإن علمت سعة قلبه وقدرته على التعبير بسهولة، فينبغي أن تبحث عن الأسباب التي حالت دون تعبيره. فهل هي المسؤولة عن هذا الحدّ والنقص في التعبير، أو إنّ المسألة ترجع إلى اختلافٍ ما، في التربية وفي أساليب التعبير العاطفيّ بينهما.
قد يعتبر الرجل أنّ أفضل تعبير عن الحب والعاطفة إنّما يكون في الفراش، في حين أنّ هذا الأسلوب قد يكون بالنسبة للمرأة مجرّد حيوانيّة صرفة وإشباع لغريزة، ليس إلّا! ولهذا، ينبغي حل هذا الاختلاف بواسطة الحوار الصريح والهادئ، وأحيانًا التدريجيّ.
ولا يخفى ما للتبادل العاطفيّ من أثرٍ بنّاء على مستوى تقوية العلاقة الزوجيّة وتمتينها. فلا ينبغي الاستخفاف به والتقليل من أهمّيّته بأيّ شكلٍ من الأشكال. ولا ينبغي الانسحاب من هذا النزاع، والإعلان عن الهزيمة لمجرّد خسارة بعض المعارك. بل ينبغي العمل على إيصاله إلى مرحلة متقدّمة من حيث الكثرة والعمق والصفاء. كل ذلك بالطبع بشرط ألّا يتعارض مع بعض الواجبات المهمّة في الحياة.
إنّ انشغال الزوج بمتاعب العمل والمهنة ـ مع ما يخلّفه ذلك من آثار مباشرة على روحه ونفسيّته ـ قد يمنعه من الاتّصال بزوجته والاطمئنان عن حالها أثناء العمل؛ لا لأنّه غير قادر أو لا يكترث أو لا يشعر بالشوق، بل لأنّه يخشى من أن يخرج تعبيره العاطفيّ في مثل هذه الحالة خاليًا من حرارته المعهودة. ولأنّ الزوجة حسّاسة تجاه هذا التباين، فقد تتلقّى ذلك كنوع من المجاملة والتصنّع. ففي مثل هذه الحالة، يحسب الزوج للاتّصال الهاتفي ألف حساب، وربما يفضّل تأجيل تعبيره إلى وقتٍ مناسب. وقد تتزاحم عليه الانشغالات في برهةٍ ما، إلى الدرجة التي تستغرق عدّة أيام، ممّا يزيد الزوجة حيرةً وتعجّبًا من عدم اتّصال زوجها ومبادلته الأشواق، فيدخلها ذلك في متاهات من الظّنون والأفكار السلبيّة.
إنّ النصيحة الأولى هنا هي أن يلجأ الطرفان إلى الأصول واليقينيّات المرتبطة بالأسس التي قامت عليها علاقتهما. فقد تعلم الزّوجة في قرارة نفسها مدى ما يكنّه لها زوجها من حبٍّ وعطف (هذا هو الأصل)، وإن كانت تشك الآن في استمرار حبّه (وهذا هو الظنّ). لهذا، يجب أن تستحضر الأصل كلّما اعترتها حالة من الظنون الناشئة من مواقف محيّرة. ولولا هذا الأصل العقلائيّ لما استقامت علاقة واحدة في حياة البشر.
 إنّ معظم الخلافات والنزاعات الزوجيّة ترجع إلى عدم تحكيم السيرة العقلائية أو الطريقة التي يتعامل بها العقلاء مع كل ما يواجههم في حياتهم. فالعاقل هو الذي يركن إلى الثوابت واليقينيّات حين تعصف به الظنون، حتى لو كان لهذه الظنون مناشئ طبيعيّة.
أمّا النصيحة الثانية فهي أن تعمل الزوجة على عدم مقايضة التبادل العاطفي بأي شيء في الحياة، وأن تعتبره محض منّة أو تفضّل من زوجها (والعكس أيضًا بالنسبة للزوج). وهذا يعني تحرير هذا التبادل والتعبير العاطفيّ من كل أشكال الحقوق والمطالبات. فلا شيء يقتل العاطفة مثل عرضها في سوق الحقوق والواجبات.
صحيح أنّ للزوجة الحقّ في أن يعطف عليها زوجها ويعبّر لها عن الحب والاهتمام والمودّة، لكنّ المطالبة هنا (بدل التعبير عن الحبّ) قد تكون من أهم عوامل تجميد التعبير. فالزوج حين يرى أنّه يُطالَب بالتعبير لأنّه واجبٌ عليه، سيشعر بأنّه يتصنّع ما لا يُتصنّع، ممّا يجعله يحجم ويكف، بانتظار الفرصة المناسبة. هذه الفرصة المرجوّة التي قد لا تسنح في العاجل، بسبب بقاء حالة الترقّب عند الزوجة والتحسّس. فإذا طال الأمد هنا، أصبح التعبير العفويّ أشدّ صعوبة. وهكذا يلجأ الطرفان إلى ما يشبه وقف إطلاق النار الحذر بين المتحاربين. فالكل مترصّد ومترقّب لأي هفوة أو تقصير في التعبير أو لأدنى معاتبة ومحاسبة عليه. والأفضل حينها أن لا نشعل النيران ونحافظ على هدوء الجبهات!!
لطالما شاهدنا المطالبة بالعاطفة والعتاب على نقصانها تدمّر الزيجات وتسلب المودّة وتخلق أجواء من التشنّج الذي لا يسمح بأي حديث طيّب وصريح. وقد شاهدنا مرارًا كيف أنّ العطاء بلا حدود وبلا مقابل هو الذي يصنع من الأنانيّ شخصًا ودودًا محبًّا. فلا ينبغي للزّوجة أن تقلّل من أهمّية ما حباها الله به من قدرة على الحبّ والمودّة. فمن حضن المرأة يعرج الرجل، كما قال الإمام الخميني قدّس سرّه.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center