Home مقالات

هل الزّواج فن أو علم؟ ما الذي نحتاجه لكي ننجح في زواجنا؟

هل الزّواج فن أو علم؟

ما الذي نحتاجه لكي ننجح في زواجنا؟

السيد عباس نورالدين

إنّ التأمّل في أحوال الكثير من الشباب الراغبين في الزواج، يشير إلى مشكلة كبرى، وهي أنّ نسبة كبيرة منهم تقدم على الزواج من دون أن تعرف عنه إلّا القليل. وممّا يدعو إلى الأسى أنّ قضية الزواج لم تصبح لحدّ الآن قضيّةً يجب التعرّف إليها بدءًا من أصولها وقواعدها الفكريّة والنظريّة. فمعظمنا يكتفي بالبحث عن بعض فنونها وأساليبها، التي تساعدنا على النّجاح ومعالجة المشاكل والصعاب.. ولا بأس هنا أن نبيّن أوّلًا الفارق الأساس بين الفن والعلم.
إنّ الفنّ يعني مقاربة أي موضوع من زاوية الأسلوب؛ أمّا العلم فهو تلك المقاربة الفكريّة الباحثة عن الحقائق والوقائع. وقد شاع أنّ الفن لا علاقة له بالواقع، لأنّه أمرٌ ذوقيّ يعبّر عن مكنونات النفس مهما كانت.
نادرًا ما نسمع عن علمٍ يرتبط بالزواج. فما الذي يمكن أن يكون عليه مثل هذا العلم؟
إنّ البحث العلميّ حول الزواج يعني أنّ لهذه الظاهرة البشريّة القديمة، قدم وجود الإنسان، حقائق فوق الاعتبار والتوافق والرّغبات. وتشكّل هذه الحقائق بذاتها البنية التحتيّة، التي يفترض أن يقوم عليها هذا البناء الاجتماعيّ الحسّاس. والعالِم بالزواج هو الذي يبني رؤيته حوله، انطلاقًا من تعمّقه بتلك الحقائق والأصول التي ترتبط بحقيقة الإنسان والنظام الزوجيّ ببعديه الجسمانيّ والنفسيّ. كما أنّ قسمًا مهمًّا من هذه الحقائق يرجع إلى فلسفة الوجود وحكمة الخلق وعلاقة الإنسان بربّه وخالقه.
فبناءً على ذلك، لا يصح أن نتعاطى مع الزواج باعتبار أنّه ظاهرة بشريّة بحتة ابتكرها الناس أو أملتها عليهم حاجاتهم الجسمانية والعاطفية فحسب، لأنّه لا شك بأنّ لخالق الناس والمجتمعات إرادة ما بشأنه. ولا بدّ أن نجعل زواجنا منسجمًا مع هذه الإرادة، فيما لو أردنا النجاح في هذا الاختبار والفلاح في هذه المسؤوليّة.
فالزواج قبل أي شيء هو أمرٌ تابعٌ لنظام الخلقة الحكيم، الذي يتحرّك نحو غاية سامية ترتبط بخالق العالم وحده، ووفق ذلك ستحلّ فوائده وآثاره على الذين يلتزمون تجاه هذا النظام ويعملون وفقه.
إنّ الذي يمكن أن يفقد كلامنا هذا أهمّيّته بالنسبة للعديد من الناس، هو شيوع التعامل الاعتباطيّ والتساهل، الذي يصل إلى حدّ الاستخفاف بشأن قضايا الحياة؛ الأمر الذي ليس من شأن المؤمن الواقعيّ، الذي ينظر إلى الحياة كلّها على قاعدة: {قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين}.[1]والزواج هو أحد أكبر قضايا الحياة هذه.
إنّ انطلاقنا من هذه القواعد والمبادئ، هو الذي يفتح أمامنا أبواب التفقّه والمعرفة والعلم المفيد بشأن الزواج؛ ما يمنحنا فرصة مهمّة للتعامل معه بحكمة ودراية وحسن تدبير. وحين يقول الله تعالى لنا: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا}[2].. فهذا يدل على أنّ ظاهرة الزواج تعبّر عن تجلّيات الله وتدلّ عليه. فهو شأنٌ إلهيّ قبل أن يكون أمرًا بشريًّا. وكلّما ربطنا هذا الشأن بصاحبه الأصليّ وتعاملنا معه على هذا الأساس، سوف يأخذ بأيدينا إلى الغاية السّامية التي خلقنا الله لأجلها. فيحصل النجاح الحقيقيّ للزواج، وإن لم يتحقّق بحسب عرف الناس.
إنّ الفوز الأكبر يوم القيامة يكون بتحقّق هذه المعرفة الممتزجة بالإيمان والتسليم. وهذا ما ينبغي الإعداد له والعمل عليه في دار الدنيا. وفي هذه الدار اختباراتٌ وفرص وابتلاءات تهدف جميعًا إلى إيصالنا لمقام معرفة الله والتسليم له تسليمًا مطلقًا: {وسلموا تسليما}.
لم تنجح آسية العظيمة في زواجها من فرعون، لكنّها أضحت قدوة لكلّ المؤمنين والمؤمنات في العالم. ولم ينجح نوح النبيّ في زواجه، لكنّه حافظ على مقام النبوّة وارتقى، وهو في الآخرة من أهل النور والحبور. ولأنّ الزواج الأرضيّ يعتمد في نجاحه على الطرفين، ولأنّ امتلاك الطرف الآخر ليس من مسؤوليّات الطرف الأوّل (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر)،[3]فإنّنا غير مسؤولين عن هذا النوع من النجاح، وإن كان تحقّقه غير صعب بالعموم، ويُعدّ أمرًا جميلًا ومطلوبًا. لكنّنا مسؤولون عن النّجاح في الزواج بحسب الاعتبار الإلهيّ والأخرويّ، الذي يتجلّى في إدراك جمال حضور الله في حياتنا.
للزواج الكثير من مواقفه وابتلاءاته وامتحاناته، ولهذا فهو فرصة كبيرة لكي نشاهد مدى حضور الله الرائع في حياتنا. وما علينا إلّا أن نحكم تلك القواعد الإيمانية بواسطة الفكر السليم، لكي نؤسّس لهذا النجاح ما يتطلّبه من أركان ثابتة. فكل نجاح حقيقيّ يبدأ من الفكر الصحيح والعقائد الحقّة.
وحين تترسّخ قضية "العلم بالزواج"، وتستحكم أصوله الفكريّة والعقائديّة، ينفسح المجال واسعًا للفن. وهذا هو الفن المهتدي الهادي الذي يجعل زواجنا جميلًا مفعمًا بالمحبّة والمودة والتوفيقات. ولكلّ فنّ ظروفه وأحواله التي ترتبط بالشريك وطبيعته وأمزجته ومتطلّباته. فما أجمل الفن الملتزم الذي ينبع من العقيدة السليمة والفكر الأصيل.

 

 

[1]. سورة الأنعام، الآية 162.

[2]. سورة الروم، الآية 21.

[3]. سورة الغاشية، الآية 22.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center