Home مقالات

 كيف نجعل أبناءنا يملكون تصرّفاتهم؟ خطوة مهمّة على طريق الإصلاح

 كيف نجعل أبناءنا يملكون تصرّفاتهم؟

خطوة مهمّة على طريق الإصلاح

السيد عباس نورالدين

إنّ رصيدنا الأكبر في التربية هو تلك الفطرة التي أودعها الله تعالى في كلّ إنسان. وبالنسبة للأطفال والناشئة، وحتّى الشباب، تكون موانع هذه الفطرة قليلة أو ضعيفة، خصوصًا إذا انعقدت نطفهم من صلب ورحم طاهرين (وهو ما نعبّر عنه بطهارة المولد).
وفي المقابل، فإنّ عوامل الانحراف والشقاء موجودة دومًا، وتشتدّ بحسب شروط التكوّن والبيئة الأسريّة والاجتماعيّة؛ بدءًا من انعقاد النطفة في أجواء سيّئة ومحرّمة، وما يمكن أن يلحق بها من عوامل وراثيّة قديمة، مرورًا بضغوط الحاجات الجسمانيّة والطبيعيّة، وانتهاءً بالبيئة التي يسيطر عليها الوهم والشهوة.
إنّ إدراك المربّين لجميع العوامل الإيجابيّة والسلبيّة يُعدّ عنصرًا أساسيًّا لنجاح تربيتهم. والأهم من ذلك كلّه، هو انتقال هذا الإدراك إلى المتربّي نفسه. فلو استطعنا أن نوجد وعيًا عميقًا في أبنائنا تجاه كل ما يجري عليهم (من حولهم ومن ذاتهم)، نكون قد قطعنا شوطًا مهمًّا على طريق تحقيق الأهداف الكبرى للتربية. وعلى رأس هذه الأهداف: تحقّق الصلاح الذاتيّ، الذي يتجلّى بصورة الارتباط العميق بمنشأ الخير والكمال في الوجود.
ولهذا، يجب أن نجعل هذا الأمر هدفًا أعلى للتربية، وهو ما نعبّر عنه بالوعي الذاتيّ.
فمن جهة، يجب أن نعزّز وعي أبنائنا تجاه آثار الأفعال والخيارات التي يقومون بها أو يقوم بها غيرهم. ونبدأ من الآثار الأخرويّة (كونها مصيريّة) وننتقل إلى الآثار المرتبطة بمصيرنا في هذه الحياة (كما يحصل في الهرم والشيخوخة)، ثمّ نرجع القهقريّ حتى نصل إلى الآثار المباشرة.
إنّ شدّة وقوّة حضور هذه الآثار والعواقب والنتائج الناجمة عن أفعالنا وخياراتنا، يشكّل العنصر الجوهريّ في نجاح التربية. ولو وُفّق إنسانٌ ما، لمشاهدة تجسّم أفعاله، لكان ذلك عاملًا شديد التّأثير في اجتناب القبيح منها وتقوية الصالح الجميل فيها.
إنّ لربط الكسل الدراسيّ (فعل) بالحياة المليئة بالشقاء والعناء والحرمان (أثر)، آثار مفيدة جدًّا على صعيد الحثّ على الدراسة والمثابرة.. لكنّ شقاءنا ومتاعبنا الكبرى، لا تنبع من ضعف التحصيل العلميّ فقط، فهناك الكثير من العوامل التي تؤدّي إلى مثل هذه العاقبة.
جيلنا لا ينسى قصّة النمل والصرصور وتأثيرها في اهتمامنا بالدراسة والمذاكرة. لكنّ ضعفنا الدراسيّ أو نفورنا من الكتاب والتحصيل لا ينبع فقط من كسلنا وعدم مثابرتنا. فهناك عوامل أخرى ذات أهمّيّة فائقة، وهي تحتاج إلى قصص عديدة لها قدرة التوجيه وتعميق العبرة.
الكثير من الأطفال يتراجعون في الدراسة أو ينفرون من مادّة علميّة معيّنة لعدم اهتمام المعلّمة بهم، أو لما يشاهدونه في تصرّفاتها من قسوة وظلم وتمييز وعدم تفهّم، وحتى الشكل والهيئة هنا يلعبان دورًا مهمًّا. ورغم أهمّيّة هذه المادّة وتأثيرها الكبير على مستقبلهم العلميّ، إلّا أنّ تلك العوامل والأحوال قد أدّت إلى إصابتهم بنوعٍ من الإغلاق الذهنيّ وفقدان الاهتمام أو بالحدّ الأدنى من التوجّه لمتابعة تلك المادّة العلمية.
إنّ هؤلاء الأطفال لم يكن ينقصهم النشاط ولا الطاقة ولا القدرة الذهنيّة اللازمة للتفاعل العلميّ المطلوب، لكنّهم ببساطة قد فقدوا الاهتمام والرغبة اللازمين. فهم هنا بحاجة إلى قصص مرتبطة، تجعلهم يتجاوزون مشكلة المعلّمة السيّئة والظالمة. وينبغي أن تكون هذه القصص قادرة على مخاطبة عمق وجدانهم، وتواسيهم في معاناتهم، وتجعلهم قادرين على ملاحظة الجوانب الإيجابيّة في سلوك المعلّمة أو تعليمها، أو في الحدّ الأدنى تفهّم ظلمها وقسوتها.
حين كان أطفالي يأتون إليّ ويحدّثونني عن ظلم إحدى المعلّمات وتصرّفاتها التمييزيّة أو العنصريّة، كنت أشير لهم إلى معاناتها والظلم الذي لحق بها منذ طفولتها وما يمكن أن يكون حال المجتمع في تعامله معها فيما لو كانت غير متزوّجة أو تفتقد إلى عناصر الاستقرار والقدرة في حياتها. وغالبًا ما كان يتحوّل ذلك النفور الشديد والكره العجيب لها، إلى نوعٍ من التعاطف؛ الأمر الذي يؤدّي إلى تجاوز ذلك العامل النفسيّ السلبيّ، ويساعد الذهن على التركيز على النتائج المطلوبة من وراء هذه العلاقة (علاقة المعلّم والتلميذ)، وهي تحصيل المعارف والعلوم.
وربما لا يقدر الكثير من أولياء الأمور على إقامة مثل هذا الحوار، لأسباب قد ترتبط بهم أو بأبنائهم. لأجل ذلك، فنحن بحاجة إلى تلك المعارف والأدبيّات التي تساهم في تعزيز ثقافة الوعي هذه تجاه كل ما ينغّص على أطفالنا أو يحدّ من طموحاتهم أو يؤذي نفوسهم أو يحرمهم من إدراك العوامل المفيدة واستعمالها.
إنّها تلك القصص التي تساعدهم على فهم الواقع بكلّ أبعاده، وتمكّنهم من الغوص إلى أعماق نفوسهم والتعبير عن مشاعرهم وأحاسيسهم ورغباتهم بسهولةٍ ويسر؛ ومن ثمّ تحديد الأشخاص الذين يحسن التعبير لهم عن كلّ ذلك من أجل الحصول على ردود هادية ومساعدة.
ولا شك بأنّ الشخص الأوّل هنا ـ والذي ينبغي أن يعرفوا أنّه يسمعهم، ويعرف أحاسيسهم ومكنونات نفوسهم، وهو قادرٌ على إجابتهم وهدايتهم إلى المواقف السليمة، والأخذ بأيديهم إلى الأوضاع المريحة ـ هو الله رب العالمين.. فإذا استطعنا أن نبني أركان مثل هذا الحوار والمخاطبة والمناجاة مع الله تعالى في شخصيّة أبنائنا ووعيهم، فإنّنا سنضمن أقوى وأعمق وعي تجاه الذات؛ هذا الوعي الذي يُفترض أن يكون مدركًا لكل العوامل الخارجيّة والداخليّة، التي تؤدّي إلى صدور أفعالنا واختيارنا ومشاعرنا، والتي تكون نتائجها محدّدة لمصيرنا في الدنيا والآخرة، في العاجل والآجل.
فكيف إذا اهتدى أبناؤنا إلى وسيلة أو طريقة تستخرج كل مكنوناتهم (ما يعرفونه عنها وما لا يعرفون) وتعبّر عنها بأجمل أسلوب وأبلغ بيان. فلا شك أنّهم سيكونون أمام أقوى وسيلة لتحقيق ذاك الوعي الذاتيّ. وهذه الوسيلة هي الدّعاء، وأجمل الأدعية وأعمقها ما ورد في الصحيفة السجاديّة المباركة. هذه الصحيفة المليئة بالأدعية، التي يُظهر فيها الإمام كل ما يمكن أن يطلبه الإنسان أو يرغب به أو يعاني منه أو يقاسيه، بأروع العبارات وأفصح الكلمات وأبلغها وأجملها.
إنّ من أهم علامات سير أطفالنا نحو الوعي الذاتيّ الكامل أن لا يجدوا صعوبة في التعبير عن مشاعرهم وهواجسهم ومخاوفهم ورغباتهم. ولا شك بأنّ أدعية الصحيفة السجّادية خصوصًا، ستكون عاملًا مسرّعًا لهذا السير، فيما لو أصبحت كتاب المناجاة الأوّل عند أبنائنا.
فكيف نجعل ذلك ميسّرًا لهم؟

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center