Home مقالات

الدور المصيري للمدرسة كيف نعدّ أبناءنا للتعامل مع قضايا الحياة الكبرى؟

الدور المصيري للمدرسة
كيف نعدّ أبناءنا للتعامل مع قضايا الحياة الكبرى؟

السيد عباس نورالدين

كل إنسان بحاجة إلى الحكمة للتعامل مع قضايا حياته المختلفة، فالحكمة ترشدنا إلى قوانين النجاح والفشل، والحكيم هو الذي يتّخذ المواقف المناسبة انطلاقًا من فهمه وإدراكه لهذه القوانين.
إن الحصول على الحكمة ليس بالأمر السهل الميسّر في ظل بيئة إنفعالية منقطعة عن الكتاب والتراث، لكن الانسياق العفوي نحو أهل المعرفة أثناء التعامل مع المشاكل والتحديات يمكن أن يهوّن الخطب. فما زلنا كبشرٍ نؤمن بضرورة الاستشارة والاستفادة من الحكماء. ولكن، هل يتوافر هؤلاء الحكماء حين نحتاج إليهم؟ وهل أنّ لجميع قضايا الحياة ذاك الأثر المباشر على حياتنا بحيث نستشعر عندها تلك الحاجة إلى الحكمة في التعامل معها؟
هذا هو السؤال الأكبر هنا. فعلى ما يبدو إن للعديد من القضايا الكبرى آثارًا بعيدة المدى، نكون معها كالضفدع الذي يُرمى في وعاء ماء وُضع على نار هادئة، حيث لن نشعر بارتفاع درجة حرارة الماء إلا عند غليانه!
بل يمكن القول أن شأن القضايا الكبرى هو هذا بالتحديد. فهي كبيرة، لأنها بعيدة المدى ومحيطة بنا وشاملة، ولا يمكننا إدراكها بواسطة أدوات الإدراك والاستشعار التي اعتدنا على استخدامها في تعاملنا مع قضايانا الصغرى. فنحن بحاجة إلى أدوات ووسائل جديدة فيما لو أردنا أن نكتشف ونحلل قضايانا الكبرى، فضلًا عن التعامل معها، فهل أنّ بيئتنا التي ننشأ ونترعرع فيها قادرة على تزويدنا بهذه الوسائل؟
القضايا الكبرى هي الأمور المصيرية، والتي تحدّد معالم القضايا الصغرى أيضًا، وترسم مصيرها. فإذا كنت عاجزًا عن إدراك الواقع الاقتصادي العام، فستبقى تواجه مشكلة حقيقية في فهم ما يجري على مستوى اقتصادك الخاص المرتبط بعملك ومهنتك وأوضاعك المالية. أنت تقول إنّ راتبي لا يكفيني أو أنّ هذه المهنة هي الأنسب لي لتحصيل المعاش، لكنك تتعجّب كيف أنّ الغلاء يستفحل دومًا أو كيف أنّ هذه المهنة لم تعد تدر ما يكفي كما في السابق. وعجزنا عن فهم الحركة الاقتصادية في العالم وتأثيراتها على اقتصاد بلدنا يجعلنا عاجزين عن تحديد المهنة الأنسب والعمل الاقتصادي الصحيح.
لقد كان هذا العامل حاضرًا دومًا على مدى التاريخ، لكننا اليوم بتنا نشهد له حضورًا أقوى بدرجات، نظرًا للتحولات التقنية المتسارعة، وما نجم عنها على مستوى تزويد القوى الكبرى بقدرات هائلة للتحكم بالآخرين. إننا نتحوّل كل يوم إلى ما يشبه القرية العالمية شئنا أو أبينا. وبات الكثير من قراراتنا يُصنع في مكانٍ بعيدٍ عنّا.
فإمّا أن نصنع شخصية قادرة على التعامل الحكيم مع هذه القضايا، وإمّا أن نُصبح أكثر تبعية وعبودية لغيرنا. وإذا كنا بصدد نيل الحكمة اللازمة هنا، فنحن بحاجة إلى أدوات وقدرات جديدة.
إن مهمة المدرسة الأساسية هي إعداد الإنسان للدخول إلى الحياة بمسؤولية ووعي وحكمة ومهارة. أمّا الاكتفاء بالإعداد للدخول إلى الجامعة فهو يعكس قصورًا فاضحًا، لأن الجامعة ليست سوى إحدى تلك القضايا الكبرى التي يفترض أن نفهمها ونستوعب تأثيراتها قبل الانتساب إليها.
فما هي الجامعة؟ وما هو التخصّص؟ ولماذا ألتزم به طوال حياتي؟ وهل هناك طرق أخرى لتأمين حياة كريمة؟ أسئلة تنبع منها أسئلة عديدة، يُفترض بالإنسان أن يعالجها قبل أن يصل استحقاق الدراسة الجامعية. وما لم ندرك الحكمة في هذه القضية فمن الممكن أن نصبح أسرى خيارات خاطئة تحدد الكثير مما يرتبط بمصيرنا وعيشنا.
إن إنسياق المدرسة نحو وظيفة واحدة، هي الإعداد القوي للنجاح في الجامعة الحالية، ليس سوى خيانة لفكر الإنسان ووعيه ومصيره. فجميع المناهج الجامعية السائدة قد أعدّت لتتماهى مع أوضاع حدّدها أشخاص بناء على مصالح ورؤى خاصة، وليست منزّلة من السماء. ولهذا كان التعليم الجامعي مصنعًا للخاضعين أكثر من المصلحين والثوريين.
 لقد تأسست معظم جامعات العالم لتأمين اليد العاملة لسياسات وبرامج وثقافة خاصة نابعة من رؤية محددة للحياة والاقتصاد والعمل. ولهذا فنحن بحاجة إلى مستوى من الشجاعة والجرأة التي تجعلنا قادرين على طرح الأسئلة الكبرى تجاه هذه القضية، فيما لو أردنا أن نكون أحرارًا. ويحق لنا أن نسأل عن فشل الطب المعروف في القضاء على الأمراض والتخفيف من معاناة البشرية في هذا المجال، مثلما يجب أن نسأل عن فشل العلوم الاقتصادية، ليس فقط في حل المشاكل الاقتصادية، بل حتى في التنبؤ بها وتفسيرها. ويجب أن نمتلك الجرأة للتساؤل فيما إذا كانت العلوم الهندسية السائدة تحد طريقة تفكيرنا وتعاملنا مع موارد الطبيعة.
ومتى يصحّ هذا التساؤل ومتى يجب؟ هل سنمتلك الفرصة والإرادة اللازمة بعد أن نكون قد دخلنا في هذه الاختصاصات وبذلنا لها كل الجهد والإمكانات، وربطنا مصيرنا بها؟
إن أساس المشكلة المرتبطة بقصور المدرسة في التعامل مع القضايا الكبرى، يرجع إلى جهل أصحاب القرارات التربوية بشأن قدرات الإنسان الذهنية والعقلية في المرحلة العمرية التي يقضيها في المدرسة. فكيف إذا أضفنا تآمرًا مكشوفًا ضد أبناء هذه المرحلة، قضى بترسيخ الشعور بالطفولة والقصور حتى بعد بلوغ سن الحلم.
لقد بنيت المدرسة الحالية على مجموعة من الأصول والأفكار التي لا تمت بصلة إلى جوهر الإنسان ودوره وقدراته ومسؤولياته. وقد كان سجن الأحداث وراء جدرانها أحد التدابير التي اتخذتها حكومات من أجل تنظيف الشوارع من الشغب، والحد من المشاكل التي تنجم عن انبعاث هذه الطاقة الشبابية الهائلة دون هوادة.
حسنًا، نحن نتفهم مثل هذا التدبير النابع من عجز واضح عن تحديد معنى الحياة وفلسفة الوجود، ونتفهمه أيضًا في ظل مشكلة العمالة والبطالة وعجز السوق عن استيعاب الآلاف المؤلفة لخريجين بعمر الثامنة عشر والعشرين. لكننا لا يمكن أن نقبل به أو نستسلم له ونحن نمتلك فلسفة عميقة وواضحة وميسرة حول دور الإنسان وموارد الطبيعة والكون والحاجات الهائلة للعمل والفرص اللامتناهية في هذا الوجود، بالإضافة إلى ما نعرفه عن القوى العظيمة المودعة في الإنسان وإمكانية تفتحها ونضجها في سن الثالثة عشر و..
بدل أن تكون المدرسة هي المشكلة يجب أن تكون الحل، لأنّها المرحلة الحساسة التي تقرر الكثير مما يحدث لاحقًا. ولا يمكن جعلها كذلك إلا إذا أعدنا بنائها على ضوء رؤيتنا الكونية التي تشمل تعريف الإنسان والحياة والوجود والمصير تعريفًا يختلف تمامًا مع الرؤية الغربية التي بنيت المدرسة الحالية على ضوئها.
 فإذا انطلقنا من الرؤية الإسلامية، وعملنا على تحديد القضايا التي يفترض بالمدرسة أن تعدّ طلابها للتعامل معها، واكتشفنا تلك القدرات المودعة في الإنسان بما هو مخلوق إلهي، سنتمكن حينها من البدء بعملية إعداد المناهج المناسبة لبناء مجتمع قوي حضاري رسالي مستقل مزدهر متفوق عالمي.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center