Home مقالات

حلّ معضلة تعليم الرياضيات والحساب

حلّ معضلة تعليم الرياضيات والحساب

السيد عباس نورالدين

لعلّ الذي أطلق مصطلح الرياضيات على هذا العلم كان يرى أنّه يحتاج إلى الكثير من التمرين. فهو ليس مجرّد رياضة واحدة بل رياضيات! لكن ماذا عن المناهج المدرسية التي يُفترض أن تهيّئ الطالب للتخصّص الجامعيّ؟ هل يجب أن تعاني الأغلبية الساحقة من تلامذة المدرسة من هذه الرياضات الذهنية الشاقّة لكي يتمكّن عددٌ قليل منهم من الدخول إلى بعض الاختصاصات الجامعية؟
إنّ ما نصبو إليه هو أن يتمكّن الجميع من إتقان جميع المهارات الذهنية الرياضية، وأن يتفوّقوا ويبدعوا قبل اختيار التخصّص، فتتّسع خياراتهم بدل أن تضيق. وبرأيي فإنّه، وبمعزل عن أهمية التخصّص، لا ينبغي أن يكون الضعف والنقص في علمٍ ما سببًا لتوجّه التلميذ إلى علمٍ آخر؛ خصوصًا إذا كان بالإمكان جبر هذا الضعف وتكميل هذا النقص بسهولة.
يجب أن تكون المدرسة عاملًا لتوسعة الخيارات، لسببين أساسيين؛ الأوّل يرتبط بحاجات البلاد، والثاني يعود إلى صعوبة وإشكالية تحديد التخصّص المطلوب والمناسب مع نهاية المرحلة المتوسطة. ولهذا، يجب أن تعمل المناهج المدرسية على تمكين الطلّاب من جميع المهارات والكفاءات المعرفية والذهنية والنفسية التي تنفتح على كل مجالات الحياة؛ وذلك لكي تكون خياراتهم نابعة من وعي وقدرة ورغبة ودقة، لا من هروب وضعف واضطرار.
ولكي تحقّق المدرسة هذا الهدف، يجب أن نعيد بناء مناهجها كافة، ونعمل على تمكين الطالب من جميع المقدّمات الواقعية للتخصّصات الجامعية، بدل أن نهرب إلى الأمام ونوجّه التعليم المدرسي من السنوات الابتدائية نحو فروع الأدبي والعلمي والاجتماعي وغيره.
إنّ ثقل تعلّم الرياضيات يؤدّي غالبًا إلى مشاكل فادحة على صعيد الثقة بالنفس وقدرة التعلّم وما يرتبط بها من قدرات وتوجّهات. ولا يزال المتفوّق في الرياضيات محل تقدير واشتهار أكثر من أي متفوّق في أي مجال علميّ آخر. فالمتفوّق في الرياضيات بحسب هذه الثقافة الشائعة هو الأذكى، ومن لا يفلح بالرياضيات يعاني من الغباء؛ وهذا ما ينعكس على نظرة الطلّاب إلى قدراتهم المرتبطة بالذكاء. وهكذا نجد أنّ الطالب حين يعجز عن مواكبة التطوّر الذهني الرياضي، سرعان ما يعتبر نفسه ناقص الذكاء بنحو ما، وإن لم يعترف بذلك.
لا ينبغي أن تُبنى مناهج الرياضيات على أساس وجود ذكاء رياضيّ مبكر، مثلما أنّه لا ينبغي أن يتمحور التعليم الصفّي حول التلميذ الذكيّ والنشيط.
لقد أثبت التعليم المتمحور حول مساعدة القاصرين والمقصّرين في الصفّ أنّه أفضل الأساليب وأكثرها نجاعة. ومثلما أنّ المناهج التعليمية ينبغي أن تراعي عملية التطوّر الطبيعيّ في المعارف والمعلومات والمهارات التحليلية وغيرها، ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار إمكانية حصول انقطاع أو قصور عن مواكبة هذا التطوّر ومساره المفروض. الأمر الذي يُعدّ أحد أكبر آفات تعليم الرياضيات.
إنّ التراكم والتطوّر التصاعدي في مادّة الرياضيات أمرٌ ضروري وطبيعي، إلّا أنّ انقطاع الطالب عن هذا المسار، ولو لمدّة محدودة أو فصل دراسي، غالبًا ما يؤدّي إلى خللٍ بنيويّ لا يمكن جبرانه بسهولة على مدى السنوات الآتية. أضف إلى ذلك، عاملًا مهمًّا يرتبط باختلاف البشر في النظر إلى المسائل الرياضية وتحليلها. فحين يصرّ المنهج المفروض على طريقة تحليلية واحدة، فهو من الناحية العملية يطرد كل من لا يعتمدها.
وباعتقادي، إنّ للتكامل الرياضيّ الحسابيّ مسارًا عامًّا يمكن أن يستوعب الجميع ويحقّق مجموعة من النتائج المهمّة، التي تبني الشخصية الرياضية القويّة، مهما اختلفت توجّهاتها.
إنّ تقويمًا عامًّا لخرّيجي المدارس، بعد مرور عدّة سنوات، يكشف أنّ من لا يكمل دراسة الرياضيات سيرجع إلى مستوى الطالب الابتدائي في مدّةٍ وجيزة جدًا. وهذا، إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على التركيز المفرط على توجيه الرياضيات نحو تلك الاختصاصات، التي قد لا تزيد عن العشرة بالمئة من مجموع الفروع الجامعية.
هذا، في حين أنّه بالإمكان تحقيق الكثير من المهارات الذهنية الرياضية وترسيخها على مدى الحياة، وجعلها إحدى مقوّّمات الشخصية العلمية المساعدة في أيّ اختصاصٍ أو مهنة أو استحقاقٍ حياتي. وهذا ما يتطلّب إعادة النظر في المسار التكامليّ الرياضيّ.
إنّ المرحلة الأولى في هذا المسار تتطلّب إدراكًا لموقع الرياضيات في عالم الوجود والخلقة، انطلاقًا من أنّ العلاقات الكمّيّة بين عناصره، والانسجام الهندسيّ بين أجزائه، تشكّل إحدى زوايا النظر إلى الكون. وفي المرحلة الثانية، يجب التركيز على دور الرياضيّات في التعبير عن هذه العلاقات والقوانين الحاكمة فيه. ومن ثمّ كيفيّة استخدام هذه القوانين والمعادلات في جميع شؤون الحياة والعيش.
فهذا الوعي والإدراك لا يتطلّب مهارات تحليلية رياضية، لكنّه يمنح الطالب فرصة للانخراط في هذا العلم بوعيٍ تام ورغبة أكيدة بالنظر إلى نتائجه وثماره وفوائده.
ثمّ يأتي دور استخدام المهارات الفطرية، التي تؤكّد على كون كل واحد منّا شخصًا رياضيًّا منذ الولادة، وهو قادر بفطرته على تحليل الكثير من شؤون الحياة، انطلاقًا من هذه المهارات. أجل إنّ هذه المهارات تنمو وتقوى وتشتد بالتمرين والرياضة والاستعمال، وقبل ذلك كلّه، بالإيمان التام بفطريتها.
لفت نظري ذات يوم جملةٌ وردت في كتابٍ حول "الرياضيات للجميع"، تقول أنّ كل إنسان، ولأجل أن يقطع شارعًا واحدًا بأمان، يجب عليه أن يقوم بعشرات العمليات الحسابية، وإلا توّجب عليه أن يتعلّم الرياضيات في المستشفى.
أجل، إنّ كل واحد منّا يمتلك هذه المهارة التي تتوجّه بصورة تلقائية نحو العمليات الذهنية التي ترتبط باهتماماتنا. كما إنّ في كل إنسان حسًّا أو ذكاءً رياضيًّا، يمكن أن تقضي عليه أساليب تعليم الرياضيات الخاطئة. فمن الطبيعي أن ينكر أي إنسان طبيعي أن يكون ناتج جمع عددين من خانة واحدة عددًا مكوّنًا من ست خانات. إنّه الحسّ الرياضي، الذي يجب أن يبقى حاضرًا في كلّ العمليات الحسابية، وهو أساس فهمنا للكثير من العلائق والروابط بين الأشياء. إنّه المنطق الرياضيّ السليم، الذي لا يحتاج إلى عمليات حسابية. فهو أشبه بالذوق.
ولا يصح بحال أن تكون المناهج التعليمية سببًا لضمور هذا الحسّ، الذي هو عماد القدرة الرياضيّة. فهو الذي يجعلنا رياضيّين بالدرجة الأولى، وإنّما تأتي الحسابات الجبريّة وغيرها لتساعدنا على الدقّة والحسم.
الرياضيات نظرة ورؤية، قبل أن تكون حسابات ومعادلات. فحين ينظر الطفل إلى سلّتين مملوءتين بالفاكهة، فهو لا يتوقّع بتاتًا أن يكون مجموعهما أقل من سلّة واحدة منهما. وهذا ما ينطبق على جميع المسائل التي يمكن ان يواجهها في حياته مهما تعقّدت.
المرحلة اللاحقة في تعليم الرياضيات، تقوم على أساس كثرة الاشتغال والتمرين. ونركّز على الكثرة، لما لها من دور واضح في ترسيخ الحسّ الرياضي بشرط أن تُبنى عليه. فيجب أن يكون الجهد عنوان هذه المرحلة، التي يجب أن تصبح مقدّمة لاكتشاف وتطوير الأساليب والطرق التي تقلّل من هذا الجهد.
إنّ الإنسان بطبعه ميّال للراحة وتقليل العناء وتوفير الطاقة، وسوف يعمد بصورة تلقائية إلى الاختزال والترميز والتقنين في العالم الرياضي لأجل تحقيق ما يميل إليه. وحينها يكون الانتقال من الطبيعيّ والواقعيّ إلى الرمز والقوننة سلسًا ومنطقيًّا وطبيعيًّا، ويصبح الترميز (بالأحرف والمعادلات) جزءًا عاديًّا من التفكير الرياضي.
بالاشتغال والتمرين يتم سدّ الثغرات المختلفة وتحصل الاكتشافات العديدة.  لكن هذا كلّه مبنيّ على رعاية المسار التطوّريّ للذهنية الرياضية.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center