Home مقالات

لماذا اقترب الظهور العظيم؟ إحدى العلامات الكبرى لخروج الإمام المهدي

لماذا اقترب الظهور العظيم؟

إحدى العلامات الكبرى لخروج الإمام المهدي

السيد عباس نورالدين

مع تبدّل مسار الحركة البشرية، من الحكومات الاستبدادية الملكية إلى المزيد من مشاركة الشعوب، لم يعد أمام الدول المختلفة إلا أن تقيم حكوماتها وأنظمتها على أسس فكرية وفلسفية قوية.
 كانت شعوب العالم على موعدٍ لاكتشاف قدراتها الذاتية، بعد أن خبرت ردحًا طويلًا تجربة رعايا الملك وعبيد الأسر المستبدّة. ولأنّ الشعوب، التائقة للحريّة والمشاركة، لا يمكن أن تتحرّك إلا بالفكر والتطلّعات النظرية الموسومة بأهداف محدّدة، فقد بدأت الأفكار والأطروحات المتعلّقة بأنظمة الحكم تلقى رواجًا منقطع النظير، حتّى في أشدّ مناطق العالم ظلامًا واستبدادًا. ولهذا، لم يعد بإمكان أي نظام ملكيّ استبداديّ أن يعتمد على عنصر الانتماء الأسري ورابطة الدم، لترويج المشروعيّة لحكمه والحفاظ على سلطانه. وهكذا بتنا نشاهد المسرحيات الهزلية لأنظمة شديدة الاستبداد وهي تلجأ إلى عناوين دينية أو قومية لإقناع شعوبها بمشروعيّتها وتمثيلها لتلك القيم.
لم يكن هذا التحوّل الدراماتيكي، الذي بدأ مع انتصار الثورة الفرنسية قبل أكثر من قرنين، لينتشر في العالم بسهولة ويسر؛ فقد لعبت الأوضاع النفسية والثقافية عند مختلف شعوب العالم دورًا أساسيًّا في استقبال هذا التحوّل أو الوقوف بوجهه. وكان العامل الأول، الذي مهّد لهذه التحوّلات العالمية وعبّد الطرق أمامها، هو وجود أطروحات فكرية واضحة مستدلّة، ترتبط بنظام الحكم، وتدّعي إمكانية تحقيق الحلم الأوّل للبشر: "العدالة".
كانت العدالة أصلًا محوريًّا لجميع الأطروحات السياسية، التي شهدتها البشرية منذ فجر العالم الحديث، والتي بدورها انقسمت إلى أطروحتين أساسيّتين تفرّدًا بالمشهد العالمي حتى انتصار الثورة الإسلامية في إيران. الأولى، هي الأطروحة الليبرالية، التي تعتقد بأنّ إطلاق حرية الفرد في كل مجالات الحياة كفيل ببناء نظام العدالة، وأنّ على النظام السياسي أن يحمي ويدعم هذه الحرية إلى أقصى حد. والثانية كانت الأطروحة الماركسية، التي آمنت بقوّة المجتمع، وبأنّ ذوبان الأفراد في كيانه الأصيل هو السبيل لتحقيق الشيوعية، التي اعتبرت أرقى وأعلى مستوى من العدالة المنشودة!
ومنذ ذلك الحين، لم تحد الأطروحات التجديدية التي تكاثرت في الغرب والشرق عن هذين الأصلين، إلا في تقديم نسخ معدّلة في الشكل دون المضمون. فالانقسام الحاد بين القول بأصالة الفرد وأصالة المجتمع، وما تبع ذلك من أشكال وأنواع لأنظمة الحكم المستنبطة من هذين الأصلين، كالديمقراطية الاشتراكية أو الديمقراطية المقيدة وغيرها، لم يكن سوى إعادة إنتاج لهذه الأطروحات بأثواب جديدة، أو تجارب تدّعي الالتزام الدقيق والتحسين في التطبيق.
وبعد سقوط الاتّحاد السوفياتي، الذي كان القوّة العظمى الداعمة للأطروحة الاشتراكية، تراجعت الدعوة، وتراجع معها الحماس لتبنّي مبدأ أصالة المجتمع، باعتبار أنّ تلك الأطروحة كانت المسؤولة عن هذا السقوط والانهيار المدوّي. ولم يطل الزمان حتى بدأت عورات النظام الليبرالي المقابل تظهر للعيان، سواء فيما يتعلّق بحقيقة مشاركة الشعب في تقرير مصيره أو ما يرتبط بصوابية شعار الرأسمالية الأول: "دعه يمر دعه يعمل".
وقد سجّل عام 2008م، أوج الفشل الذي مُني به النظام الرأسمالي، الذي يمثّل الوجه الآخر للنظام الديمقراطي الليبرالي. وتبيّن أنّ البشرية لا يمكن أن تحقّق الجنة الاقتصادية المزعومة، من دون التدخل المستبد للحكومات والأجهزة الخاصّة؛ إلّا أنّ الناتج الأكبر لمثل هذا الفشل تمثّل في عجز جميع العقول الليبرالية عن تقديم أي أطروحة بديلة؛ وما زلنا إلى اليوم نشهد هذا العجز حتى على مستوى تفسير حقيقة ما جرى. فتلك اليد الخفيّة، التي بشّر بها آدم سميث، قد أُصيبت بالشلل أمام الانهيارات المالية العالمية؛ رغم ما شهده العالم الرأسماليّ، ولأوّل مرّة في تاريخه، على مستوى تحرير السوق من معظم القيود التي فرضتها الحكومات الديمقراطية المتعاقبة.
وها نحن أمام مشهدٍ عالميّ فقدت معه معظم شعوب العالم إيمانها أو حماسها لأي دعوة نحو أي نظام سياسيّ بديل. ولا يبدو أنّ بإمكان هذه الذهنية، التي انقطعت عن وحي السماء، أن تنتج أي شيء جديد في هذا المجال..
إنّه عصر نهاية الأطروحات والرايات، وعصر صعود راية وحيدة، ما زالت ترفرف منذ حوالي أربعين سنة، وتدعو إلى تحقيق أعلى درجات المشاركة الشعبية في تقرير المصير، إنّها راية حكومة السيادة الشعبية الدينية.
إنّ دراسة مستوعبة ومعمّقة لهذه التجربة الفتية، تبيّن أنّها لا تعاني من أي خلل بنيويّ، على مستوى النظرية والرؤية الكونية التي قامت عليها، وإن كانت لا تزال تواجه منذ انطلاقتها سوء فهم عجيب على مستوى المجتمع، الذي يُفترض أن ينهض بها. ولهذا، يمكن القول أنّ هذه الراية ما زالت لحدّ الآن في طور التشكّل النظري في بيئتها الحاضنة، التي تخوض غمار المواجهة الحضاريّة منذ انتصار ثورتها.
أن ينطلق العقل الغربيّ والشرقيّ نحو فهم واستيعاب هذه الأطروحة، بالاعتماد على أصوله العلمانية والدنيوية ويعجز عن ذلك، ليس بالأمر العجيب؛ لكن أن تعجز الذهنية، التي تنطلق من الإيمان بالله وحضوره وتدبيره وشرعة دينه عن فهمها، لهو أمرٌ يستوقفنا كثيرًا. وأغلب الظن أنّ هذه الذهنية ما زالت أسيرة تلك المنطلقات الفكرية للشرق والغرب، وهي تعجز عن فهم حقيقة التباين الأصوليّ بين الإسلام وغيره.
إنّ إحدى مميّزات هذه الأطروحة الدينيّة هي كونها تنطلق من قضيّة الإمامة الإلهية ومن ضرورة وجود الإنسان المعصوم ذي العلم الكلّيّ والقدرة الاستثنائية في الحياة البشرية؛ لهذا، فهي في حقيقة أمرها ليست سوى راية من رايات الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، لأنّها تدعو إليه أيضًا، وتعتبر الوصول إلى حكومته أحد أهم أهدافها العليا.
نحن نعتقد أنّ هذه الأطروحة لم تُطبّق لحدّ الآن إلا بشكلٍ جزئيّ، ولم يتحقّق منها سوى بعض المراحل الأولية؛ ولهذا، فهي وفق الحسابات الإلهية ما زالت تمتلك الفرصة لتثبت نجاعتها وقدرتها على تحقيق ما لم تحقّقه تلك الأطروحات الدنيوية الأخرى. ففي نظام العالم، قضى الله تعالى وقدّر أن يعطي لكل أطروحة ودعوة وراية فرصة لتثبت نفسها، حتى يسهل أمر الإقناع على الإمام المهدي في نهاية المطاف؛ وذلك كما جاء في الحديث المعروف عن الإمام الصادق عليه السلام:
"ما يكون هذا الأمر حتى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد وُلّوا على الناس، حتى لا يقول قائل:" إنا لو ولينا لعدلنا"، ثم يقوم القائم بالحق والعدل".[1]
لم يعد أمام الناس، بعد كل تلك التجارب الفاشلة، سوى تجربة حكومة السيادة الشعبية الدينية، التي تقوم على دعامتين أساسيّتين وهما: قيم الدين، وحكومة الشعب. ولأنّ الإمام المهدي (عجل الله فرجه) سيحكم على هذا الأساس، فإنّ هذه الأطروحة ليست سوى أطروحة مهدويّة مستترة تسعى لإثبات نفسها بواسطة الممهّدين المخلصين. فنحن نعيش في عصر بات الظهور وفق هذه القاعدة أقرب ما يكون إلى الحياة من أي وقت آخر. وهذا القرب لا يعني تحديد الزمان والتوقيت، لأنّ ثبات هذه الأطروحة ونجاحها في تقديم نفسها للعالم قد يتطلّب سنوات طويلة من النضال والكفاح. فالنجاح يرتبط بالعاملين وبجهادهم وإخلاصهم ومعرفتهم؛ وهو أمرٌ لا يمكن لأمثالنا تحديده أو التحكّم به.
إن استطاعت البشرية في الأيام المقبلة أن تقدّم أي أطروحة جديدة للحكم العادل، يمكن لقائل أن يقول إنّ وقت الظهور لم يعد وشيكًا؛ ولكن بحسب معرفتنا بالأصول الفكرية والعقائدية والفلسفية السائدة في كلّ العالم، فمن المستبعد جدًّا أن تتشكّل أي أطروحة لا تشبه سابقتيها بفروعهما المختلفة ونسخهما المعدّلة.

 

[1]. بحار الأنوار، ج 52، ص 244.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center