Home مقالات

عالمنا العالق ببحر المآسي.. كيف ننقذ مجتمعاتنا من أهوال الحروب؟

عالمنا العالق ببحر المآسي

كيف ننقذ مجتمعاتنا من أهوال الحروب؟

السيد عباس نورالدين

إنّ ما نشهده اليوم من مواجهة مستمرّة بين المسلمين والغربيّين يرجع إلى زمنٍ مديد يمتد إلى الحقبة الرومية الاستعمارية الإمبريالية. ولم تكن شبه الجزيرة العربية بعيدة عن مطامعهم في عصر ما قبل الإسلام إلّا بسبب طبيعتها القاسية وثرواتها الضئيلة.
وقد برز خوف الروم وأوروبا من الإسلام مع بدايات البعثة النبوية، وتوارُد الأنباء إلى القياصرة حول تشكّل قوّة طموحة، في تلك المنطقة القاحلة، يمكن أن تهدّد احتلالهم للمناطق العربية المجاورة. وهكذا عزم الروم على دراسة ومراقبة هذه الظاهرة منذ البداية، حيث تشير حادثة مسجد ضرار بوضوح إلى تدخّل الروم واستغلالهم للمنافقين من أجل رصد تحرّكات المسلمين. ثمّ جاءت المعارك الوقائية في "تبوك" و"مؤتة"، لتثبت طبيعة السياسات العدوانية الرومية وتعاظم المخاوف تجاه الإسلام.
لم يكن انكفاء الأوروبيين فيما بعد، إلا تحت سطوة الفتوحات الإسلامية والوحدة بين العرب؛ وبمجرّد أن سنحت لهم الفرصة ورأوا تشتّت المسلمين وضعفهم، عزموا على القضاء على هذه القوّة بواسطة إحدى أطول الحروب في التاريخ، والتي عُرفت بالحروب الصليبية.
لم تكن الطرق والسياسات، التي اتّبعها الغزاة الصليبيّون، لتحول دون طردهم وإخراجهم أذلّاء من المناطق المسلمة، التي احتلّوها لعشرات السنين؛ لكنّهم، وبعد سبعة قرون، عادوا مرّةً أخرى وبيدهم من الأساليب والمخطّطات ما يضمن لهم البقاء والهيمنة لمدّة مديدة. فهذه المرّة، كان المسلمون أكثر بعدًا عن دينهم وقيمهم من أيّ وقتٍ مضى، وصار بإمكان الأوروبيّين أن ينفذوا إلى قلب ثقافتهم ويبتدعوا مذاهب وفرق تحت عنوان الإسلام، تعمل لمصلحتهم وتتحرّك وفق أجندتهم الاستعمارية في أيّ وقتٍ شاؤوا.
لقد أنشأ الغربيّون هذه المرّة إسلامًا ودولًا تابعة في قلب العالم الإسلامي، لا دور لها سوى الفتك بجسد الأمّة الإسلاميّة وإمعان الفرقة والانقسام فيها. ولأجل حماية هذه الدول والممالك العميلة، تم إنشاء كيان سياسي، هو أشبه بقاعدة عسكرية متقدمة، يمكنها أن تستقبل جيوشهم وتسهل إنزالات قوات تدخلها السريع.
لأجل تثبيت هذا الانقسام، كان لا بد من إبقاء شعلة الصراعات والخلافات الحدودية والقومية والدينية والطائفية بين المسلمين أينما كانوا. وهكذا سهل على الغربيين أن يقوموا بأوسع عملية نهب لثروات الشعوب شهدها التاريخ البشريّ بأسره، عبر تطبيق كل هذه السياسات الاستعمارية التفريقية؛ الأمر الذي ما زال على هذا المنوال على مرأى ومسمع العالم كلّه.
تواجه الحركات التحرّرية، والصحوات الإسلامية الرشيدة داخل المناطق المسلمة، مجموع هذه العوامل؛ فيما يبدو أنّ التغلّب عليها أقرب إلى المستحيل. فالأغلبية الساحقة من المسلمين تجهل تمامًا ماهية وهوية هذه الأنظمة العميلة؛ وأنكى من ذلك، هو ما يجري على مستوى كي ذاكرة هذه الأغلبية لتتقبّل وجود هذه الغدّة السرطانية، رغم تاريخها الملطّخ بأبشع الجرائم ضدّ المسلمين ومقدّساتهم.
لقد فعلت الأنظمة المتظاهرة بالإسلام فعلها، واستطاعت أن تقدّم إسلامًا يسهّل عمليّة المسخ والتشويه الساحق للفطرة الإنسانية والعقلانية البشرية. وبتنا أمام شخصية مسلمة شديدة التشوّه والانحراف عن قيم الدين، جرى العمل على تشكيلها عبر استخدام التاريخ والقداسة والقرآن والسنّة، مع إمكانات مالية نفطية هائلة؛ وهذا يعني أنّ أي محاولة لإعادة تشكيلها وتنقيتها ستبدو أمرًا غاية في الصعوبة. وقد جرى الترويج لهذه الشخصية عبر مؤسّسات تبليغية ودعواتية وإعلامية وتعليميّة نافذة، استغلّت في العديد من البلدان والمناطق المسلمة، الفراغات الفكرية والعلمية المزمنة.
لسنا أمام مسلمين مصدومين من هول الفاجعة، التي نجمت عن غزو الأعداء لهم وإهانة مقدّساتهم؛ وإنّما نواجه مسلمين يتوافقون مع أعدائهم ويسعون لخدمتهم بكلّ ما أمكنهم، معتبرين ذلك خدمة للدين والإسلام، حيث أمكن تجنيد مئات آلاف "الجهاديين" منهم، لخوض حروب طاحنة ضدّ المقاومين الداعين إلى الحرية وخروج المحتلّين. ورغم الإنجازات الكبرى التي حقّقها هؤلاء المقاومون الشرفاء، بكسر شوكة هذه القوى التكفيرية المتولّدة من رحم الإسلام الأمريكيّ، وتحطيم هيبة الكيان الصهيوني الربيب، وإفقاده الكثير من فلسفة وجوده كقاعدة عسكرية غربية متقدّمة، فإنّ الكثير من العمل ما زال ينتظر من يريد لأمّته الوحدة والعزّة والكرامة والحرية. وأهم هذه الأعمال هو ما يرتبط بفضح الإسلام الأمريكيّ وكشف زيفه وعمالته وخبثه وخطره.
إنّ أحد أكبر أهداف الإسلام الأمريكيّ هو تأجيج النزاعات المذهبية بين المسلمين وجعلها تصل إلى نقطة اللاعودة، حيث يصبح القضاء على الطرف الآخر مسألة حياة ووجود. ولهذا، خرج الخنجر التكفيريّ من غمده طاعنًا يمينًا وشمالًا مستحضرًا ومضخّمًا كل خلافات التاريخ.
وللأسف، فقد وجد له في كلّ بيئة أنصارًا يعينونه على نبش هذه الخلافات وتفعيلها وجعلها قضية العقيدة والتكليف الشرعي. وكيف لا يجد هؤلاء الأنصار، وقد تم طمس معالم العقل وأركان اليقين منذ الزمن الأول؛ وذلك حين عمّت البلادة والسطحية والظاهرية والتقليد الأعمى والعصبية والقومية معظم المجتمعات المسلمة!
فما لم يتمكّن المصلحون من بعث العقل الإسلاميّ (الذي هو أرقى وأصفى مظاهر العقل) داخل هذه المجتمعات، سيكون من المستحيل نفخ أي روح استنهاضية تحرّرية فيها؛ وهذا ما يقتضي عملية تجديد فكريّة تقرأ القرآن والسنّة والتاريخ بروح عقلانية عميقة، وتضخّ نتائجها الطيبة في الآفاق الإسلامية، التي تئنّ تحت وقع الغزوات المتلاحقة لثقافة الإباحية والفساد والعبث والشيطنة.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center