Home مقالات

تربية الأبناء للحفاظ على سلامتهم

تربية الأبناء للحفاظ على سلامتهم

السيد عباس نورالدين

يتعرّض أبناؤنا لمختلف أنواع المخاطر التي تهدّد سلامة أبدانهم، والتي يكون العديد منها قاتلًا. فهذه سمة من سمات هذا العصر، الذي تتعقّد فيه الحياة وتكثر فيه الوسائل التي تكون كالسيف ذي الحدّين. رغبتنا الشديدة بأن نسهّل حياتنا جعلتنا نندفع بقوّة لاستخدام العديد من الأجهزة والوسائل التقنيّة، التي جلبت معها مخاطر غير محسوبة؛ وثقتنا الزائدة بالمنتجات البرّاقة، جعلتنا نستعمل الكثير من الأطعمة والأدوية والمأكولات التي لا نعرف عنها إلا القليل.
إنّ الاندفاع المحموم وغير المدروس لشركات إنتاج المشروبات والمأكولات، وقدرتها على التهرّب من القوانين والأنظمة الصحيّة، أدّى إلى ملء الأسواق بمنتجات يتم الكشف كل حين عن احتوائها على مواد مضرّة ومسرطنة ومسبّبة لأمراض وعاهات.
وباختصار، إنّ حجم المخاطر التي جلبها هذا العصر تفوق بأضعاف كثيرة ما كان سائدًا في زماننا أو زمان آبائنا؛ ممّا يعني أنّنا نواجه تهديدات لم نستعد لها، سواء من الناحية المعرفية أو المسلكية والثقافية.
نقرأ كل يوم دراسات ونتائج أبحاث تشير إلى مخاطر الهاتف واستعمالاته المتفاقمة، لكنّنا نعجز عن درء هذه المخاطر عن أبنائنا خشية أن يصبحوا متخلّفين عمّا يجري في العالم، أو خوفًا من أن يعانوا من عقد النقص والحرمان.
نصل إلى أوضاع نقف فيها حائرين، غير مزوّدين بما يعيننا على إقناع أولادنا بكيفية التعامل مع كل هذه المخاطر المحتملة.. وحين نتكلّم يشعر أبناؤنا أنّ كلامنا شبيه بالتصريحات الإعلامية الفارغة.
إنّ ما يحتاج إليه إنسان هذا العصر هو تلك القدرات الذهنية والحسّيّة، التي تؤهّله لإدراك هذه المخاطر قبل أن يتعلّم كيفية التعامل معها. إنّ علينا أن نعدّ الإنسان، الذي يمتلك ذكاءً صحيًّا وسلامتيًّا عاليًا، لكي يكون قادرًا على مواجهة المخاطر بحسب ظروفه وأوضاعه.
لقد تمّ إعداد إنسان العصور الماضية ليواجه الذئب والأفعى، لكنّه اليوم أضحى أمام عشرات الكائنات المفترسة، التي لا يمتلك تلك الحواس والإدراكات الغريزية لإدراك مخاطرها. فقد قيل أنّ القوة الواهمة الموجودة عند الإنسان والحيوان هي التي تجعله يشعر بخطر الأسد أو الذئب، ولو لم يكن قد واجهه مرّة واحدة. فالمظهر المفترس والسبعيّ لهذين الحيوانين، كفيل بإشعار أي طفل بطبيعتهما المفترسة من خلال ما يمتلكه من القوّة الإدراكيّة الوهميّة (بحسب المصطلح المنطقيّ). أمّا طفل اليوم، فإنّه يواجه عشرات التهديدات التي تبتسم له وتجذبه وتتظاهر بكل أنواع المودّة والإغراء.
فلم تعد المدركات الأوّليّة، التي أنقذت البشر طيلة آلاف السنين من المخاطر التقليديّة، كفيلة بتأمين سلامتنا وصحّتنا، أمام هذه الأنواع المتشعّبة المتكاثرة من المخاطر المستحدثة. ولأجل صعوبة تعداد هذه المخاطر من جهة، وصعوبة تدريب الأبناء على مواجهتها من جهةٍ أخرى، أصبحنا بحاجة إلى نوعٍ خاصّ من الذكاء (الذي يحلو لي هنا أن أطلق عليه مصطلح الذكاء الصحّي) والذي يكون مزيجًا من عناصر عدّة، كالوعي والقوّة الواهمة، والمعرفة، والمهارة الحسيّة.
يسقط كل سنة عددٌ من الأشخاص من مرتفعات غير شاهقة، ويلاقون حتفهم نتيجة عدم تقديرهم لخطر الوقوف والتحرّك في مثل هذه الوضعيات. فلا شك أنّ هؤلاء أثناء سقوطهم من على هذا الارتفاع المحدود، كانوا يفكّرون فيما حدث حتّى وقعوا في هذا الخطأ، من دون أن يكون هناك أي مجال لتداركه.
ويُبتلى عددٌ كبير من الناس كلّ سنة بأنواع من الأمراض، التي لم يكونوا يتصوّرون أنّهم يمكن أن يُصابوا بها؛ لكنّ الخطأ يحدث، ويتبيّن أنّ إهمالنا لبعض القواعد الصحية الضرورية كان السبب الأول. ثمّ نعيد الكرّة، ونُبتلى مرّة أخرى بالمرض ذاته.
يعاني الكثيرون من صداعات وحالات صحيّة تؤدّي إلى انخفاض مستويات أدائهم وتركيزهم، وأغلب الظنّ أنّ استغراقنا في استعمال الأجهزة الإلكترونية المختلفة هو المسبّب الأوّل لهذا الوهن. ومع ذلك، نجد أنفسنا عالقين في دوّامة الحالات المرضية المقنعة؛ تلك التي لا نطلق عليها عنوان الأمراض، لكنّها تكون مسؤولة عن تدنّي قدراتنا المختلفة.
إنّ ما نحتاج إليه هنا، وقبل أي شيء، هو هذا الوعي العميق تجاه أبداننا وقوانا الجسمانية والعقلية والحسية. يجب أن نتعرّف إلى الاستعدادات الكامنة فينا، والتي يُفترض أن نقوم بتفعيلها بواسطة التفاعل الصحّي والصحيح مع العالم. وهذا ما يستدعي اجتناب المضار بكلّ أشكالها. ولا يصل الإنسان إلى مثل هذا الوعي، إلا على ضوء انتباهه وإيمانه بدوره المركزيّ في قلب هذا العالم، والذي نعبّر عنه بخلافة الله في الأرض.
فأمرنا لا ينحصر في مجموعة من الوظائف التي حدّدتها طبيعة هذه الحياة المستجدّة ومهنها المختلفة، حتّى يُقال إنّنا ما زلنا قادرين على أدائها على أكمل وجه. بل يجب أن نعلم بطبيعة الدور الاستثنائيّ، الذي جعله الله تعالى سبب خلقنا وتمييزنا عن ملائكته وسائر خلقه.
إنّ وعينا العميق تجاه أبداننا وقدراتنا وإمكاناتنا، يبدأ من اللحظة التي تستقر فيها حالة الوعي تجاه دورنا الاستخلافيّ، الذي يقتضي أن نكون في أبهى صورة وفي أحسن تقويم لكلّ العالمين، قبل أن نرتد إلى أسفل سافلين.
إنّ هذا الوعي، هو الذي يعزّز فينا مسؤولية الحفاظ على كل ما يرتبط بأبداننا وأنفسنا ويبعد عنها شتّى أنواع المخاطر، فنصل إلى حالة من الذكاء والانتباه، الذي يجعلنا قادرين على اكتشاف أي نوع من التهديد المحتمل والتعامل معه بمهارة خاصّة.
ولذلك، كان العنصر الأوّل في التربية متمثّلًا في تعميق هذا الوعي الذاتيّ القائم على إدراك الكرامة الإلهية للإنسان. فكثير من الأخطاء التي يقع فيها الناس، وتؤدّي إلى ابتلائهم بأنواع المصائب والأمراض والأضرار، إنّما تأتي نتيجة ضعف شعورهم بكرامتهم الذاتية، التي تتولّد من تكريم الله لهم. ولهذا، كان السبب الأوّل وراء الإدمان على المخدّرات والتدخين والمشروبات والعادات غير الصحية، ناشئًا من الفراغ والضياع والعبثية وفقدان المعنى. وكل هذه العوامل تأتي من ذلك المصدر الفريد.
إنّ أبداننا هي الساحة الأولى التي نتحمّل فيها المسؤوليات الإلهية. ولهذا، كان الحفاظ على النفس والجسد مقدّمًا على الصلاة والصيام وغيرها من العبادات. ولهذا، يحرم الصيام على من يضرّه الصيام، ويحرم الوضوء على من يتلفه الوضوء، وهكذا.. ولا يشك فقيه في ضرورة قطع الصلاة حين يهدّدنا خطر داهم كعقرب أو أفعى أو مس كهربائي أو أي شيء من هذا القبيل، رغم حرمة الصلاة العظيمة التي كانت عشرات الأحكام متعلّقة بعدم قطعها.
إنّ نجاح الإنسان في حفظ جسده وصيانته وتقويته ينشأ من قدرات عقلية عالية، وهو لا يأتي بمحض الصدفة. كما أنّ سعي هذا الإنسان لحفظ البدن يتطلّب منه تفعيل هذه القدرات. ففي ساحة الأبدان تقوى النفوس والعقول والأرواح. ولا ننسى بأنّ أبداننا هي محال تنزّل الروح والفيض، ومنها وبها تعرج.  

 

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center