Home مقالات

ضرورة التربية العقلائية .. ما الذي يمكن أن نقدّمه في هذا المجال؟

ضرورة التربية العقلائية

ما الذي يمكن أن نقدّمه في هذا المجال؟

السيد عباس نورالدين

يوجد فرق دقيق بين العقلانية والعقلائية؛ ولا أعرف إن كان هذا الفارق الاصطلاحيّ قد شاع واستقرّ بالدرجة التي تسهّل علينا الحديث، لكن لإدراك المعنى والمفهوم الحاصل من هذا التفريق دورًا مهمًّا في مجال التربية.
بحسب ما أرى فإنّ العقلانية هي القدرة على التمييز بين النقص والكمال في أي قضية، وإن لم تكن هذه القضية مجرّبة أو مشهودة سابقًا؛ بخلاف القدرة العقلائية التي تعتمد على التجربة (وفي بعض الأحيان على العرف)؛ ولذلك فهي تصب بشكلٍ أساسيّ في إدراك النفع والضر، أو المصلحة الواقعية واكتشاف الخسارة الحقيقية، في القضايا المجرّبة (سواء كانت تجارب ذاتية أو قريبة منّا أو يمكن التعرّف إليها في الآخرين).
يمتلك كل إنسان قدرة المقارنة بين أحواله وأحوال غيره؛ وبفضلها يمكن أن يتوصّل إلى أنّ ما يمر به أو يواجهه في هذه اللحظة مثلًا، قد مرّ أو حصل مع آخرين. أو أنّه إذا شاهد غيره يمر بهذه التجربة، فبمقدوره تطبيق ذلك على نفسه باحتمال وقوعه وحصوله معه في المستقبل. وبسبب هذه المقارنة والتطبيق، يصبح بحاجة إلى استخلاص نتائج واضحة ترتبط بحاله ووضعه. فهل سيقع في هذه الخسارة أو الضرر؟ وما هو حجم ذلك؟ وهل ينبغي أن يتحمّل الخسارة الحالية من أجل دفع خسارة أكبر؟ وهكذا.
إنّ المنبع الأوّل للقدرة العقلائية يتمثّل في التجربة. بينما تتطلّب القضايا التي لم تحدث من قبل ولا يمكن استخلاصها من التجارب المحيطة قدرة عقلية إضافية ذات طبيعة استشرافية أو خارجة عن الزمان والمكان؛ فالعاقل في مثل هذه القضايا يحتاج إلى إدراك ماهية العناصر المكوّنة للقضية ومعرفة حقيقتها.
كثيرًا ما يُطلق على العقلاء صفة العقل، وذلك لأنّ العقلائية قد تكون درجة من درجات العقل. وهي لا شك أدنى مستوى، وتحصل قبل اكتمال العقل ونضجه وتماميته. وموضوعنا الأساسي هنا يرتبط بالاستفادة من هذه القدرة وترسيخها في الشخصية من خلال مجموعة من العوامل التربوية اللازمة.
فلا شك بأنّ العقلائية أمرٌ ممدوح، وهي مرتبة من الكمال الذي يحتاج إليه الإنسان للنجاح في حياته من خلال دفع الأضرار أو اختيار أهون الشرّين أو جلب المنفعة ورعاية المصلحة الأكبر. فإذا قيل بأنّ الحياة الدنيا عبارة عن مجموع الخيارات المتواصلة التي نحتاج فيها إلى جلب المنافع ودفع المضار، فلا مبالغة في ذلك. غاية الأمر، إنّ لهذه الحياة درجة حياة أعلى بكثير، وهي تتطلّب قدرات عقليّة أكبر.. لكنّ النجاح والاستقرار النفسيّ في الحياة الدنيا أمرٌ مطلوبٌ وضروريّ لإقامة الحياة المعنوية والأخروية. ولا يمكن للإنسان أن يبني روحانيّته على خراب دنياه وماديّته.
فإذا لم يقدر على إقامة معيشته وتدبير منزله، وإدارة حياته الأسرية، وضبط علاقاته الاجتماعية، وصيانة جسده وأجساد من هو معنيّ بهم، يكاد يكون مستحيلًا تدبير حياته الآخرة والانطلاق في آفاقها اللامتناهية.
إنّ عدوّ العقلائية الأوّل هو طغيان القوّتين الغضبية والشهوية، حيث نجد أنّ الكثير من المشاكل التي نعاني منها في أمور معاشنا، تنشأ من سيطرة الاعتبارات الاجتماعية والشأنيات، التي تؤجّج فينا نزعة الكبر والتعالي (وإن كان ذلك تحت عناوين الكرامة والعزّة). كما يحدث غالبًا في الحياة الزوجية حيث يتحوّل الإشكال البسيط إلى قضية كرامة وعزّة نفس، ويتم تدمير الأسرة بسبب إصرار أحد الزوجين على استرجاع بعض حقوقه المهدورة بأيّ ثمن. ففي مثل هذه الحالة، لا تكون القضية قضية حقوق ومصالح ومنافع، بل قضية عزّة نفس وكرامة اجتماعية و.. لأنّ الأمر لو كان محسوبًا وفق قواعد المصلحة والمنفعة لعلم هذا الطرف أنّ تدمير الزواج سيؤدّي إلى خسائر أكبر وإهدار كامل للحقوق (هل يبقى حقوق دون زواج؟!).
وكم يحدث أن يُصاب الإنسان بالسمنة والبطنة، بسبب طغيان شهوته وشرهه، وهو يعلم أنّ ذلك سيجر معه الكثير من المشاكل الصحية وغيرها. هذا بالرغم من أنّه شاهد وسمع عن عشرات الحالات المماثلة. وقديمًا قال أمير المؤمنين عليه السلام: "كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ مَنَعَتْ أَكَلَات‏".[1]
إنّ مجتمعنا مجتمعٌ غير عقلائي بسبب تلك الأعراف والأجواء، التي عزّزت طغيان الغضب والشهوة، وصار الكثير من الحسابات قائمًا على أساسهما؛ وكانت النتيجة المزيد من الخسائر والمصائب والمشكلات. وقد أضفت هذه الأعراف والأوضاع على هذا الطغيان عناوين أخلاقية أو نفسية برّاقة، فأضحت هذه الحالات السلبية جزءًا من نسيج التربية الاجتماعية، التي تعمي بصر الإنسان عن أبسط معطيات العقل.
والمجتمع غير العقلائي هو مجتمعٌ يُمنى بالخسائر الفادحة ويتّجه نحو الفقر ويهدر الكثير من طاقاته دون جدوى، وهو غير قادر على تحقيق الازدهار في مسيره العام؛ فتراه يغضّ النظر عن الكثير من الممارسات المدمّرة للبيئة والمهلكة لعناصرها، رغم أنّه يرى النتائج المشؤومة أمام عينيه، أو قد رأى مثلها في المجتمعات الأخرى.
ولهذا، فإن ما نحتاج إليه في مثل هذه التربية ـ بالإضافة إلى تعزيز حضور التجارب وتحليلها وتطبيقها على واقعنا ـ العمل الحثيث على ضبط قوّتي الغضب والشهوة من خلال كشف الأوهام والأباطيل في العادات والبيئة التي أدّت إلى طغيانهما.
إنّ قوّة حضور التجارب المختلفة في مرحلة الطفولة والمرحلة التي تليها، يمكن أن تشكّل أهم عامل مساعد في ضبط الغضب والشهوة نظرًا إلى عدم رسوخهما وتحوّلهما إلى ملكات راسخة في هذه المرحلة العمرية. فيحتاج التعليم إلى استحضار كل ما يمكن أن يواجهه الإنسان في حياته، وعرضه بأبلغ الأساليب قبل أن يقسو القلب بسبب هيمنة الشهوة والغضب. وبالإضافة إلى ذلك يجب أن تنصبّ الجهود التربوية على تعزيز قيمة العقلائية، بعد تعريفها واعتبارها كمالًا حقيقيًّا وشأنًا دينيًّا، واعتبار أنّ النجاح والفشل في الحياة الدنيا وحسن تدبير المعيشة من شؤون الإيمان والحياة الآخرة.

 

 

[1]. نهج البلاغة، ص 501.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center