Home مقالات

كيف نعرف أنّ زواجنا يتّجه نحو الفشل؟


كيف نعرف أنّ زواجنا يتّجه نحو الفشل؟

السيد عباس نورالدين

هل يمكن أن يكون زواجنا  متّجهًا نحو الفشل ونحن غافلون؟
كثيرون استفاقوا على حين غرّة ليروا زواجهم وقد انهار وهم عاجزون عن فعل أي شيء؟
ما الذي يوصل زواجنا إلى هذه المرحلة التي يستحيل معها الإصلاح؟

لا يفشل الزواج هكذا بين عشيّةٍ وضحاها دون مقدّمات؛ ومهما كان التدهور سريعًا، فأي فشل إنّما يحصل نتيجة تراكم مجموعة من الآفات التي تكون قد نخرت في  جذوعه على مدى الأيام وضمن مراحل ثلاث. ولكي لا نستيقظ ذات يوم لنكتشف أنّنا لم نعد قادرين على المضيّ بزواجنا، من المهم أن نتعرّف إلى هذه المراحل، ونعرف ما الذي يمكن أن نقوم به لكي لا ننتقل إلى المرحلة النهائية القاتلة.
قبل أي شيء، نحتاج إلى امتلاك تصوّرٍ واضح عن الزواج الناجح، لكي تتّضح في المقابل صورة الزواج الفاشل. فالنجاح في الزواج يعني، قبل أي شيء، أن يرى الزوجان حياتهما، في ظلّ هذه العلاقة، تعيش حالة من النموّ والتكامل على الصعيد الروحيّ والمعنويّ بالدرجة الأولى. إنّه ذلك الشعور بقيمة الحياة ومعناها، وهو الذي يجعل الإنسان مستعدًّا للتضحية والعطاء والعمل وحتى الجهاد؛ وأيّ انحراف أو غفلة عن هذا المعنى، يفقدنا أوّلًا القدرة والبصيرة اللازمة لتحديد النجاح أو الفشل في أي شيء. فوحده الإنسان المعنويّ، الذي آمن بوجود ما هو أعلى وأثمن من الماديات والحياة الدنيا، قادر على فهم ما يدور حوله ومعه بصورة واعية وعميقة.
المعنويّات الحقيقيّة، التي تمثّل سرّ وجودنا في هذا العالم، تضفي على حياتنا الهدفية، وفي ظلّ وجود الهدف يمكن أن نعرف الطريق، فنحدّد موقعنا الحقيقيّ على خارطة الوجود؛ وبعدها لن نعيش أي حيرة أو ضياع.
إنّ المكاسب الشخصية، التي يمكن أن نحصل عليها من الزواج، وكذلك أنواع اللذات والتمتعات الرائعة، هي الثمار الطيبة للالتزام الأخلاقي والعملي تجاه الزواج نفسه. وهذا الالتزام إنّما يقوى ويشتد كّلما اشتدّ حضور البعد المعنويّ والروحيّ فيه.
وفي المقابل، إنّ فشل الزواج يعني شيئًا أساسيًّا وهو أنّ حالتنا النفسيّة والروحية قد وصلت إلى حيث لم نعد قادرين على الالتزام بالحقوق والواجبات الإسلامية الزوجية (التقوى)، فتكثر أخطاؤنا بحقّ الزوج وتتعقّد معها حياتنا. هذا، بالإضافة إلى الضغط الهائل الذي سينزل على أخلاقنا وروحيتنا.
إنّ هذا الفشل يكون مسبوقًا عادةً بمرحلةٍ من التدهور والانحدار، والتي تكون بدورها مسبوقة بمرحلة وجود مشاكل واقعية في الزواج (سواء تحوّلت إلى شجارات أو لا). ومرحلة المشاكل الجدية، تسبقها عادةً مرحلة تتّصف بعدم وجود الانسجام المطلوب أو ضعفه.
 فكلّ انهيار في العُلقة الزوجية يبدأ من نقطة الانسجام. وما لم يتمكّن الزوجان من تحقيق هذه الحالة بالمقدار اللازم، فإنّ تلك السوسة والبذرة الفاسدة ستتسلّل إلى زواجهما وتبدأ بنخر بنيانه، مهما كان كبيرًا.
فالانسجام، الذي يتحقّق بسهولة من خلال وجود حالة من التكافؤ النفسي والاجتماعي والفكري، يمكن أن يكون صعبًا وبحاجة إلى عمل وجهد حثيث في حال انعدام التكافؤ أو ضعفه، والذي يتّسع بفعل التباين الأخلاقي والمعنوي.
قد تكتشف الزوجة أنّ وضعها الأخلاقيّ يتسبّب بصدور إساءات وأخطاء تجاه زوجها، وقد يلتفت الزوج إلى أنّ طغيان غضبه أصبح منشأ إهانة الزوجة وتدمير روحيتها. ولم يكن هذا التفاوت ملحوظًا من قبل، لأنّ طبيعة البيئة الأسرية التي ترعرعا فيها كانت متشاكلة ومتشابهة إلى حدٍّ كبير فيما يتعلّق بهذا الوضع الأخلاقيّ (في عالم الضباع لا أحد يلوم نظيره على سبعيّته وعدوانيته!).
الزوجة هادئة الطباع ومرهفة الحسّ، والزوج مشاكس وثقيل الدم، وغالبًا ما تظهر تصرّفاته بصورة مزعجة أو مهينة بالنسبة للزوجة. والزوجة حادّة المزاج وانفعالية، وغالبًا ما يؤدّي ذلك إلى تصرّفات وأقوال جارحة للزوج.
ولكي يتحقّق الانسجام، لا بدّ من معالجة هذا التباين الأخلاقيّ، الذي يمكن أن ينسحب إلى الاختلافات الفكرية، والنظرة التي يمتلكها كلّ طرف تجاه الحياة والتربية والمسؤوليات وإدارة المنزل وغيرها. ومن المتوقَّع أن يصبح كلّ اختلاف مثار نزاع وشجار، يقضي على روح المودّة والرحمة، ويسقي بذور العدائية والكراهية والبغضاء بينهما.
في ظلّ الحياة المليئة بالمسؤوليات والتحدّيات (أي الحياة الزوجية)، فإنّ ضعف الانسجام سيؤدّي إلى نشوء مشاكل جدية؛ وما لم تتم معالجة هذه المشكلات بصورة حكيمة، فسرعان ما سنجد أنّ زواجنا بدأ يسلك طريقًا منحدرًا، حيث تتفاقم المشاكل فيه وتكثر الشجارات، ويصبح الاجتناب والابتعاد وتقليل التماس أحد الخيارات المرّة.
إذا أردنا أن نحول دون فشل الزواج، فعلينا أوّلًا أن نعمل على تحقيق الانسجام، من خلال تثبيت مبدأ الاهتمام الأكيد بحاجات الطرف الآخر ومشاعره وتطلّعاته وكيفية نظرته للأمور؛ وغالبًا ما تكون المصارحة عنصرًا محوريًّا في تحقيق هذا الأمر.. وحين نخفق في تحقيق الانسجام التام، ينبغي أن ننتبه إلى إمكانية بروز المشاكل الجدية (مثل شعور الطرف الآخر بالغبن والمظلومية وعدم التفهّم)، لأجل أن نعمل على حلّها بشتّى الطرق الممكنة. وفي حال لم نتمكّن من ذلك، يجب أن نعمل على وضع الكوابح اللازمة لمنع تدهور الزواج واتّجاهه نحو المنحدر الصعب، الذي سيودي به في وادي الفشل والانهيار، حيث سيكون الطلاق أحد خياراتنا الكبرى.
قد يعاني زواجنا من مشكلة ما ترتبط بتحقيق الانسجام، لكنّ ذلك لا يعني أن نستسلم وندعه ينتقل إلى المرحلة التالية. فمن الممكن أن ننجح في معالجة المشاكل الجدية بواسطة الاتّفاق على مجموعة من مبادئ حلّ الخلافات. وفي حال عجزنا عن تثبيت هذا الاتّفاق، فلا بأس من وضع مكابح قوية تمنع من التدهور والانحدار السحيق. فالاستسلام والإخفاق هنا يعني شيئا واحدًا وهو: أنّنا نسير بزواجنا نحو الانهيار التام.

 

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center