Home مقالات

بالشكر يظهر الإمام المهدي... ما هي النعمة التي يجب أن نقدّرها جميعا؟

بالشكر يظهر الإمام المهدي

ما هي النعمة التي يجب أن نقدّرها جميعا؟

السيد عباس نورالدين

{ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى‏ قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ}.[1]
 كان حضور الإمام نعمة إلهيّة كبرى لا تضاهيها ولا تحلّ محلّها أي نعمة؛ لهذا اشتدّ غضب الله على قومٍ فقدوا إمامهم. فلو لم يكفر الناس بهذه النعمة ويجحدوا قيمتها وينكروا قدرها ـ رغم استمرارها لأكثر من مئتي سنة ـ لما غيّب الله تعالى وليّه، الذي به يدفع النقمة والعذاب.
إنّ هذا التغيّر النفسيّ، الذي بدأ منذ وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتفاقم مع الأزمنة والعصور، اقتضى أن يأمر الله الإمام الثاني عشر بعدم الحضور بين الناس إلى أن يأتي العصر المناسب لذلك؛ ولا شك بأنّ هذا العصر المناسب هو الذي يدرك الناس فيه قيمة وأهمية وجود الإمام وضرورته في حياتهم. وهذا مبدأ الشكر. ولا يتم الشكر إلا بعد الاستفادة المطلوبة من هذا الحضور المبارك.
إنّ امتحان الإنسان والبشرية الأكبر هو امتحان الشكر. لهذا، كان الناس دومًا ينقسمون إلى فئةٍ شاكرةٍ وفئةٍ كافرة. ولأنّ نقيض الكفر هو الإيمان ـ ثمّ نقرأ هذه الآيات القرآنية الكريمة كقوله تعالى: {أأشكر أم أكفر}،[2] وقوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورا}[3]ـ ندرك أنّ الشكر هو التعبير الدقيق عن الإيمان. فما نفع الإيمان بالله إن لم يكن فيه شعورٌ وإدراكٌ لحضور الله تعالى! وهل إنّ التجلّي الأعظم لهذا الحضور، سوى نعمة الإمام والوليّ الهادي، الذي يدلّ الناس على صراط الله ويأخذ بأيديهم إلى الجنة وينقذهم من شفا حفرة النار ويدعوهم إلى الله تعالى؟
لقد كان للإمام المهدي طوال عصر غيبته، حضورات وهدايات وإرشادات حسّاسة للأمّة. وكان الناس يستفيدون من هذه النعم بمقدار ما يلاحظونه منها. وكان الإمام المهدي (عجل الله فرجه) قد هيّأ لهم ما هو أكبر وأعلى من هذه النعم، فيما لو شكروا وقدّروا ما كان حقّ التقدير. وكان العلماء الوارثون، أفضل مظاهر هذه العطايا والتسديدات الإماميّة على مدى العصور؛ إلى أن وصل الدور إلى عالمٍ جليل وقائدٍ حريص، كان أعظم وارث للأئمّة الأطهار في هدايتهم ودورهم القياديّ. وكان هذا الفقيه العارف هو الإمام الخميني قدّس سرّه.
لقد منّ الله تعالى على الأمّة الإسلامية بهذا الرجل العظيم، الذي استطاع أن يحقّق إنجازات حضارية كبيرة، كانت بالنسبة للعديد من الأنبياء والأولياء بمنزلة الحلم. وشقّ للشعوب المسلمة والمستضعفة طريق الحرية والعدالة والازدهار، وأعاد للدين دوره المحوريّ في الحياة الاجتماعية والفردية؛ وترك بعد ذلك تراثًا عظيمًا وخليفة رائدًا حكيمًا.
فإنجازات الإمام الخميني ما زالت ماثلةً أمامنا، وتراثه الفكريّ ووصاياه الحكيمة وعلومه العميقة، كلّها بمتناول أيدي الطالبين والتائقين. وباختصار، إنّ كل ما شيّد الإمام عليه من إنجازات (ينبغي الحفاظ عليها وتكميلها)، ما زال حاضرًا ومتوفّرًا وسهل الوصول إليه. وإذا ما شكرت الأمّة ربّها على هذه النعمة، فإنّ الله تعالى وبحكم {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزيدَنَّكُمْ}،[4] سوف يمنّ عليها بما هو أعلى وأكبر؛ وهو ظهور الإمام المهديّ إن شاء الله تعالى.
إنّ الاستفادة من الإمام الخمينيّ تقتضي أن نتعرّف إلى هذا الإمام وندرك نهجه الهادي، الذي كان وراء هذه الإنجازات؛ وقد كان بالإمكان تحقيق المزيد والمزيد لو عرفه الناس والتزموا به. فما تحقّق هو غيضٌ من فيض هذا الإمام، الذي انتقل من هذا العالم راضيًا مبتهجًا، لكنّه حمل معه بعض حسراتٍ على تضييع الفرص، وبقاء بعض الأوضاع دون إصلاح.
وقد تتبّع بعض الباحثين والمفكّرين والمهتمّين بوصايا الإمام وكلماته، ونظروا فيها، فوجدوا نهجًا هاديًا صالحًا لبناء المجتمع العزيز المزدهر القويّ النموذجيّ، الذي يمكن أن يكون أفضل مقدّمة لظهور الإمام المهديّ عجل الله فرجه.
إنّها قاعدة وسنّة إلهية واضحة وصريحة؛ لا تتخلّف ولا تتبدّل، لأنّها من السنن الكبرى الشاملة القائمة على أصول الدين والعقيدة. إنّ ظهور الإمام وحضوره يتطلّب ذاك الوعي والانتباه لمعنى وجوده، الذي يتمثل بحياة الجهاد والسعي لله، وفي سبيل إعلاء كلمته وإقامة دينه. ولا يمكن لهذا الوعي أن يتحقّق بمجرّد ظهور الإمام، بل ينبغي أن يكون سابقًا عليه، ويُعدّ مقدّمة وممهّدًا لهذا الظهور.
ولا شك بأنّ وعينا وانتباهنا للزمان والمكان والأوضاع سيوصلنا مباشرةً إلى تجربة الإمام الخمينيّ، كونها التجربة الوحيدة الساطعة سطوع الشمس في سماء الحياة البشرية. وبفضل هذا الوعي الكونيّ، يمكن أن ندخل إلى عمق هذه التجربة، حيث ندرك طبيعة الإنجازات التي حقّقتها، والمسؤوليات التي نجمت عنها، لنكون قاب قوسين من امتحان الشكر الأكبر.
لا نتوقّع لأمّة أن تنال مجدًا، وهي غافلة عن ماضيها القريب، وإنجازات عظمائها الكبار. وهذه هي الغفلة التي يعمل عليها طواغيت العالم في كلّ مكان يجدون فيه عصبيّة وجهالة وتخلّفًا.

 

[1]. سورة الأنفال، الآية 53.

[2]. سورة النمل، الآية 40.

[3]. سورة الإنسان، الآية 3.

[4]. سورة إبراهيم، الآية 7.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center