Home مقالات

لماذا نحبّ اللغة الإنكليزية أكثر؟

لماذا نحبّ اللغة الإنكليزية أكثر؟

السيد عباس نورالدين

كثيرًا ما نلاحظ الرغبة والتعلّق الشديدين بدراسة اللغة الإنكليزية في مدارسنا، وذلك على حساب اللغة العربية.. ولو انحصر الأمر في الرغبة والتعلّق لهان الخطب، لكن ذلك سرعان ما يُترجم نفورًا من اللغة العربية نفسها.
إنّ ضعف الرغبة بتعلّم لغتنا ودراستها والاطّلاع على آثارها وتراثها والتعبير بواسطتها هو نوع من الانحراف عن ثقافتنا التي تحفظ هويتنا وتمنحنا الكثير من عناصر الصمود والقوّة والمنعة. فالصراع في الحقيقة هو صراع ثقافي، وإحدى أهم ساحاته هي اللغة. ومن الصعب أن يرتبط الإنسان بثقافته بغير طريق اللغة.. كيف، وقد عبّرت هذه الثقافة عن نفسها وعن عناصرها وقيمها ومبادئها وأفكارها وتاريخ أتباعها بواسطة اللغة أكثر من أيّ وسيلة تعبيرية أخرى.
لكن، لهذا الانحراف أسبابه الطبيعية المتوقّعة؛ وما لم نعمد إلى معالجة القضية انطلاقًا من هذه العوامل، فمن الصعب أن نحقّق اختراقًا حقيقيًّا أو إنجازات مهمّة على هذا الصعيد. فالرغبة والشوق والاندفاع للتفاعل مع اللغة الإنكليزية (وغيرها من اللغات الأجنبية بدرجة أقل) يرجع قبل أيّ شيء إلى الحيوية الموجودة في مناهجها التعليمية. ولا تنبع هذه الحيوية من تطوّر وسائل وأساليب تعليم اللغات فحسب، وإنّما تأتي أيضًا من القضايا والموضوعات التي يتمّ طرحها في قالب هذه اللغة. وما يتعرّف إليه الطلّاب عبر هذه الوسيلة يجعلهم يرون ما هو أبعد من دور اللغة كوسيلة للتواصل، وهو احتواء تراثها على غنًى لافت في تناول قضايا الحياة الأساسية والقدرة المميزة والميسّرة على التعبير عن كل ما يمكن أن يخطر بالبال.
مقارنة دقيقة في بيان وتعبير تلميذ ثانويّ مجدّ ومثابر يتقن المناهج المدرسية للّغة العربية والإنكليزية معًا، ويُعدّ من الشطّار المتفوّقين فيهما، يمكن أن تحكي لنا عن الحكاية كلّها.. فتراه إذا استعمل اللغة الإنكليزية ينطلق في عرض أفكار قويّة نابضة بعباراتٍ بليغة وسلسة وعصرية وجذّابة، لكنّه إذا بدأ بالتعبير بلغته الأم يغلب عليه التكلّف وتجف ذاكرته من الموضوعات المهمّة والحسّاسة.
من الطبيعي أن يتفوّق التراث الإنكليزي على التراث العربي في موضوعات الحياة، نظرًا للغنى الكمّي والتطور البياني والأسلوبي الذي راكمه على مدى أكثر من مئتي سنة، هذا في الوقت الذي كانت الكتابات العربية خاضعة للقمع العثماني والجمود والتحجّر الديني في معظم مناطق العرب؛ حتى إذا انطلقت شرارة ما سُمّي بعصر النهضة العربية، كان التقليد سيّد الموقف وأصبحت الأوربة (الانبهار بأوروبا وتقليدها) مثلًا أعلى للحركة الفكرية العربية.
فعلى مستوى الكم من الصعب أن نشاهد الفارق الهائل المخيف. ولهذا يُتاح للّغة الإنكليزية في مناهجها التعليميّة فرصة كبرى للتأثير والحيوية بفضل هذا الغنى الهائل في البيان والتعبير والموضوعات، ممّا لا نجد مثله في مناهج تعليم اللغة العربية.. وحين نريد الرجوع إلى تراثنا العلميّ الإسلاميّ لاستخراج بعض الجواهر واللآلئ نجده مغرقًا في القضايا الكلامية والفقهية التخصّصية، البعيدة عن قضايا الحياة ومشاعر الإنسان.. ولهذا، نكابد كثيرًا إن أردنا نصًّا فكريًّا إسلاميًّا يتناول قضية حياتية أساسية مثل الحرية والعدالة والمصير والإيمان والمعنويات والمقاومة والعمل والإبداع ونمط العيش و..
لهذا، إن أردنا أن نضع اللغة العربية في صلب عملية الإعداد البيانيّ والتعبيريّ والفكريّ، فإنّنا بحاجة أوّلًا إلى نهضة فكرية تنبع من أصول الإسلام، وتترجم كنوز تراث علمائه بأساليب جذّابة ممتعة عصرية، بعيدة عن الجدل العلميّ، الذي انصبغ به على مدى هذه القرون.
ينبغي أن نعترف أنّ أكثر كتابات علماء المسلمين لم تكن موجّهة لعامّة الناس، ذلك لأنّ تكثير الكتب لم يحصل إلّا بعد دخول المطبعة إلى بعض البلدان المسلمة في القرن التاسع عشر، حيث كان الغرب قد سبقنا بحوالي ثلاثمائة سنة.
ثلاثة قرون والطاقات العلمية والفكرية ترتع في بيئة التفاعل والتبادل الفكريّ مع الناس. ثلاثة قرون كفيلة بتحقيق تفوّقٍ نوعيّ وكمّيّ هائل. ثلاثة قرون والمفكّرون الغربيون يكتبون بأسلوب تفهيم الناس وتغييرهم، بدل أن يكتبوا للسلطان الأعظم ملك الممالك وسيد الكونين وعظيم العظماء وفاتح البلدان وعزّة الإسلام.
أستحضر هنا بهذه المناسبة تلك القصّة المشهورة عن التلفزيون الألباني في العقود الأولى لتأسيسه. فقد كانت ألبانيا تحت حكم الدكتاتور، وكان التلفزيون يُعدّ وسيلة خطرة نظرًا لما يمكن أن يكشف عنه من عيوب النظام ومشاكل المجتمع التي تسبّب بها، فلم يكن مسموحًا اقتناء التلفزيون من قبل الشعب؛ ولأجل ذلك كان مذيع نشرة الأخبار ينهي نشرته قائلًا: "عمت مساءً يا أنفر".
المنشأ الأساسيّ للشخصية العلمية المسلمة هو تلك المجامع العلمية، التي ما زالت بالعموم بعيدة عن نبض الشارع وقضايا الحياة وتحدّيات الواقع وآفاق المستقبل ومعرفة الآخر. ولأنّها تنشأ على الجدل العلميّ وإن قلتَ قلتُ وإثبات ما ثبت مرارًا وتكرارًا، فمن الصعب أن تتمّ مقاربة هذه القضايا بغير هذه الذهنية السائدة. ناهيك عن مشكلة اللغة نفسها، والتي خضعت لذلك الصراع السياسيّ المذهبيّ الكوفيّ البغداديّ، وما نجم عنه من انحراف كبير عن روح اللغة. فكيف إذا أضفنا عنصر التطوّر الطبيعيّ للّغة في أحضان القضايا والاستعمال، والذي تصرّ هذه المجامع على تجنّبه تحت حجّة أولويّة التواصل والارتباط بالتراث القديم.
لا نتوقّع من مثل هذه البيئة العلمية أن تنتج تراثًا عصريًّا حيويًّا جذّابًا قادرًا على إثراء اللغة بالموضوعات والأساليب البيانية، التي ترفعها إلى مصاف اللغات الحية النابضة. لهذا، تظهر أكثر الكتابات الإسلامية غريبة عن التعبير المعاصر المفهوم المأنوس. وحين نصرّ على استعمال البيان الفصيح بين الناس، نواجَه بعاصفة من المطالبات الداعية إلى استعمال البيان العامّي الركيك لكونه أقرب إلى القلب!
إنّ قضية اللغة العربية لا تنحصر في إطار البيان والتعبير والهوية والاستقلالية، وهي أمور جوهريّة ولا شك؛ بل تتعدى ذلك إلى ما هو أعمق وأهم وهو ما يرتبط بالقرآن الكريم الذي يُعدّ الواسطة الوحيدة بيننا وبين الله تعالى. والذي جعله الله تعالى حبلًا متّصلًا بين سماء أحديته وأراضي خلقيته، فإذا انقطع هذا الحبل، فلا شيء يوصلنا به. ووسيلة الاتّصال الأولى هنا هي اللغة العربية.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center