Home مقالات

لماذا نهدم أحب بنيان عند الله... هل تكمن المشكلة في جهلنا بحقيقة الزواج؟

لماذا نهدم أحب بنيان عند الله!
هل تكمن المشكلة في جهلنا بحقيقة الزواج؟

السيد عباس نورالدين

ليس الزواج ظاهرة عادية في الحياة البشرية، وإن كان شائعًا جدًّا وسهل التحقّق.. يظن أكثر الذين يدخلون في هذه التجربة أنّه يكفي وجود القدرة على التزاوج وتأمين مستلزمات العيش حتى يتحقّق الزواج بمعناه الحقيقيّ أو بالمعنى الذي أراده الخالق الموجد لهذه الظاهرة العجيبة. إنّ التأمل في وقائع الزواج، يجعلنا ندرك أنّ هناك ما هو أبعد بكثير ممّا تستطيع قدراتنا الذهنية والفكرية والعلمية على إدراكه.
إذا كان الزواج أمرًا متحقّقًا بعد حالة الفصل التام بين الناس: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصير}،[1] وبعد زوال الأنساب:{فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُون}،[2] واستغناء الإنسان عن هذه المؤسّسة في تحقيق كل ملذّاته ورغباته ومشتهياته:{إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ في‏ شُغُلٍ فاكِهُون‏ *  هُمْ وَأَزْواجُهُمْ في‏ ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤوُن}،[3] فهذا يعني أنّ الزواج شيء أبعد أو أعلى ممّا هو شائع.
يصرّح القرآن الكريم بأنّ المتّقين يدخلون الجنّة هم وأزواجهم:{الَّذينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمين‏ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُون}‏.[4] وفي الوقت نفسه، فإنّ دخول الجنّة يحصل بعد تعطيل كل المعاشرات {وإذا العشار عطّلت}.[5] ثمّ نجد أنّ الروايات وكذلك الأدلة العقلية تؤكّد على أنّ كل ما يتمنّاه الإنسان ويحتاج إليه ويستلذ به هناك إنّما يمكنه الحصول عليه من دون أن يكون محتاجًا إلى غيره: {لَهُمْ فيها ما يَشاؤوُنَ خالِدينَ كانَ عَلى‏ رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا}.[6] فحتى الإنجاب، الذي يُعدّ أحد أهم ثمار الزواج في الدنيا يتحقّق لأهل الجنّة بمجرّد الإرادة؛ ولا حاجة لعملية التزاوج البيولوجيّة المعهودة في عالمنا. بل إنّ هذا النظام البيولوجيّ المادّي نفسه يتطوّر إلى الدرجة التي يحقّق للإنسان كل ما يمتّعه ويحفظه ويبقيه ويسعده، من دون أن يعاني من نقائص ومتاعب النظام الأرضي المصاحب بأنواع العناء والألم والمنفّرات والموانع.
إنّ إنسان الجنّة هو إنسانٌ مستغنٍ عن كل ما سوى الله، بل هو مظهر الغنيّ المطلق؛ ينال كل ما يريده بكلمة كن، كما روى الإمام الخميني (قدس سره) في كتاب معراج السالكين الحديث القدسي: "من الحَيِّ القَيُّومِ الَّذِي لَا يَمُوْتُ إِلَىْ الحَيِّ القَيُّومِ الَّذِي لَا يَمُوْتُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُوْن وَقَدْ جَعَلْتُكَ تَقُوْلُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُوْن، فَقَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ: فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ لِلشَّيْءِ كُنْ إِلّا وَيَكُوْن".
هل هذا يعني أنّ لدينا زواجين، زواجٌ دنيويّ وزواجٌ أخرويّ؟ أم يمكن القول بأنّ للإنسان الفرصة ليجعل زواجه الدنيويّ زواجًا أخرويًّا، كما ينبغي أن يفعل بشأن كل شؤونه في هذا العالم الأرضيّ؟ ولعلّ الجواب المباشر عن هذا السؤال هو ما عبّر عنه هذا الإمام نفسه حين قال: "إنّ الأنبياء قد جاؤوا ليرشدونا إلى كيفية جعل دنيانا آخرة".
وكما في كلّ حظٍّ دنيويّ، من الممكن أن نحصره في هذا العالم الزائل، فننتقل بعدها إلى العالم الآخر خالي الوفاض لا نمتلك سوى الحسرة والندامة. وهكذا نجعل زواجنا محلًّا للتمتّع الدنيويّ البحت، ونفرّغه من حظوظه الأخروية، وبذلك نخسر فرصة مهمّة للتكامل والتعرّف إلى الله، بالغفلة والعمى عن إحدى أعظم آياته، كما قال عزّ من قائل : {وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ في‏ ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون‏}.[7]
إنّ القضية المهمّة هنا هي أنّ التمتّع المادّي نفسه لا يمكن أن يدوم للإنسان وينحفظ ويرتقي ما لم يتّخذ وجهة الآخرة. فلا يوجد فصل تام بين الدنيا والآخرة، وإن كنّا نظن ذلك. وكل من أراد أن يجعل زواجه ناجحًا بمعايير الدنيا، فعليه أن يجعل وجهته فيه نحو تحقيق الزواج الأخرويّ.
إنّ إحدى أكبر مشاكلنا كبشر تكمن في اعتدادنا بأنفسنا إلى الحدّ الذي نستغني به عن الوحي الإلهيّ؛ وذلك حين نظن أنّنا محيطون بهذه الظاهرة أو تلك. ولأنّ الزواج ظاهرة فردية (وإن كانت آثاره الاجتماعية بارزة)، ولأنّ أكثر زيجات العالم تجري وفق الاختيار التام للزوج والزوجة، فلعلّ هذا ما يجعلنا نشعر بأنّنا قادرون على الإلمام والإحاطة التامّة به. وهنا يكمن مقتلنا.
إنّني أعتقد بأنّ الزواج، رُغم وضوح الكثير من خصائصه وأحكامه، هو ظاهرة شديدة العمق والتشعّب، لأنّ ما يحدث فيه هو أكثر من السير الفرديّ للإنسان. ففيه يُطلب من هذا الإنسان أن يأخذ بيد شخصٍ آخر، ليسيرا معًا نحو الزواج الأخرويّ.
إنّ مسيرنا الفرديّ هو أمرٌ عميق ـ ولا أقول بالغ التعقيد؛ لكن الذين يسلكون هذا الطريق يعرفون أنّهم لن يتمكّنوا من عبوره من دون مرشد حكيم، كما جاء في الأحاديث أنه "هلك من ليس له حكيم يرشده".[8] والذين يتأمّلون في تراث السير والسلوك الذي قام على هذه الرؤية، وآمن بأنّ للإنسان سفرًا بعيدًا، وقال عنه أمير المؤمنين عليه السلام متأوّهًا: "آه من قلّة الزاد وطول الطريق وبعد السفر"،[9] سوف يستغرب كيف أنّه مكلّفٌ أيضًا بغير نفسه، وعليه في هذه الحياة أن يسعى لمصاحبة شخص آخر معه.
نحمد الله أنّنا لم نكلَّف بالنتيجة، وإلا صار علينا أن نشيب قبل موعد الشيب، كما حصل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من سورة هود المباركة، حين أمره الله تعالى فيها قائلًا: {فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ}.[10] إنّ الله لم يكلفنا بإصلاح الزوج، بل بالسعي لجعل زواجنا أخرويًّا؛ وحين يرفض الطرف الآخر في هذه العلاقة المشاركة في مثل هذا السعي، نكون قد قمنا بما علينا. ولن يفرض الله اجتماع النفوس المتباينة في الجنّة، مثلما أنّه لن يجمع بين أهل النعيم وأهل الجحيم.
إنّ توجيه الزواج نحو حقيقته الأخرويّة هو المسؤوليّة الأولى التي تقع على عاتق الزوجين، حيث ينبغي أن يتعرّفا إلى مستلزمات تحقيق ذلك بدءًا من هذا العالم. ولا شك بأنّ الزواج الأخرويّ هو الذي يحكي عن ذلك الاتّحاد الروحيّ الذي تزول فيه كل ضغينة وغلّ. وقد يتطلّب مثل هذا التوفيق تحمّل الأذى الشديد من الزوج، والذي يحصل نتيجة التباين الروحيّ في هذه الدنيا. فإمّا أن ينتهي الزواج الصعب هذا بالاتّحاد في الدنيا، بعد كل ذلك الصراع والعراك (كأن يرضى كلّ طرف عن الآخر)، وإمّا أن يحصل الافتراق الكلّيّ عنده.
في الزواج منازلة بين نفسين مختلفتين في شؤونهما المادية؛ لكن هذا الاختلاف قد يخفي وحدة وتآلفًا وانسجامًا ومشاكلة روحية. ويكون الزواج بتحدّياته ومشكلاته ومنازلاته عبارة عن إماتة النفس، حتى تتفتّح من ورائها تلك الروح الكامنة، التي كانت تتعذّب طوال الوقت بحثًا عن زوجها الحقيقيّ. وفي الوقت الذي نرى الاختلاف النفسيّ الأخلاقيّ السلوكيّ بيننا كمانعٍ من هذا اللقاء، ربما يكون ما ينجم عنه من منازلة ومعاركة سببًا لتفتّح الروح. ولهذا، نجد المدح العجيب لصبر أحد الزوجين على سوء خلق الآخر.
حين لا نكون متّصلين بأرواحنا، وحين نكون مستغرقين في نفوسنا، فمن الصعب أن نعرف إن كان شريك حياتنا مشاكلًا لنا بالروح. ولعلّ هذا هو أحد أسباب عذاباتنا في الحياة الزوجية. ولا يعني هذا الكلام أنّ رابطة الزوجية الدنيويّة هي رابطة نهائيّة، رُغم قداستها، فقد يكون الخلاص بالطلاق والانفصال في هذه الدنيا. لكن يجب أن نعلن قبل ذلك عن عجزنا عن إدراك تلك الحقيقة الروحية. ولا حلّ مع هذا العجز إلا بإيكال الأمر إلى العالم بخفايا النفوس.
الذين يعرفون عمق هذا الطريق ودقّته وحدّته ومخاطره ومسؤولياته يعرفون جيدًا أنّ السبيل الوحيد لعبوره بنجاح هو أن يلجأوا إلى من خلقه وأوجده وفرضه. ولهذا، ترى الراسخين في العلم منهم يقرّون بالعجز والحسور، وليس لهم سوى أن يقولوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْباب‏}.[11]
إنّنا نصر على تطويع الزواج ليكون على قياسنا ويتناسب مع رغباتنا، التي تكون أحيانًا عادية بسيطة، وأحيانًا شديدة التعقيد، وأخرى وهمية نابعة من مناشئ غير فطرية؛ لأنّنا غفلنا عن حقيقة الزواج وماهيته، ولم نسلّم لخالقه الذي أراده أن يكون مظهر قدرته وعظمته. وهل يمكن للإنسان أن يدرك هذه العظمة إلا بعد الفناء والتسليم المطلق لربّ العالمين!
لقد أقام الله الزواج الأرضي على قيم دينه، وصانه بحمى شريعة الإسلام، لأجل تسهيل التسليم فيه علينا؛ ومع ذلك نصر على فرض شروطنا ورؤيتنا باعتبار أنّ أحكام الله وقوانينه لا تعدو أن تكون مجرّد قواعد للاشتباك. وحين ينفض الاشتباك أو لا يكون، فلنا الحق أن نفرض ما نشاء. قال الله تعالى : {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون‏}.[12]

 

[1]. سورة الممتحنة، الآية 3.

[2]. سورة المؤمنين، الآية 101.

[3]. سورة يس، الآيات 55 - 56.

[4]. سورة الزخرف، الآيات 69 ـ 70.

[5]. سورة التكوير، الآية 4.

[6]. سورة الفرقان، الآية 16.

[7]. سورة الروم، الآية 21.

[8]. بحار الأنوار، ج75، ص 159.

[9]. نهج البلاغة، ص 481.

[10]. سورة هود، الآية 112.

[11]. سورة آل عمران، الآية 7.

[12]. سورة آل عمران، الآية 102.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center