Home مقالات

أحد أعظم أسرار القيادة الإلهية... ماذا تعرف عن إدارة القادة الإلهيّين؟

أحد أعظم أسرار القيادة الإلهية
ماذا تعرف عن إدارة القادة الإلهيّين؟

السيد عباس نورالدين

إنّ أحد أبعاد القيادة الإلهية ومميّزاتها يكمن في القدرة العجيبة على متابعة شؤون الناس التفصيلية ومواكبة قضاياهم المختلفة دون التفريط بأي صغير بحجّة الاهتمام بالكبير؛ وهذا ما يوصي به أمير المؤمنين (عليه السلام) مالك الأشتر حين ولّاه مصرًا: "ولا تدع تفقّد لطيف أمورهم اتّكالًا على جسيمها، فإنّ لليسير من لطفك موضعًا ينتفعون به، وللجسيم موقعًا لا يستغنون عنه".[1]
حين يشعر القائد بالعجز عن متابعة اللطائف والصغائر، قد يقول في نفسه: "طالما إنّني مهتمٌّ بالقضايا الكبرى والأولويات، فلا يهم"؛ فيعوّل على تسامح الناس معه وتساهلهم اعتمادًا على حبّهم له وثقتهم به. وقد تقول الرعية في نفسها طالما أنّ قائدنا يهتم بالأولويات ويتصدّى للقضايا الكبرى والخطرة، فليس من الصائب أن نزعجه بأمورنا الصغيرة. لكن الصغير عند القائد قد يكون كبيرًا بالنسبة لصاحب الحاجة. ولهذا، فسوف يقع الظلم والغبن بحقّ هذا وذاك طالما أنّ قضاياهم غير محلولة؛ لأنّ القضايا الكبرى لا بدّ أن ترشح على الناس بحسب أحجامهم.
فإذا كان القائد الأعلى مواكبًا لمسألة سياسيّة عامّة، فهذا يعني أنّ تداعياتها سترشح وتتنزّل إلى جميع الناس، ولن يكون الاكتفاء بالخطوط العامّة مساعدًا لهم في تشخيص تكليفهم. لهذا، ينبغي أن يتوقّع القائد ما يمكن أن نعبّر عنه هنا بردّة فعل وانعكاس لشعاعه الكبير على المرايا الصغيرة. والقيادة التي تكتفي بشعار "قل كلمتك وامشِ" لا تستطيع أن تقود الناس حقًّا؛ بل ستتركهم يموجون في الحيرة والضياع. لهذا السبب، كانت قيادة المجتمع شأنًا عظيمًا وغاية في الخطورة؛ وكان المتصدّي لها لا يفتأ إلا أن يكون وليًّا أو شقيًّا. وللشقاء علامات؛ وإحدى هذه العلامات عجز المتصدّي عن متابعة الشؤون الصغيرة.
القائد الحقيقيّ هو الذي يعلم أنّ كل خطّة أو قرار أو موقف أو توجيه يصدره، سيكون له تداعيات وتفاعلات كثيرة بحسب أحجام الناس وشؤونهم؛ وعليه أن يكون مستعدًّا لمواكبة هذه الانفعالات من خلال آليات محدّدة يبتكرها بحسب كل قضية. وهنا تتجلّى القدرات الاستثنائية للقادة الإلهيّين، الذين لا يمكنهم المضيّ في هذا الطريق إلا بواسطة التأييدات الإلهيّة الخاصّة.
إنّ عدم قدرة أي قائد على متابعة ما يرد إليه ضمن نطاق صلاحيّاته وعمله يشكّل أكبر ضربة لقيادته؛ ولن ينفعه عندها تعويله واتّكاله على التصدّي للأولويات والكبريات؛ ذلك لأنّ رصيده الأكبر يكمن في أولئك الذين يتفاعلون معه ويؤمنون به ويعتقدون بأنّه الشخص الذي يمكنه أن يحدّد لهم مسؤولياتهم ويعينهم على تشخيص تكاليفهم ويصوّب حركتهم.
القائد الذي يعتمد على الخطابة والتوجيه العام ليس بقائد، وإنّما هو مرشد أو مفكّر أو واعظ. وما لم يؤسّس تلك الآليات الواضحة لمتابعة كل صغير وكبير، فلن يفلح في قيادته وسوف يرى الإخفاق تلو الإخفاق، وتكثر عليه المشاكل، ويزداد عصيان الناس ومخالفاتهم وأخطائهم، إلى الدرجة التي يضطر معها إلى التضحية بالوقت اللازم لمتابعة الأولويات الكبرى من أجل معالجة هذه المشكلة المتفاقمة وتلك المصيبة الحادثة. وليس هذا الأمر ما ذكره أمير المؤمنين تحت عنوان عدم التدخّل في الأمور التي لا يكتمل وضوحها بالنسبة للقائد: "وتغابَ عن كلّ ما لا يضِح لك، ولا تعجلنّ إلى تصديق ساعٍ فإنّ الساعي غاشّ وإن تشبّه بالناصحين".[2]
حين تبعث للقائد برسالة تستفتيه فيها أو تسأله عن أمرٍ ما، ولا تسمع منه جوابًا ولا حتّى اعتذارًا، فإنّ من شأن هذا الإهمال أن يترك في النفس شيئًا من الضغينة أو العقدة. فينبغي للقائد أن يؤسّس تلك الأجهزة التي تساعده على مواكبة كل ما يأتيه؛ لا بل ينبغي أن يجعل أجهزته تأتي إلى الناس وتتفقّد أحوالهم، لا أن ينتظرهم هم حتّى يأتوه بأمورهم ومطالبهم. ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: "وتفقّد أمور من لا يصل إليك منهم ممّن تقتحمه العيون وتحقره الرجال، ففرّغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم".[3]
فالقادة ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: قائد يعتمد على الأولويات ويكتفي بالقضايا الكبرى.
المرتبة الثانية: قائد يتابع كل صغيرة وكبيرة ترد إليه، ولا يهتم بما عدا ذلك.
المرتبة الثالثة، وهي الأعلى: قائد يتابع كل صغيرة وكبيرة حرصًا على الناس ورأفةً بهم ولا يستثقل منهم شيئًا.
إنّ نجاح القيادة يعتمد بشكلٍ كبير على المرتبة الثالثة. وقد نصح أمير المؤمنين (عليه السلام) مالك الأشتر بتخصيص من يثق بهم لهذه المهمّة الحسّاسة والتفصيلية من أهل الخشية والتواضع، الذين يتحمّلون مشاكل الناس وأعباءهم التي تبدو سخيفة جدًّا قياسًا مع الأمور الكبيرة. وقد ضرب هذا الإمام العظيم أروع مثل في سعة الصدر، حين نجده لا يحجم عن إجابة رجل سأله مسألة في العقيدة أثناء حرب الجمل، التي كانت من أصعب ما واجهه الأمير من فتن.
إنّ الرصيد الأكبر لأي قائد يريد أن يكون مسموع الكلمة يكمن في اهتمامه بحاجات الناس وقضاياهم قبل أن يأتوا إليه. ومثل هذه القائد لا يعيش وهم المواكبة الدقيقة نظرًا للحجم الهائل للمراسلات والمتابعات التي ترده. فما لم يؤسّس ذلك الجهاز المخلص الذي يتابع الأمور قبل ورودها، فهو مقصّر بحق شعبه، ولا ينبغي أن يتوقّع إلا ما نلاحظه اليوم من معاناة القادة من عدم وصول صوتهم إلى الكثير من الناس رغم كل هذا التطوّر في وسائل الاتّصال، حيث ينحسر تأثيره بمجموعة صغيرة من المعتقدين والمحبّين الذين رضوا به قائدًا مهما كان.
إنّ ما يمتلكه القائد من حكمة وتشخيص دقيق لعلاج المشاكل لن يصبح ساري المفعول إلا إذا سمعه الناس وأصغوا إليه بعناية؛ وهذا ما لا يتحقّق إلا بعد أن يشعروا بأنّه يواكبهم ويهتم بأمورهم وكأنّه يعيش معهم.
أجل إنّه لأمرٌ عظيم وكبير وصعب وثقيل تعجز الأرض والجبال عن حمله، ويفوق قدرة أي إنسان طبيعي. ولكن من قال بأنّ قيادة المجتمع هي شأن غير إلهي!
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا}.[4]

 

[1]. نهج البلاغة، ص 707.

[2]. نهج البلاغة، ص 701.

[3]. نهج البلاغة، ص 719.

[4]. سورة الأحزاب، الآية 72.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center