Home مقالات

أين أصبحنا من ولاية الفقيه اليوم؟ هل خمد البحث عن ركن التغيير الأكبر؟

أين أصبحنا من ولاية الفقيه اليوم؟
هل خمد البحث عن ركن التغيير الأكبر؟

السيد عباس نورالدين

يُقال إنّ طرح الإمام الخميني لمبدأ ولاية الفقيه كان بمثابة الشرارة الكبرى في استعار الثورة ونفخ لهيب النضال والعمل الثوريّ وتحويله إلى حركة رشيدة وأصيلة. ولا يشك أحد بأنّ هذه الثورة ـ التي أطلقت العنان لأوسع عملية تغيير لمنطقتنا، بل للعالم كلّه ـ قد ارتوت من منبع ولاية الفقيه، وأقامت نظامها السياسيّ عليه. فالصديق والعدوّ يعترفان بأنّه لولا هذا المبدأ الذي اتّصل بعقائد الموالين، لما كان لهذه الثورة مثل هذا الثبات والنضج والاستحكام.
 ومهما كانت أحكامنا الخاصّة وتقويماتنا الشخصية بشأن مكانتها وموقعيتها وتأثيرها في التجربة ككل، فإنّ أكثر ما يستهدفه أعداء الثورة الإسلامية والمتضرّرون منها هو هذه الأطروحة ومن يمثّلها أيضًا.. وهذا، إن دلّ على شيء، فإنّه يدل على إنّه لا استمرار ولا ثبات للنظام السياسي الإسلامي بدونها.
لقد كان لي بحكم السنّ وأشياء أخرى توفيقُ مواكبة هذه التجربة منذ مرحلة الانتصار في إيران وبدايات التفاعل معها في لبنان؛ وشاهدت ذلك عن قرب، كما شاركت في النقاشات والجدالات والاستفهامات التي جرت حولها بصورة واسعة نسبيًّا.. وأولى الملاحظات التي انحفرت في ذاكرتي منذ أكثر من خمس وثلاثين سنة هي أنّ الاعتقاد أو عدم الاعتقاد بولاية الفقيه كان يشكّل العلامة الفارقة في الشخصية المتديّنة آنذاك. وكان يكفي أن يؤمن أحدنا بولاية الفقيه حتى يصبح ثوريًّا مناضلًا مجاهدًا متحرّكًا.
 لذلك تمركزت معظم النقاشات، داخل البيئة المتديّنة والقريبة من الدين، حول هذه القضية أكثر من أي قضية اعتقادية أخرى. وقد ظهر أنّ الكثير من التحوّلات التي جرت في مجتمعنا آنذاك كانت بفضل تأثير هذا النقاش التفاعليّ؛ على الأقل هذا ما شاهدته وعاينته عن قرب. وبعد مرور كل هذه السنوات، يبدو لي أنّ هذا النقاش والاهتمام لم يعد كالسابق، بل فقد تلك الأرضية المناسبة لطرحه وبهت لونه وخمد بريقه. ويبدو أيضًا أنّ الجيل الحاليّ لم يعد يرى تلك العلاقة الوثيقة بين التحرّك الثوريّ والعمل الاجتماعيّ وولاية الفقيه؛ فضلًا عن أن يلاحظ التأثير السابق لهذه القضية فيما يتعلّق بمنطلقات النهضة والمقاومة.
فهل خمد البحث حول هذا الركن السياسي الاجتماعي الديني والاهتمام به، رغم عدم خموده في دوائر المعادين والمخالفين؟
وما هو سبب ذلك؟
 وما هي تداعياته على مستوى مستقبل الحركة الإصلاحية الإسلامية الكبرى؟
قد يسعفنا النظر والتأمّل في مسار هذا البحث لتسليط الضوء على القضية.. ففي بلد مثل لبنان، كانت بدايات التديّن الجديد مقرونة بصورة طبيعية بقضية التقليد والمرجعية. فالالتزام الدينيّ الحرفيّ يعني أن تقلّد مجتهدًا جامعًا للشرائط، تأخذ عنه أحكام دينك (وفي المقابل، كان الاستخفاف بالدين ظاهرًا في الشخصية غير المقلّدة، التي لا يهمّها من أين تأخذ أحكام دينها). ومن حسن حظّ المتديّنين اللبنانيين عمومًا أنّه لم يطل الأمر بين طرح قضية التقليد والمرجعية وطرح ولاية الفقيه. فما إن احتدم النقاش حول "من نقلّد" ومن هو المرجع الأعلم وأمثال ذلك، حتى كانت ولاية الفقيه في وسط هذا النقاش، لتجعل منه نقاشًا حول نظرتنا للدين نفسه وموقعية الحياة السياسية فيه.. فقد جاءت مرجعية الإمام الخميني إلينا مصحوبة مع ولايته وقيادته المظفّرة الملهمة الشاملة. وكان يكفي أن نطرح الصفقة الكاملة (مرجعية زائد ولاية زائد قيادة) حتى تجد الشباب مقبلين ومستقبلين. وبعبارةٍ أخرى، لم تكن المرجعيات التقليدية الأخرى (أي غير السياسية) راسخة الحضور في هذا البلد، كما كان الأمر عليه في إيران في بدايات انطلاقة نهضة الإمام الخميني في ستينات القرن العشرين، أو في العراق حين كان الإمام منفيًّا إليه لمدّة خمس عشرة سنة.
الأجواء العامّة المتفلّتة في لبنان والبيئة المتديّنة الحديثة العهد، لم تحمل معها تلك العصبية والانتماء إلى مرجعيّات أخرى، وما يمكن أن تشكّله من موانع شديدة أمام موجة مرجعية الإمام الخميني؛ وأكثر الذين دعوا إلى تقليد غير الإمام كانوا فاقدين للتأثير المناسب على الشباب، وذلك تحت وقع الحضور الكبير والانبعاث المدوّي لقضية كبيرة هي بحجم قضية مقاومة الاحتلال الإسرائيليّ وتحدّياته، وما صاحبها من اتّصالٍ عميق بالثورة والدولة المنبثقة عنها.
أجل لقد واجه أنصار ولاية الفقيه الجهل الطبيعيّ والتاريخيّ بشأن قضية الولاية الجديدة؛ مثلما خاضوا معركة المرجعية الرشيدة وتحديد معاني الأعلمية وأمثالها؛ لكن حضور الولاية على مستوى المقاومة ـ التي كانت الشغل الشاغل للشباب المتحفّز والناشط ـ كان حاسمًا إلى حدٍّ كبير. وهكذا اجتمعت التجربة المُعاشة مع النقاش العلميّ الهادئ (نسبيًّا)، لتنتج جيلًا واسعًا يؤمن بولاية الفقيه.
بيد أنّ العامل المقابل الذي أضعف هذا الحضور فيما بعد، ويبدو أنّه ما زال حاضرًا إلى اليوم، هو أنّ ولاية الفقيه غالبًا ما كانت ترتبط بمبدإٍ آخر، يصعب طرحه وتبنّيه في ساحة شديدة التعقيد كلبنان، ألا وهو مبدأ إقامة الحكومة الإسلامية. ولا ننسى أنّ دروس الإمام الخميني حول ولاية الفقيه كانت قد طُبعت في لبنان آنذاك تحت عنوان "الحكومة الإسلامية". وحين لا يكون لدى الموالين مشروع أو أطروحة أو حتى إيمان بإمكانية إقامة مثل هذه الحكومة في بلدٍ طائفيّ كلبنان، فمن المتوقّع أن يضعف حضور الولاية المرتبطة بها أيضًا.
العامل الآخر الذي دخل على الخط وأضعف هذا الحضور إلى حدٍّ ما هو تبنّي مشروع الحكومة الإسلامية في لبنان من قبل أشخاص أو تيارات مشبوهة وغير أصيلة، تكشّف فيما بعد أنّها كانت تعمل لحسابها الخاصّ من دون الارتباط العضويّ السليم مع الوليّ الفقيه. وهكذا، انحسر حضور الولاية بسبب ذلك.
حاول بعض المهتمّين بهذه القضية الحسّاسة أن يربطوها بجذورها العقائدية حتّى تبقى حيّة بحياة الإمامة المتجذّرة في الذهنية المتديّنة، لكنّهم ووجهوا بردّات فعل شديدة داخل ساحة المؤمنين بالولاية نفسها. فقد اعتبر المعترضون عليهم أنّ هذا يعني تكفير كل من لا يؤمن بولاية الفقيه، والوليّ الفقيه نفسه يفتي بمعذورية من يوصله الدليل إلى إنكارها. وهذا يعني أنّنا نواجه تيّارًا متعصّبًا متشدّدًا يمكن أن يأخذ الساحة المتدينة إلى جدالات خطرة ومدمّرة. وقد وصف البعض من يقول بعقائدية المسألة أنّهم ملكيّون أكثر من الملك نفسه!
إنّ الالتباسات التي حصلت في هذا المجال، وردود الفعل الشديدة، وسوء الفهم بشأن المقصود بعقائدية ولاية الفقيه، كل هذا ساهم في الإطاحة بهذه المحاولة إلى حدٍّ كبير.
 وهكذا تمّت محاصرة هذا الطرح في زاوية ضيّقة محدودة الإنتاج والتأثير.
 وبعد أن انقسمت الساحة المؤيّدة لولاية الفقيه إلى من يقول بعقائدية المسألة ومن يرفض ذلك، بل يعتبرها حكمًا شرعيًّا غير ضروريّ (حيث تكون فريضة الصلاة والصوم والحج من الضرورات وتكون ولاية الفقيه أقل شأنًا من هذه الفرائض)، تمّ حسم الانقسام لصالح الرؤية الفقهية، وأدّى ذلك بطبيعة الحال إلى انزواء الطرح العقائديّ وركوده.
أراد المؤمنون بعقائدية القضية أن يقولوا بأنّ الاعتقاد بولاية الفقيه نابعٌ من الاعتقاد بالإمامة الإلهية، باعتبار إنّها شأنٌ من شؤونها (وهذا ما نجد عليه العديد من الشواهد في كلمات الإمام الخميني والإمام الخامنئي)، وبذلك تزداد أهمية حضورها ويعلو شأنها باعتبارها إحدى الممهّدات الأساسية لظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، وباعتبار أنّ فهم المجتمع لها من هذه الزواية يضعه على الطريق الصحيح لنصرة هذا الإمام الغائب. ففي النهاية، إنّ تحقّق مثل هذه الظاهرة في حياة الموالين وحركتهم الاجتماعية ليس سوى نعمة من نعم الإمام المهدي وبركاته؛ الأمر الذي يُعدّ ارتقاءً نوعيًّا للموالين أنفسهم، وهو يعبّر عن فهمهم العميق للدين ومشروعه الإصلاحيّ السياسيّ الكبير.
وربما أراد القائلون بعدم ضرورتها أن يمنعوا ظهور تيّار متعصّب تكفيريّ يخرج الناس من المذهب الحقّ لأدنى اعتبار.
وفي كلّ الأحوال، لم يكن معترك النقاش متكافئًا، حيث حظي القسم الثاني بتأييدٍ واسع وإمكانات هائلة؛ وتمّ دفن النقاش دون نعيه وتشييعه. وهذا هو أحد أوجه الحياة الفكرية في لبنان.

 

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center