Home مقالات

كيف يتطوّر التشيّع في عصر الغيبة

كيف يتطوّر التشيّع في عصر الغيبة

السيد عباس نورالدين

نشأ التشيّع كمذهبٍ سياسيّ وعقائديّ وفقهيّ من رحم قضية الإمامة الإلهية؛ وما زال لحدّ اليوم يتفاعل مع هذا المبدأ ويتطوّر ويتشكّل بحسب مستوى هذا التفاعل ودرجاته.. كان الهدف الأوّل من وراء إنشاء هذا المذهب هو ترسيخ تيّارٍ إصلاحيّ داخل الأمّة الإسلامية، يحفظها من الانحراف عن الإسلام، ويتم الحجّة على المسلمين على مدى الزمان، ويحقّق في نهاية المطاف غايات الدين السامية وأهدافه العليا.
إنّ أتباع هذا المذهب كانوا في المرحلة الأولى من أولئك المسلمين الذين اعتنقوا الإمامة كقضية سياسية، وذلك حين لم تكن الانحرافات العقائدية أو الفقهية قد تبلورت بصورة مذاهب وتيارات. وقد كان أوّل افتراق واصطفاف داخل المجتمعات المسلمة حول محور القيادة والحكومة؛ حيث شكّل الشيعة تلك الفئة التي تؤمن بضرورة أن تكون الخلافة لمن نصّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) عليه من بعده.. وفي ظلّ هذا الاعتقاد والانتماء، تبيّن للعديد من المعتقدين بالنص والخلافة أنّ الأمر يتعدّى قضية الأهلية السياسية والاجتماعية ويصل إلى مستوى الموقعية الإلهية والمكانة المعنوية الخاصة، التي يمكن التعبير عنها بالعصمة والوراثة والأعلمية والأفضلية على صعيد جميع الصفات والخصائص الإنسانية..
ولا شك بأنّ هذا التفاعل الذي بدأ سياسيًّا ووصل إلى مسائل العقيدة، قد تأثّر إلى حدٍّ كبير بالأحداث والوقائع والأوضاع الفكرية والسياسية والثقافية، التي كانت تجري داخل المجتمع المسلم؛ لكنّه كان يصفو بعد كلّ كدر، ويقترب إلى الأصل والحقيقة مع كلّ ابتلاء وفتنة، خصوصًا حين كان يتم استهدافه بصورة وحشية من قبل السلطات الحاكمة وأتباعها من العامّة العمياء.
ثمّ جاءت الوقائع الكبرى، التي حدثت في بدايات عصر الغيبة، لتفرض على هذا التيّار أن يتحوّل إلى مذهبٍ فقهيّ مستقل ومتميّز، وذلك كما يُقال لضرورات المرحلة من جهة، ولطبيعة التحدّي الذي فُرض على أتباعه من جهةٍ أخرى. فنشوء المذاهب المختلفة، الذي أعقبه تحديد هذه المذاهب من قبل السلطات الحاكمة، ومنع الاجتهاد في الأحكام (في خطوة ماكرة للإمساك بكل مفاصل دين الناس ومذاهبهم)، جعل الشيعة في موقعٍ حرج، فرض عليهم تحديد الموقف الصريح العلنيّ تجاه موضوعات الأحكام. علمًا بأنّهم كانوا قبل ذلك يتلقّونها بشكلٍ طبيعيّ عن أئمّتهم من دون أن يتميّزوا كطائفة خاصّة مقابل المسلمين.
في هذه الخطوة الخبيثة التي قام بها حكّام الجور لكشف معارضيهم، وذلك عبر فرض مجموعة لا بأس بها من الأحكام الشرعية التي تتعارض أو تختلف مع أحكام أهل البيت (عليهم السلام)، وقع الشيعة في حالة من الحرج والاضطراب؛ ورأى العديد منهم أنّهم أصبحوا أمام خيارين: فإمّا أن يصبحوا مستهدفين ومكشوفين بالإجهار بأحكامهم الخاصّة، وإمّا أن يتخلّوا عن العديد من الأحكام التي يرونها صادرة من معدن الرسالة لأجل عدم الانكشاف.
 وبالطبع، لا نستطيع أن ندّعي أنّ كل الشيعة استطاعوا أن يستوعبوا هذه الضربة، ويمتصّوا آثارها السلبية دون أن ينعكس ذلك على دورهم الرساليّ ومهمّتهم الأساسية التي وُجدوا من أجلها. وربما وجد البعض منهم في المخالفة الفقهية وسيلة للاعتراض على السلطات وتبكيت المخالفين ومواجهتهم.
نرى في انجرار المعركة الأساسية نحو الخلاف حول الفروع، ضربة لمسيرة الإصلاح ولأهدافها الأساسية؛ وذلك لأنّ جانبًا مهمًّا من هذا الإصلاح كان يعتمد على الاندماج الاجتماعيّ بواسطة التقية السياسية. فالاختلاف العقائديّ، مهما كان عميقًا، يصعب تشخيصه، لأنّ قسمًا أساسيًّا منه يرتبط بالإيمان القلبيّ الباطنيّ، كما إنّ العديد من العقائد يصعب على عامّة الناس التمييز الدقيق بينها. فماذا يهمّ الناس إن قلت بوحدة الصفات مع الذات أو بالتباين بينها؟! وما الذي يمكن أن يظهر في سلوكك جرّاء هذا الاعتقاد أو ذاك، ممّا يمكن أن يلاحظه هؤلاء العامّة؟!
 أمّا على المستوى السياسيّ، فإنّ التاريخ يشهد على أنّ الأغلبية الساحقة من المسلمين كانت دومًا في موقع الممتعض والمتنفّر، بل والمتضرّر من السلطات؛ حتى إنّه يمكن القول بأنّ عامّة المسلمين ممّن نصنّفهم اليوم تحت عنوان "السنّة"، كانوا الأكثر تضرّرًا على مدى التاريخ من تلك السلطات، التي كانت تدّعي أنّها حامية حمى الدين والشريعة.
وتدل وقائع التاريخ أيضًا على أنّ تلك السلطات الجائرة المستبدّة كانت تبحث دومًا عن أي نوع من الخلافات المذهبية أو العقائدية أو غيرها لتشخيص المعارضين واتّهامهم بمخالفة الإسلام والشريعة، لكي تستميل تلك الأغلبية المسكينة الغافلة، وتحرفها عن قضاياها الأساسية ومشاكلها ومعاناتها التي كانت هذه السلطات السبب الأول في حصولها. 
كل من كان يساهم في تأجيج النعرات ويسلّط الضوء على الخلافات، كان يقدّم أفضل فرصة لأولئك الخبثاء لكي يحاصروا المعارضين وينكّلوا بهم بواسطة سلاح العامّة والناس. وكثيرًا ما قامت الجماهير الغاضبة المستفَزّة بدور جنود السلطات لتصفية أولئك المعارضين تحت عنوان الدفاع عن الدين والعقيدة والشريعة.
بمقدار ما كانت أي جماعة شيعية تستوعب هذه المؤامرة وتتعامل معها بحكمة التقية، فإنّها كانت تحافظ على كيانها لتستمر في مهمّتها. وبمقدار ما كانت أي جماعة شيعيّة تتعامل بانفعال وعصبية مع هذه الإجراءات الخبيثة، كانت تتعرّض للضربات والخسائر والهزائم.
لقد عرّف أهل بيت النبي الأكرم (عليهم السلام) المصلحين على أفضل وسيلة لدوام مهمّة الإصلاح وبقائها، وهي وسيلة التقية التي، كغيرها من الوسائل في هذه الحياة، تصبح مورد إفراط وتفريط من قبل الجاهلين. ففي الوقت الذي كان يُفترض بالتقية أن تكون وسيلة لتغطية العمل الإصلاحي الحثيث، صارت بالنسبة للبعض وسيلة للتقوقع والعزلة والخمود. وأغلب الظن أنّ هذا التفريط كان في العديد من الحالات ردّة فعل على الإفراط الذي شاهدناه من قبل أولئك الذين غفلوا عن المهمّة والدور.
لا شك بأنّ شعور البعض بالأمان من أي تهديد جدّي قد يحملهم على الإجهار بتلك الأفكار التي سيفهمها عامّة المسلمين بصورة خاطئة (وخصوصًا في ظلّ وجود ذاك العدد الكبير من وُعّاظ السلاطين وخدمة البلاطات)؛ وهذا ما حدث حين تشكّلت بعض الحواضر الشيعية البعيدة عن بطش السلاطين المخالفين.
لقد كان الهدف الأصليّ من تشكيل التشيّع هو بقاء حركة الإصلاح داخل الأمّة الإسلامية من خلال الاندماج والتواجد السهل اليسير بين المسلمين. والآن حيث حصل هذا التمايز المذهبيّ السافر، وأصبحت أبسط الأمور الجزئية والفرعية في الإسلام (كالوضوء مثلًا) وسيلة لكشف المخالف والمعارض، فما هو العمل المطلوب لأجل استرجاع الهوية الحقيقية للتشيّع؟ وهل يجوز لنا أن نتخلّى عن المهمّة الأولى التي أوكلها لنا أهل البيت (عليهم السلام)؟
للبحث عن الجواب الصحيح يجب أن نرجع إلى البدايات والأصول، وأن نعيد إخراج هذه الأصول وتقديمها بما يتناسب مع تلك المهمّة الكبرى، فيما إذا أردنا تصحيح حركة الشيعة في أي بقعة من العالم كانوا. ولا بأس بالتسامح هنا مع الذين يكتفون بالانتماء الفكريّ، ولا يمارسون التشيّع الحقيقيّ الإصلاحيّ؛ فلعلّ هؤلاء يعودون إلى رشدهم يومًا ما، وخصوصًا إذا شاهدوا الحركة المظفّرة الرشيدة للأتباع الحقيقيين السالكين الفاعلين المؤثّرين.
لقد قام التشيع وتطوّر ونما وتشكّل وتبلور حول قضية الإمامة، هذا بالرغم من الكثير من المؤثّرات الخارجية. لكن هذه القضية كانت وما تزال من القوّة والعظمة بحيث إنّها كانت تتغلّب، مع كل تحدّ واستحقاق، على أي انحراف يقع بسبب تلك العوامل الدخيلة. ولقد كان فهم الشيعة للإمامة بمنزلة البوصلة الهادية، التي تمنعهم من تفسير الإسلام كما أراد حكّام الجور والفساد. وبمقدار ما كان علماؤنا يبثّون ويرسّخون من مفاهيم الإمامة وقيمها العظيمة بين الناس، كانت الآثار الإيجابية تظهر في حياة الأتباع المؤمنين وأدائهم وسلوكهم.
وحيث وصل الأمر إلى المرحلة العليا من الإمامة، التي تفرض تعميق العقائد والأفكار بشأن هذه القضية وما يرتبط بها (انظر كم نكتب حول المهدوية ولا ننتهي)، فإنّنا إذا استطعنا أن نقدّم الإمامة بنسختها المهدوية الأصيلة، وننشرها بين الشيعة المتعاطفين أينما وجدوا، فسوف نكون على موعدٍ مع نهضة عظيمة تنتشل هذه المجتمعات من ذلك الحضيض الذي وصلت إليه أثناء غربتها عن القضية الأولى التي تشكّلت على أساسها.
لقد كان للمهدوية لحدّ الآن أكبر الأثر في فهم الإمامة وفي فهم الدين وفي معرفة أسراره ومعانيه. وصحيح أنّ غياب الإمام عن الأنظار كان صعبًا ومؤلمًا، لكنّه كان كالصفعة الموقظة بالنسبة للكثيرين، حيث وجب عليهم أن يعيدوا النظر في أفكارهم الخاطئة أو المحدودة حول الإمامة.
إنّ غيبة الإمام المهديّ (عجل الله فرجه) هي التي فرضت على الموالين وغيرهم أن يفكّروا بعمق في معنى حضور الله تعالى وتدبيره، ليس للمسلمين ومجتمعاتهم فحسب، بل لكلّ العالمين. وهذا ما أراده الله من الدين: {كنتم خير أمّة أُخرجت للناس}.

 

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center