Home مقالات

كيف تصبح ولاية الفقيه قيمة عالمية؟

كيف تصبح ولاية الفقيه قيمة عالمية؟

السيد عباس نورالدين

ولاية الفقيه هي حاكمية العالِم بالشريعة، الذي يُفترض أن يكون عادلًا ورعًا مدبّرًا حكيمًا. وإذا التفت الناس إلى أهمية شريعة الله وعظمتها، فمن لن يقبل بولاية الفقيه هذه؟!
يبقى الحديث عن الضمانات الواقعية لانتخاب هكذا شخص.. فمن الذي يضمن لنا أنّ عملية اختيار فقيه يتمتّع بهذه المواصفات لن تخضع للأهواء والألاعيب السياسية المعهودة في عالم السلطة والزعامة؟ وكيف نضمن أن يثبت هذا الفقيه العادل على عدالته وورعه بعد وصوله إلى السلطة وتمتّعه بهذا القدر الكبير من الإمكانات؟
إنّ إلقاء نظرة ثاقبة على المسار التاريخيّ لطرح ولاية الفقيه، يمكن أن يساعدنا في استشراف مستقبلها كأطروحة شاملة تتمتّع بقيم عالميّة وفطرية سامية. ففي البداية كان الاستعداد لتقبّل ولاية الفقيه منحصرًا في وسطٍ ضيّق ومحدود، وكانت الحكمة في الطرح تقتضي البدء من هذا الوسط بشرط أن تتم مخاطبته بالأسلوب والمنهج الوحيد الذي يمكن أن يفهمه. وكان هذا الوسط عبارة عن رجال الحوزات العلمية الدينية، التي ترسّخت فيها منهجية البحث الأصوليّ الفقهيّ وأصبحت العنوان الوحيد للاعتبار العلميّ.
 وقد شاء الله تعالى أن يضع صاحب هذه الأطروحة، الذي كان يتمتّع بدرجة عالية من الاجتهاد والأعلميّة والقدرة الاستنباطية، وسط حوزةٍ قويّة على صعيد البحث العلميّ، بعيدةً كلّ البعد عن هذه القضية وهمومها، وتعيش حالة من الرفض والتنكّر لتبعاتها ولوازمها التي ترتبط بالحياة السياسية للأمّة.
 وهكذا اضطرّ الإمام الخميني إلى تقديم أطروحة ولاية الفقيه وعرضها بما يتناسب مع هذه الذهنية؛ فما لم ينجح في استقطاب علماء الدين إلى مشروعه السياسيّ القائم على نظام ولاية الفقيه، فسوف يواجَه بعاصفةٍ كبيرة من الرفض والمعارضة، التي يمكن أن تطيح بكل إنجازاته على أرض الثورة والحراك ضدّ النظام الشاهنشاهي المستبد.
كان كسب تأييد مجموعة من العلماء، الذين يتمتّعون بموقعية اجتماعية جيدة من جهة، وإخماد معارضة من قد لا يؤمن بهذه الأطروحة من جهة أخرى، شرطين أساسيين للمضيّ قُدمًا في هذا الطرح حتى تحقيق أهدافه الكبرى. وقد تمكّن الإمام قدّس سرّه من تأمين هذين الشرطين إلى حدٍّ كبير. فرأينا الذين لم يؤمنوا به، عاجزين عن إيجاد المبرّرات الكافية للهجوم عليه ومعارضته بشدّة، حيث اكتفى العديد منهم بتسجيل ملاحظات أو عرض مواقف خجولة ومحدودة، لا يمكن أن تصل إلى حدّ التعرّض والتعريض بالشخصية العلمية لهذا الفقيه المتبحّر.
أمّا الشريحة الثانية، وهي التي تشكّلت من نخبة المجتمع المتديّن، فقد انقسمت إلى قسمين؛ الأول هو الذي يمكن أن يتقبّل ولاية الفقيه باعتبارها شأنًا من شؤون المرجعية. وساعدهم على ذلك رسوخ قضية المرجعية في عرفهم الدينيّ؛ فطالما أنّ مرجعهم الأعلم يقول بولاية الفقيه، فإنّ الواجب عليهم أن يقلّدوه في أحكامه السياسية. والقسم الثاني هو الذي فهم المنطلقات العقائدية لهذه الأطروحة، ورآها امتدادًا للإمامة الإلهية، تتشعّب منها وتحكي عن حضورها في عصر الغيبة بطريقةٍ رائعة.
ويبدو أنّ الكثير من المناوشات والجدالات الفكريّة، التي حصلت داخل هذه الشرائح، لم تقدر على التقدّم بهذه الأطروحة بالنحو الذي وجب أن يؤدّي إلى إظهار جملة من أبعادها المهمّة واللازمة للاستمرار في مشروع الثورة الكبرى.. وهذا ما عكسته رسالة الإمام الخميني الجوابية لآية الله قديري قبيل انتقاله من هذا العالم الأرضيّ، وكذلك تلك الرسالة المشهورة التي أرسلها الإمام لآية الله المشكيني رحمه الله. وقبلها الرسالة الأكثر صخبًا، التي بعث بها لسماحة الإمام الخامنئي حين كان في منصب رئاسة الجمهورية وإمامًا لجمعة طهران.
ومن يطالع هذه الرسائل وغيرها من كلمات الإمام بشأن ما كان يدور من نقاشات وتفسيرات تتعلّق بصلاحية الوليّ ودوره وموقعيّته في النظام الإسلاميّ، يدرك أنّ الساحة العلمائية والنخبوية، كانت بحاجة إلى المزيد من البحث والعمل العلميّ والتعليمي في هذا المجال. وهذا ما انعكس على مستوى انخفاض منسوب الحماس والاهتمام بعرض النظرية والأطروحة في الأوساط الشعبية المحلية والعالمية.
لقد شهدتُ نكوص العديد من المؤمنين بهذه الأطروحة وتردّدهم بشأن وجوب العمل الحثيث على نشر وتعميق هذه القضية باعتبارها العنوان الأكبر لتصدير قيم الثورة ونداء الصحوة والنهضة الإسلامية؛ والتي كان من المفترض أن تزداد قوّةً وحماسًا مع مرور الزمن وتوالي الأحداث.. فحرارة المواجهة التي خاضها أبناء هذه النهضة ضدّ أعدائها لم تبرد يومًا، بل ازداد لهيبها واستعرت حدّتها، وأصبح أعداؤها أكثر شراسة وحقدًا وتصميمًا على وأدها والقضاء عليها مع مرور الأيام. لهذا، فإنّ ما لدي من تفسير لهذا الفتور ينبع من الأمور التالية:
 أ. إنّ المؤمنين السابقين الأولين قد وجدوا بعض الثغرات العلمية في القضية
 ب. أو إنّ المستوى العلميّ الذي تمتّعت به هذه القضية، لم يسعفهم بالأجوبة المطلوبة عن الأسئلة والإشكالات الجديدة.
ج. أو إنّ ذلك يرجع إلى ضيق الزاوية التي نظروا من خلالها إلى ولاية الفقيه، والتي تمنعهم من رؤية عالمية الطرح الكامن فيها.
ويمكن القول بأنّ كبرى الضربات التي تعرّضت لها هذه النهضة الإصلاحية الكبرى، في الداخل وفي الخارج، كانت فيما يرتبط بأساس منطلقاتها (أعني ولاية الفقيه). ومن خلال المشاهدة الميدانية والملاحظة العيانية والقراءة المستفيضة للمشهد الثقافيّ الإيرانيّ خصوصًا، والمشهد الخارجيّ عمومًا، يمكن القول بأنّ "ولاية الفقيه" اليوم هي في حالة من الانحسار التدريجيّ مقارنةً بالأمس البعيد.  
إنّني ألقي باللائمة ها هنا، وقبل أي شيء، على عجزنا عن إظهار هذه الأطروحة بأبعادها القيميّة، التي تتّصل بلغة الفطرة الإنسانية الصافية. والواقع إنّ هذا لم يكن إلا نتاج إصرارنا على حصر هذه القضية في إطارها الفقهيّ الضيق.
إنّه لمن الطبيعيّ أن يبقى النقاش والبحث العلميّ محتدمًا في الأوساط الحوزوية في أي موضوع اجتهاديّ. وحين تبقى قضية ولاية الفقيه مسألة اجتهادية بحتة، فهذا يعني أنّ أصل النظام الإسلاميّ والحركة الجهادية الدينية سيبقيا عرضة للنقاش والآراء المتفاوتة؛ وبهذا فمن البعيد أن يتأمّن لهما الثبات المطلوب. فكم نشاهد من أُناسٍ لا يعتنون بولاية الفقيه، فقط لأنّ مرجعهم لا يقول بها (وإن لم يعارضها). وصحيح أنّ هذا الأمر يتطلّب منّا الكثير من التسامح مع هؤلاء الخامدين، إلّا أنّ التسامح الشخصيّ شيء، والتساهل بشأن الركن الأوّل للنظام والجهاد شيءٌ آخر.
إنّ قضية ولاية الفقيه تنطوي على عناصر قيميّة سامية، تُعدّ بالنسبة لجميع البشر بمنزلة الأهداف العليا التي تعكس إيمانهم بهذا الإنسان، وتحفظ ثقتهم بأنّ هذا العالم ما زال يحمل بشارة الأمل لمستقبلٍ عظيم. وكم هي خسارة أن يبقى المؤمنون المعتقدون بهذه الأطروحة بعيدين عن معانيها الجوهرية، ولا يختبرون التأثير الكبير لها على مستوى حياتهم المعنوية والأخلاقية والسلوكية.
إنّ ولاية الفقيه بأبعادها القيمية تثبت لنا أنّ بإمكان البشر أن ينتجوا أشخاصًا يتميزون بصفات نبيلة مجيدة راقية، في عصرٍ فقد الناس فيه الأمل بالسياسيّين والسياسة والأنظمة والحكومات.
إنّ ولاية الفقيه تحكي عن نجاح الوسط الموالي لأهل بيت العصمة والطهارة في الحفاظ على البيئة التي بإمكانها أن تقدّم للبشرية قادة حقيقيين، يتمتّعون بصفات لا يُسمع عنها إلا في قصص الأنبياء وحكاياتهم. وبذلك أيضًا تظهر عظمة أولئك الذين كان لهم الفضل والدور في تأسيس أركان هذه البيئة وتربية عظمائها. ولا شك بأنّ هؤلاء هم ورثة النبيّ الأكرم وحملة رسالته من ذريته الأئمّة الأطهار (عليهم السلام).

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center