Home مقالات

نحو حياة فكرية فوّارة... بداية العيش الإسلامي الرغيد

نحو حياة فكرية فوّارة
بداية العيش الإسلامي الرغيد

السيد عباس نورالدين

اهتم روحانيّو الإسلام بالحياة والسلوك البشريّ، وتحدّثوا عن التفكّر كثيرًا، وذكروا أنّه المنزل الأوّل في رحلة الإنسان التكاملية، وهو أوّل ما ينبغي تثبيته في النفس والسلوك بالمجاهدة والرياضة الروحية.. فما لم يصبح التفكّر جزءًا أساسيًّا من شخصيّتنا، لا ينبغي أن نتوقّع أي توفيق أو نجاح في المراحل اللاحقة التي يمكن أن نقطعها. وسر ذلك يرجع إلى أنّ التفاعل الفكريّ مع العالم والوجود لهو دليلٌ واضح على وجود بذرة الحياة المعنوية في الإنسان. فما هي قيمة الحياة والتواجد وسط كل هذا الكون الرحب العجيب إن لم يتفاعل صاحبها مع ما يحيط به.
لقد خلق الله العالم بكل مراتبه من أرض وسماوات بكيفيّة ونظام ممتزج بالأسرار والعجائب التي يُفترض أن تستفز الإنسان وتحثّه على البحث والاكتشاف والمعرفة. وهذه الأسرار والعجائب هي ما يعبّر القرآن الكريم عنه بالآيات.. ولم يأمرنا الله تعالى بالتفكّر في هذه الآيات والسير فيها، ولم يذم المعرضين عنها والمتغافلين، إلا بعد أن أوجد فينا القدرة على هذا السير. وحين نعطّل هذه القدرة أو نستعملها في غير ما خُلقت له، فسوف نخسر الفرصة الكبرى للتفاعل الإيجابيّ مع عالم الوجود الذي فيه كلّ الحياة الرغيدة الطيّبة الفوّارة.
حياتنا المعنويّة مرهونة بهذا التفاعل؛ والتفكّر هو الخطوة الأولى على هذا الطريق.
إنّ الدهشة والذهول من الحقائق التي ندركها نتيجة التفكّر، هما اللذان يهزّان قلوبنا وبواطننا ويحرّكانها بالاتّجاه الصحيح. وحين نتوقّف عن الاندهاش والإعجاب بهذا الوجود، فلا شك أنّنا نعاني من خطبٍ ما. وهو ليس بالأمر البسيط.
فمن جهة، عالمنا عالم الأسرار والعجائب المطلقة؛ ومن جهةٍ ثانية، وجودنا قابل للتفاعل المذهل مع تلك الأسرار. وفي ظلّ هذا التفاعل، نكتشف الحِكم والمعاني والدلالات الرائعة التي توجّه سفينة وجودنا بالاتّجاه الصحيح. ألا وهو أصل ومنشأ هذه الأسرار ومبدع هذه العوالم.
في البداية، وحين نكون أطفالًا، تكون هذه القابلية والاندفاع ظاهرة جليّة؛ لكن ما أكثر الأطفال الذين يتعرّضون في طفولتهم لعملية قمع فكري ممنهج جرّاء تواجدهم في بيئات وظروف بعيدة عن الفكر والتفكّر. ولهذا، فقد نكون من هؤلاء الأطفال الذين عانوا من سوء هذه التربية وآثار تلك البيئة دون وعيٍ وانتباه. ولا بدّ أن نبحث قبل أي شيء عن الجروح التي انغرزت في أعماق نفوسنا وأدّت إلى مرض ضعف التفكّر المزمن.
ما الذي حدث معنا حتى ابتعدنا إلى هذا الحدّ عن عجائب الوجود رغم أنّنا نبحر فيه؟ وما الذي يخيفنا اليوم من التفكّر؟ ولماذا حين نشعر بلمحات الحقيقة الكبرى تتراءى أمامنا، نفرّ منها كمن يفرّ من أسدٍ مفترس؟
أجل، قد نكون ممّن يخاف من الحقيقة دون أن نشعر! ففي بعض الحالات يكون قبول الحق مكلفًا جدًّا بالنسبة لنا؛ غافلين عن أنّه لا شيء يحرّر الإنسان ويعتقه من أسر الأوهام كالحقيقة.
ومن علامات خوفنا هذا: ما يظهر على ألسنتنا من حينٍ إلى آخر من أقوال تخالف الحقيقة.. إنّ حالات الكذب (مهما كان حجمها ونوعيّتها) ليست سوى تعبير عن خوفنا من الحقيقة. ومن خاف من الحقيقة ابتعد عنها. ومن ابتعد عن الحقيقة ابتعد عن التفكّر.
فالتفكّر يحتاج إلى شجاعة خاصّة؛ شجاعة قبول الحق والإذعان له مهما كان. وهكذا، يمكن أن نتحرّر من تلك العقد الخفيّة التي تسلّلت إلى نفوسنا ومنعتنا من أن نطلق العنان لتفكيرنا. وهكذا يمكن أن تنطلق مسيرة البحث عن الحقيقة والتفاعل الكبير مع عالم الوجود.
إنّ الفطرة السليمة كفيلة بتحريك آلة التفكير العملاقة في وجود أي إنسان. لكن المشكلة تكمن في احتجاب هذه الفطرة وتعطيل دورها المركزيّ في حياتنا.. لأجل ذلك نحتاج إلى تلك الشجاعة لاستعادة دور الفطرة المحوريّ.
إنّ اعتزازنا بالحياة الفكرية يستلزم جعلها على رأس أولويّاتنا، وخصوصًا في المراحل الأولى. وهذا ما يتجلّى في طلب العلم والبحث والمطالعة دون هوادة.. وبانفتاح أبواب المعرفة، تكثر الأسئلة، فتحصل آلة التفكّر على المواد اللازمة للإنتاج.
لأجل ذلك، يجب أن نتّصل بعالم المعرفة الواسع المترامي الآفاق الذي يُفترض أن يفتح أعيننا على المعاني العميقة للحياة. فإذا كنت ممّن يحبّون العلم ويسعون للتعلّم ولا يوقفهم شيء عن ذلك، فمرحبًا بك إلى الحياة المعنوية الصاخبة الفوّارة.
والضامن الوحيد لاستمرار هذه الرحلة الطيبة هو أن نمتلك القدرة اللازمة للتفكّر الصحيح؛ لأنّ صناعة الأفكار الصائبة وإنتاجها يتطلّب آلة فكرية سليمة؛ وهي العقل. ومن دون هذه الأداة أو القطعة الأساسية في آلة التفكير، فمن المتوقّع أن تتراكم الأفكار الباطلة والخاطئة في أذهاننا إلى درجة نستحسن عندها ما يقترحه بعض الناس علينا من رياضات نفي التفكير!
وما كان سببًا لحياتنا المعنويّة يصبح عندنا مانعًا منها! فنعلق وسط الطريق.
التعقّل والعقلانية هما الأسلوب الذي يجعلنا نجول في عالم الأفكار بحرّيّة وسهولة وسلاسة؛ فنتمكّن من تركيبها ومزجها وجمعها فتنتج المزيد من الأفكار، وهكذا.
وبالرغم من أنّنا نسمع الكثير عن هذا المنطق الاستدلاليّ الإنتاجيّ، حيث يُقال أنّ التحليل أو القياس عبارة عن توليد "نتائج صحيحة وقضايا دقيقة" من تركيب مقدّمات بصورة صحيحة، لكنّ التعقّل أمرٌ أعمق من ذلك وأدق. وهو يعتمد على مسألة جوهريّة، وهي ما يمكن أن نعبّر عنه بالتمييز الدقيق بين الكمال والنقص.
ولكي يكون لدينا هذه القدرة التمييزية، فنحن بحاجة إلى أن نتصوّر الكمال ونتواصل معه ونطلبه؛ أي أن نصبح مرهفي الإحساس تجاهه. ولا تتفاجأ إذا علمت أنّ كل الحقائق في هذا العالم إنّما كانت حقائق لما تحتويه من كمال. فالكمال هو حظّ أي شيء من الوجود والواقع؛ وإنّما تتميّز الأمور وتتبلور أمام أعيننا حين نكتشف النقص المحيط بها أو نتعرّف إلى علاقتها ونسبتها إليه (أي النقص الذي يكتنف هذا الشيء الذي يتمتّع بكمالٍ ما).
إنّ كل حق وحسن وخير ونفع وجمال يرجع إلى الكمال. وهل نبتغي غير ذلك من البحث والمعرفة. ففي الأساس، نحن مفطورون على طلب الكمال في أي شيء نواجهه. وبفضل هذا الاندفاع الفطريّ يمكننا أن نميّز النقص والقبح والشر والضر والباطل في الأشياء.
بواسطة هذا التعقّل، يمكن أن نرى العالم من حولنا وكل قضاياه وحوادثه وشؤونه بصورة صحيحة (نعرف الحقيقة المدهشة المحركة). فيكون تفكيرنا منتجًا ومتواصلًا؛ بل حتّى متكاملًا.
لنفرض أنّنا سمعنا عن كتابٍ مليء بالحقائق والمعارف، (وهذا ما يُتوقّع من الكتب والمؤلّفات)، فسوف نكون عندها على موعدٍ مع فرصة مهمّة لزيادة أفكارنا كمًّا ونوعًا. وهكذا، يمكننا أن نثري أذهاننا ومحفوظاتنا بمواد مناسبة للتفكّر. فالكتاب الجيّد هو الذي يمنحنا الأفكار، والأهم بعثنا على التفكّر. وهذا هو فخر القرآن الأوّل؛ كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.[1]
ولكي نكون من أهل التوفيق في هذه التجربة المرجوّة، لا بدّ أن يكون لدينا طلب صادق وحثيث للكمال من وراء قراءة هذا الكتاب والتأمّل في أفكاره. وهذا ما يتجلّى في كون قراءتنا هادفة، نقصد من ورائها اكتساب المعارف التي تزيدنا حكمة في العمل، وتساعدنا على خدمة خلق الله وعباده.
ففي ظلّ هذا التوجّه تتحرّك عجلة التعقّل ويسطع نوره الهادي على أفكار هذا الكتاب ويضيء لنا طريق المطالعة.
إنّ الحياة الفكرية الفوّارة لا تأتي دون وعي؛ وإذا حصلت كذلك، فإنّها لا تستمر. فلكي نكون من أهل التفكّر على مدى العمر، يجب أن نسلّط وعينا الكلّيّ على هذه الحياة، ونعمل على صيانتها وحفظها وتغذيتها وتقويتها بواسطة برامج ذكية وفاعلة.
لا تتوقّع أن تكون من الأحياء إن لم تطلب الحياة وتستجب لندائها؛ كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.[2]
إنّها عملية واعية قاصدة مثابرة. وقد تتطلّب الصبر وتحمل العديد من الصعاب أو رفض شهوات عابرة. فهي نمط عيش أو بداية لنمط عيش مختلف تمامًا عمّا هو شائع وسائد في مجتمعاتنا.

 

[1]. سورة النحل، الآية 44.

[2]. سورة الأنفال، الآية 24.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center