Home مقالات

ماذا يعني أن يكون لديك حياة فكرية... حياة أبعد من الأفكار

ماذا يعني أن يكون لديك حياة فكرية

حياة أبعد من الأفكار

السيد عباس نورالدين

إنّ إحدى الفوائد الملفتة للحياة الفكريّة هي ما يمكن أن نعبّر عنه بالاتّصال بعالم الأرواح الطيبة!
حسنًا، ينبغي أن أعترف أوّلًا بأنّ فهمنا وتصوّرنا لعالم الأرواح لا يساعد هنا على تقبّل هذا المصطلح. ولكن فلنتريث قليلًا، لأنّ ما سنسمع عنه الآن سيكون مختلفًا تمامًا عن تلك المشاهد المرعبة للأشباح التي تقشعر منها الأبدان.
قبل أن أذكر العلاقة بين الحياة الفكرية وعالم الأرواح، لا بأس أن أتحدّث قليلًا عن هذا العالم العجيب. فلا بد أنّنا قد جرّبنا التواصل مع أُناس كانوا يتمتّعون بروحٍ طيبة نقية، ووجدنا هذا التواصل (مجالسة، معاشرة، صداقة،...) عذبًا جدًّا، لا ينفك يترك آثارًا لطيفةً في أنفسنا. وفي الحقيقة، ربما يمكن القول بأنّه لا يوجد ما هو أجمل وألذ وأطهر من هذا الاتّصال الروحيّ في عالم الدنيا. وفي المقابل، كيف ستكون هذه الحياة لو خلت منه؛ أعتقد أنّها لا يمكن أن تُطاق أبدًا.
إنّ اللذة والراحة والأنس والسعادة التي تغمرنا جرّاء ارتباطنا ـ بل حتى مشاهدتنا ـ لإنسانٍ خالٍ من العقد النفسية والدوافع السلبية (وهو الشخص الذي لا يستطيع أن يضمر لنا أي شر، ولا يفكّر حتى في إيذائنا أو استغلالنا بأي شكل) أمرٌ لا يمكن وصفه بسهولة. لكنّنا ندرك هذه الحالة بقوّة بمجرّد أن يحصل هذا الاتّصال.. فكيف إذا كان هذا الشخص قويّ الروح إلى الدرجة التي ينفذ فينا ويخترق كياننا بأسره؟ حينها سنشعر أنّنا قد تشبّعنا من فيضٍ روحيّ هائل.
حين تعصف بنا الهموم، وتستولي علينا الغموم، لا شيء يمكن أن يخفّف عنّا مثل مجالسة صديقٍ طيب. فلأرواح الطيبين القدرة على تشتيت سحب الهم والحزن مهما كانت ملبّدة؛ بالطبع، إن سمحنا لهم بذلك.
وكثيرًا ما نُحرم من هذه السعادة، فقط لأنّنا ننظر من زاوية المصلحة أو سوء الظن أو التوجّس تجاه أمثال هؤلاء؛ فنضع جدارًا سميكًا بيننا وبينهم، ولا نسمح لأرواحهم بأي نفوذ.
لكلّ روح انبعاث وتشعشع قد يبلغ منتهى آفاق العالم، خصوصًا في القويّ منها. وللروح قدرة على اختراق كل شيء؛ فلا يمكن لأيّ حاجزٍ مكانيّ، وحتى زمانيّ، أن يحول بينها وبين سريانها وتشعشعها.
وليست الأرواح الطيبة إلا مظاهر فيض الله حيث تبثّ فيما حولها ذبذات الرحمة واللطف والحياة. وإنّ أعظم تعبير عن الفيوضات الإلهية هو كلمة الروح. فمن أراد أن يزداد روحًا ويكتسب نصيبًا من هذا الفيض فما عليه سوى الارتباط بهذه الأرواح وفتح أبواب قلبه لها.
وإحدى أهم طرق الاتّصال والارتباط هي ما يجري عبر التواصل الفكريّ. فالأفكار هي ذبذبات الروح التي تستعملها لكي توصل فيضها.
 وقد ميّز الله تعالى الإنسان بهذه القدرة؛ فجعله ناطقًا قادرًا على التعبير عن مكنونات نفسه بصورة مذهلة. وبواسطة الأفكار تتنزّل هذه المكنونات، وتظهر لنا عبر البيان والكلمات والألفاظ. فحين تستمع إلى كلام إنسان فأنت تتّصل بروحه. وإذا أصغيت إليه فأنت تخضع له وكأنّك تسمح لروحه أن تسري فيك. ولهذا ورد في الحديث العجيب أنّه "من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدّي عن الله عزّ وجل فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان".[1]والعبادة هنا بمعنى شدّة الخضوع والإخبات والاستسلام.
المفكّرون الإسلاميون هم أولئك الأشخاص الذين اتّصلوا بكتاب الله العزيز وبمن عنده علم الكتاب. لهذا، فهم متّصلون بفيض الله وروحه عبر أوسع أبوابه، {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مستقيم}.[2]
ولأنّهم حريصون على إيصال هذا الفيض إلينا عبر كتاباتهم وكلماتهم، فإنّ اتّصالنا بهم عبر مطالعتهم سيكون بمثابة فتح أبواب قلوبنا وأرواحنا على هذا الفيض الروحانيّ العظيم.
نخطئ حين نظن أنّ جُلّ ما نكسبه من قراءة كلمات هؤلاء المفكّرين هو مجموعة من الأفكار؛ ولهذا يقول أصحاب التجارب هنا، من الذين وُفّقوا لمطالعة الأعمال الكاملة لمفكّرٍ ما، كالإمام الخميني أو الشهيد المطهري، أنّهم شعروا بنشوء رابطة خاصّة بينهم وبين هذا الكاتب. شيءٌ لا يمكن وصفه بسهولة. لكنّه يحكي عن ارتباطٍ عميق، يشبه ما نشعر به أحيانًا حين نلتقي بالأعزّاء من أرحامنا.
توصلنا بأرحامنا رابطة روحية طبيعية؛ لأنّنا وإياهم من نفسٍ واحدة؛ وهذا ما يسهّل علينا هذا الاتّصال الروحيّ؛ أضف إلى ذلك استعدادنا أحيانًا لتحمّل أذاهم أو غلبة حسن الظن بهم على أفكارنا، أو رغبتنا بالتجاوز عن أخطائهم تجاهنا (فهذا ما يُتوقّع في الروابط الرحمية). وحين نجالسهم نشعر بسعادة تغمرنا، وكأنّنا حصلنا على روحٍ إضافية لبعض الوقت؛ وقد يمتدّ هذا الشعور لعدّة ساعات. تذكّروا هذا الشعور أيّام العطلة وحين يجتمع الأقارب.
فالقصّة كلّها هي في انفتاحنا على أرواح الآخرين والسماح لها بالنفوذ إلى قلوبنا.. ولأنّ أهل الفكر قد بثّوا أرواحهم في كتبهم وكلماتهم، فما أسهل الاتّصال بهم عندئذٍ، وما أيسره. يكفي أن تفتح أحد كتبهم وتطالع فيها لبعض الوقت حتى تنتقل إلى عالمهم؛ سواء كانوا أحياء أو أموات. فالروح كما نعلم تخترق كل الحواجز الزمانية والمكانية.. ولهذا، فإنّ المسلم الواقعيّ يحتفظ في بيته بخزانة مليئة بكتب العلماء والمفكّرين الإسلاميّين، لأنّه حريصٌ على الاستزادة الروحية وعلى جعل حياته مفعمة بالروح. فقد جعل بيته يضجّ بالذبذبات التي انطلقت من تلك الأرواح الطيّبة عسى أن يتلقّاها يومًا ما. 
 وفي بعض الأحيان وحين ينتهي من قراءة أحد هذه الكتب، يغمره الشعور بالامتنان، لأنّه أدرك ما لا يمكن إدراكه بغير الكتاب، فيتوجّه بالدعاء لهذا العالِم أو قراءة الفاتحة مهديًا روحها إلى روحه.

 

 

[1]. الكافي، ج6، ص 434.

[2]. سورة الشورى، الآية 52.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center