Home مقالات

قبول النصيحة شرط النجاح.. في الحياة الزوجية

قبول النصيحة شرط النجاح
في الحياة الزوجية

السيد عباس نورالدين

تثبت المشاهدات الكثيرة وجود علاقة وطيدة بين تقبّل النصيحة وتحقيق النجاح. ولا غرابة في ذلك؛ لأنّنا كبشر ندرك حاجتنا للهداية حين نعزم على إنجاز أي شيء بصورة صحيحة، سواء كان بناء بيت أو إتمام مشروع أو زواج. وإنّما يقوى هذا الإدراك ويصبح جزءًا أساسيًّا من شخصيّتنا حين نمتلك المعرفة الصحيحة بطبيعة النفس البشرية وهي أنّها عين الجهل.
نحن لم نأتِ إلى هذه الحياة حكماء وعلماء، وإنّما كان حظّنا من العلم بمقدار ما أقبلنا عليه واكتسبناه؛ وما دمنا متعلّمين، نستمر بتحصيل المعرفة وتلقّي المعلومات؛ وحين ننسى هذه الحقيقة ونغفل عنها، فمن المتوقّع أن يغلب علينا الظن بأنّنا أصبحنا بغنى عن التعلّم؛ وهنا نكون قد أُصبنا في المقتل. فأجهل الجهلاء من يظن أنّه بلغ الغاية من العلم ولم يعد محتاجًا إلى الهداية.
الإقبال على النصيحة الذي هو مقدّمة لاصطيادها، يكشف عن إدراكنا الواعي لحاجتنا إلى الهداية دومًا؛ وتقبّل النصيحة دليل على استعدادنا للعمل بها؛ وليس هذا إلا لرسوخ ذلك الإدراك فينا.
 بيد أنّ كل واحد منّا قد يواجه مثل هذا التحدّي أثناء ذلك، وهو أنّه كيف يحفظ كرامته حين يكون طالبًا للنصيحة أو مهتمًّا بها؟ ألا يظهر في هذه الحالة وكأنّنا أصبحنا في موقعٍ أدنى من الناصح؟ ألا يعني ذلك أنّنا نتنازل عن شيء من عزّة النفس؟
ولهذا قيل أنّه لا يقبل النصح من الآخرين، ولا يشتاق إليه ويرغب به إلا من كان في نفسه متواضعًا للحقّ والخلق. وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى أنّ أحد الحقوق الكبرى للوالي والقائد المسلم على الناس والرعية والشعب أن ينصحوه. فلم يجعل ذلك من المستحبات والنوافل، وإنّما أراد بذلك أن يعلن عن المستوى الرفيع لخُلُق التواضع الذي ينبغي أن يتحلّى به من ينبغي أن يكون أفضل الناس: "وأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ: فالوفاءُ بالبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ في الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ، وَالإجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ".[1]
حين يكون الموضوع أو القضية التي نتعامل معها غريبة نوعًا ما، أو تدخل ضمن الاختصاصات المعقّدة، فمن السهل أن نتقبّل النصح وأن نظهر بموقف الخاضع والمتواضع.. ولكن ماذا إذا كان الأمر من المسائل الشائعة والعامّة؟ فهل سيشقّ علينا، حيث من المحتمل أن نظهر بمظهر الجاهل وعديم الخبرة؟! 
هذا ما يحصل عادة في قضايا الزواج. فمن خلال تجربتي على مدى أكثر من ثلاثة عقود من المتابعة والمشورة واللقاءات العلمية التي جمعتني بعددٍ كبير من الناس، لاحظت أنّ أكثر الأزواج لا يذهبون إلى النصيحة إلا بعد أن تقع الواقعة وتخرج الأمور عن السيطرة؛ هناك حيث الشعور بالعجز التام.
وغالبًا ما كانت النصائح البسيطة والقريبة من البداهة التي تنطوي على مقدارٍ قليل من الانتباه إلى قواعد الحياة الأساسية هي الحل؛ لكنّنا كنّا نرى كيف أنّ الذين يستنكفون عن النصيحة ولا يرون أنّ قضية كالزواج تتطلّب المعرفة والحكمة، كيف أنّهم كانوا يُبتلون بمشكلةٍ من نوعٍ آخر تؤدّي إلى الغفلة عن البديهيات؛ وهذه المشكلة هي التي تُسمّى بالجهل المركب.
حين نجهل أنّنا نجهل، فهذا يعني أنّ جهلنا مركّب، ولا يمكن أن ننتبه إلى مرضنا هذا إلا إذا تعرّضنا لضرباتٍ قاصمة.. فالتهرّب من التنازل والتواضع للنصح قد يؤسّس في النفس حالة نتنكّر معها لشيءٍ واضح جدًّا في أنفسنا وهو أنّنا نجهل فعلًا وأنّنا بحاجة ماسّة إلى النصيحة والمعرفة.. وكأنّنا في هذه الحالة نلقّن أنفسنا ونقنعها بأنّنا نعلم رغم أنّنا لسنا كذلك؛ والدليل هو استمرار المشكلة وما يتبعها من خسائر وأضرار.
تتضاعف المشكلة هذه في الزواج خصوصًا، حين يكون هذا الاعتبار جزءًا من المقبولية عند الشريك. كأن نظن مثلًا أنّنا نكون مقبولين ومحترمين إن لم نظهر بجهلنا. وقد نشعر أنّ زواجنا يصبح مهدّدًا إن اعترفنا بعجزنا عن معرفة الحل أو كيفية التعامل مع القضية المستجدّة. فمن الذي يتوقّع أن نكون عالمين بكل شيء حتى نتظاهر كذلك؟
أضف إلى ذلك أنّنا ننشأ في بيئة لا تنظر إلى الزواج كقضية مبنية على مجموعة من الحقائق الوجودية الكونية. مثل معرفة الإنسان والفروقات الواقعية بين الذكر والأنثى وحقيقة الزواج ودوره في تحديد مصيرنا. وهي قضايا تتطلّب العلم والمعرفة.
لو قيل أنّ معظم مشاكل الزواج وأسباب الطلاق ترجع إلى الجهل، لما كان هناك من مبالغة.
ولو قيل أنّ استمرار هذه المشاكل وتفاقمها إنّما ينبع من إعراض المتزوّجين عن طلب النصيحة وعن تعلّم تلك القضايا وعن استشارة أهل الحكمة، لما كان هناك مبالغة أيضًا.
هكذا ندفع الأثمان الباهظة في حياتنا فقط لأنّنا لم نُقم حياتنا على أساس العلم والحقيقة، ولم نرسّخ في نفوسنا صفة التواضع والخضوع للمعرفة. ومن كان كذلك فلا يلومنّ عند وقوع الواقعة إلا نفسه.

 

 

[1]. نهج البلاغة، ص 79.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center