Home مقالات

الحياة الوادعة للمسلم الواقعيّ... ما هي قصّة الزهد في حياة الأولياء؟

الحياة الوادعة للمسلم الواقعيّ
ما هي قصّة الزهد في حياة الأولياء؟

السيد عباس نورالدين

المسلم الواقعيّ يستمتع بكل نعم الحياة وبهجاتها لأنّه يعلم أنّ الله قد خلق كل شيء لأجل الإنسان؛ لكنّه في الوقت نفسه يعرف سرّ التمتّع الأكبر والذي يُختصر بكلمة واحدة وهي: الزهد.
والزهد كما عرفه الزهّاد الحقيقيّون لا يعني أن لا تملك شيئًا، بل أن لا يملكك شيء.
الحياة الزاهدة تعني الانعتاق والتحرّر من كل ما يمكن أن يكبّل الروح ويوجّه مسيرتها نحو الأمور السافلة والسخيفة التي لا تليق بشأنها. فلكي يستمتع الإنسان إلى أقصى حد بالمادّة والروح، يحتاج إلى روح قويّة متحفّزة وناشطة لا يشغلها عن سعادتها شيء.
ولا شيء يمكن أن يأسر الروح إلا التعلّق بالماديات؛ والتعلّق يحفّز التملّك؛ والتملّك يتطلّب صرف الجهد بما لا طائل وراءه.. وهكذا يضيع العمر، وقد فوّتنا فرصتنا الوحيدة للاستمتاع بكل بهجات الروح والمعنويّات، التي هي سر السّعادة الحقيقيّة.
كل من اشتغل بالأمور المعنوية والروحية يعلم أنّها تحتاج إلى أمرين أساسيين؛ الأوّل: الوقت، والثاني فراغ البال.. لكن الذين جرّبوا روائع الروح وذاقوا طعمها، لن يحتاجوا إلى كثرة مجاهدة لكي يحقّقوا الأمرين؛ فذلك ممكن بواسطة انتهاج طريقة الزهد.
لقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "يَا عَلِيُّ نَجَا المخففون [الْمُخِفُّونَ‏] وَهَلَكَ الْمُثْقِلُونَ".[1]وقال وصيّه أمير المؤمنين (عليه السلام): "إِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا".[2]فلكي نحقّق هذا الانعتاق والنجاة واللحاق والوصول نحتاج إلى تخفيف مشاغلنا الدنيوية والمادّية إلى أدنى حد ممكن. والحد هنا هو ما لا يؤذي مركب سيرنا المعنويّ أو يعطّله. ومركب السّير هو أجسادنا.
إنّ أبداننا هي مراكب سفرنا المعنويّ؛ فلا بد أن تكون سليمة وقويّة لكي تنهض بأعباء هذه المهمّة المصيرية. ولكي تكون كذلك تحتاج إلى نظامٍ حياتيّ خاصّ ونمط عيش دقيق ومُحكم. فالزهد الواقعي يبدأ من النقطة التي نتمكّن فيها من تطبيق هذا النظام.
ما يؤمّن السلامة والقوّة لأبداننا، على مستوى الغذاء واللباس والمسكن والعشرة والمركب و.. هو هذا المجال الذي يجب أن يكون شغلنا فيه بالمقدار الذي لا يؤثّر بصورة سلبية في روحانيتنا.. وحين يزيد انشغالنا بهذا المجال عن الحدّ المطلوب، فإنّ أوّل من سيتضرّر هو البدن نفسه؛ لكن ذلك يسري بسرعة إلى كل ما هو روحانيّ ومعنويّ فينا.
تتميز الحياة التي يعيشها المسلم الواقعيّ بالتوفيق بين حاجات البدن وحاجات الروح وفق هذه القاعدة؛ فحرصه الشديد على اكتشاف الحد المطلوب الذي يحقّق قوّة البدن وسلامته، ينبع من توقه الشديد إلى أن يعيش حياة روحانية قويّة وناشطة. وفي كل يوم وليلة يلاحظ هذا المسلم الأثر المباشر لتجاوز الحد، على صعيد روحه. فإذا كان قيام الليل لأجل التنعّم بأجمل البهجات الحاصلة من العبادة والمناجاة مع الله، فإنّ بطنة العشاء كفيلة بتخريب بهجة الليل. وإذا كان يريد العمل على قضية تتطلّب منه صفاء التفكير، فلا يحتاج إلى تجارب كثيرة حتى يعلم ما يعنيه كلام أمير المؤمنين عليه السلام: "الْبِطْنَةُ تَحْجُبُ الْفِطْنَةَ"،[3]وإذا كان ينوي القيام بعمل يتطلّب عزمًا وجدًّا ومثابرة، فلن يطول الأمر حتى يدرك حقيقة قول هذا الإمام "مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْم‏".[4]
لكلّ شيء من مقتنيات هذا المسلم وظيفة محدّدة ترتبط بهذا الهدف؛ فلا يشتري أو يقتني أي شيء لا ربط له بتعزيز حياته المعنويّة. فكل مادّي في عيشه له صبغة روحية، حتى لو كان كرسيًّا أو تلفازًا.
إنّ جانبًا مهمًّا من الحياة الروحيّة للمسلم الواقعيّ يرتبط بمسؤوليّته الكبرى تجاه المستضعفين والمحرومين والمضطهدين في هذا العالم. فلا يمكن لأي إنسان أن يتنعّم بالروحانية الصافية وهو غير عابئ بآلام هؤلاء وعذاباتهم. فالإنسانية في حدّها الأدنى ـ والتي يقوم عليها صرح المعنويات الأصيلة ـ تستلزم مثل هذه المواساة. فلا إنسانية دون مواساة.
لهذا، نجد أنّ هذا المسلم يجتنب بشدّة شراء أي سلعة تدعم تلك الحكومات والأنظمة التي تمارس الظلم والاضطهاد بحقّ الشعوب؛ وهو مستعد لتحمّل أي مضيقة في هذا المجال.
وبالطبع لا يمكن أن يؤسّس هذا المسلم بيته ومسكنه ومهنته على المشاركة في الظلم أو الغصب؛ فإنّ الله لا يستجيب دعاء من كان مقيمًا على ظلم أحد ولو بدرهمٍ واحد. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الْحَجَرُ [الْغَصْبُ‏] الْغَصِيبُ‏ فِي الدَّارِ رَهْنٌ عَلَى خَرَابِهَا".[5]
إنّ زهد المسلم لا ينبع من اجتناب ظلم الإنسان فحسب، بل يشمل ظلم الطبيعة والأرض. فالكثير من السلع والبضائع والأجهزة الموجودة في الأسواق يُنتج على حساب الأرض واستهلاك مواردها بصورة جنونية، ممّا يؤدّي إلى تخريبها وتلويث بيئتها. ولو أنّ الناس اكتفوا بالحدّ الأدنى من مستلزمات العيش الكريم، لما شاهدنا كل هذا الفساد الذي ظهر في البرّ والبحر. وتخريب الأرض وإفساد الطبيعة هو الأمر المناقض لمهمّة المسلم الكبرى في هذا العالم، والتي تتمثّل في إحيائها وتكميلها. فهل يُعقل أن يكون عيش المسلم مخالفًا لمهمّته الأولى؟
أوّل الزهد اجتناب الظلم بكل أشكاله ودرجاته. وإذا نجح المسلم في تشكيل حياته على هذا الأساس، ينتقل إلى المرتبة التالية من الزهد حيث تتمحور حياته الدنيوية حول تأمين الحاجات الأساسية لجسده وجسد كل من يعول. وهكذا يصبح لائقًا ومستعدًّا لدرجة زهد الأولياء، وهي التحرّر من أي علاقة قلبية تجاه الماديات.
وفي ظل هذا التحرّر والانعتاق تسمو روحه إلى الأعلى ويشتاق إلى لقاء الله ويصبح الموت عنده لذيذًا، لأنّه بوّابة الوصول إلى مقام القرب. ومن استعذب الموت، هانت عليه مصاعب الدنيا ومصائبها.
إنّ تأمين الحاجات الأساسيّة لا يعني أن نقتني الأرخص والأدنى؛ لأنّه غالبًا ما تكون هذه المقتنيات والتجهيزات الرخيصة سببًا لاشغالنا بإصلاحها وتبديلها، ممّا يأخذ جهدًا إضافيًّا ووقتًا ومالًا يُفترض أن ننفقه في مجالاتٍ أفضل. وكثيرًا ما يختار الناس المسكن الأرخص لسوء ظنّهم بالله تعالى وعدم التفاتهم إلى أنّ الله تعالى لا يرضى لعبده المسلم الحياة المهينة، كما هو حال الكثير من سكّان الضاحية والبنايات والأحياء المكتظّة. وقد وعد الله تعالى أنّ من يبحث في أرض الله الواسعة فسوف يجد السعة والعيش الكريم: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً}.[6]
الكثير من قوّة الجسد وسلامته يحصل من خلال صيانته من الآفات والأعمال المجهدة والمهن المضرّة. وإنّما يختار الناس مثل هذه المهن والأعمال لغلبة سوء الظن بالله على قلوبهم. وإنّما يتسلّل هذا الظن السيّئ حين تضعف النفس، وإنّما تضعف النفس وتفقد القوّة اللازمة لمواجهة صعاب الحياة بسبب الكسل واختيار الدّعة والراحة.
فالمسلم مثابر وصبور يعمل دومًا على تقوية نفسه بالعلوم والمعارف والحكم واكتساب المهارات المختلفة، فتصبح خياراته في العمل والمهنة واسعة؛ وحينها سيرى الحياة مليئة بالفرص والمجالات التي تفتح أمامه أبواب العيش الكريم.
يضرب المسلم الواقعيّ المثل الأعلى في نمط العيش، حيث المهنة الكريمة والصحية التي تسمح له بالتكامل المستمر على صعيد الجسد والحواس والخيال والعقل والروح. وحين يشاهد الناس هذا النجاح تتّسع آمالهم ويتعرّفون إلى بابٍ واسعٍ رحب يختلف عن الأبواب التي فتحها شياطين الإنس والجن عليهم، وأغروهم بها لما وجدوه فيهم من ضعف العقيدة والإيمان.

 

 

[1]. مكارم الأخلاق، ص 440.

[2]. نهج البلاغة، ص 242.

[3]. عيون الحكم والمواعظ، ص 32.

[4]. نهج البلاغة، ص 359.

[5]. نهج البلاغة، ص 510.

[6]. سورة النساء، الآية 100.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center