Home مقالات

أصول الاقتصاد الناجح... الازدهار ليس ضربة حظ، بل هو نتاج سياسات حكيمة

أصول الاقتصاد الناجح
الازدهار ليس ضربة حظ، بل هو نتاج سياسات حكيمة

السيد عباس نورالدين

حين يتشكّل المجتمع على أسس سليمة، وتُقام فيه حكومة العدل التي لا همّ لها سوى رفاهية رعاياها، لا بدّ من أن يتبعه ازدهار اقتصاديّ تتأمّن فيه الحاجات الأساسية لأبنائه. وبالتأكيد، إنّ أي ازدهار حقيقيّ ومستدام لا بد أن يكون وليد سياسات حكيمة. ولكي تثبت هذه السياسات وتستقر لا بدّ من بنائها على مجموعة من العناصر القيمية الثقافية التي ترتبط بالرؤية الصحيحة للحياة والمصير.. وأوّل هذه العناصر هو ما يحقّق الوعي الجمعيّ تجاه قضيّة الازدهار نفسه. فالازدهار خيار ينتج عن السّعي الحكيم، وليس نتاج حسن حظ أو مصادفة.
المبدأ الأول للسياسات الاقتصادية الناجحة هو ما يرتبط بحالة التكافل الاجتماعيّ، التي ينتج عنها تشكّل مجتمع ذي هوية كيانيّة واحدة تشبه كيانيّة الجسد وأعضائه. ومعنى ذلك أنّه إذا اشتكى منه عضو، تداعت سائر الأعضاء للسهر عليه والاهتمام به، كما جاء في الحديث المشهور المرويّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصف جماعة المؤمنين.
إنّ الفقر والحرمان وما يتبعهما من أمراض ومشاكل صحيّة مزمنة، يمكن أن يتسبّب بانهيار المجتمع في شكله الحالي، فقط إذا أدّى ذلك إلى انهيار نظامه السياسيّ؛ سواء حصل ذلك بواسطة ثورة شعبية عارمة، أو تدخّلٍ أجنبيّ مباشر.. لكن، حين يعتقد أبناء هذا المجتمع بأنّ الأسباب التي أدّت إلى هذا الفقر والحرمان ليست نتاج سياسات حكومية أو أنظمة ضعيفة أو فاسدة، فمن الصعب أن ينقلبوا على حكوماتهم وأنظمتهم؛ وإذا كانت الحكومة والحكّام شركاء همّهم وغمّهم، فقد يزداد تمسّكهم بها ودفاعهم عنها إلى درجة الاستماتة حتى في أصعب حالات الفقر؛ كما يحصل في بعض حالات الحصار الاقتصاديّ والغزو الأجنبيّ.
لا يؤدّي الفقر العام إلى انهيار المجتمعات إلا إذا نسب الناس أسبابه للنظام الحاكم. وحين تتمكّن أي حكومة من التملّص من هذه التهمة (عن حقّ أو باطل)، فإنّها تزيد من عمرها وتجتنب أسوأ أنواع التهديدات؛ فكيف إذا أصبحت شريكة معاناة الناس ومقاساتهم؟ ففي هذه الحالة ستكون من أكثر الحكومات قوّة وثباتًا.
رغم كلّ الضعف الذي ينشأ من الفقر وتدنّي الدخل العام، وما يستتبعه من مخاطر تجعله عرضة لأطماع الناهبين والمستكبرين وتدخّلاتهم السافرة، فإنّ المجتمع الفقير يمكن له الظهور بمظهر المقتدر وتحقيق مستوًى مهم من الردع مع كلّ التفاوت الصارخ في الإمكانات والموارد وذلك بشرطٍ واحد وهو أن يشعر بقوّة التكافل وسرعة التضامن، وخصوصًا على صعيد اهتمام النظام الحاكم بهم.
لهذا يُعدّ التكافل الاجتماعيّ أولى وأهم من الاقتدار العسكريّ، وهو مقدّمة ضرورية للازدهار الاقتصاديّ الحقيقيّ. وإنّما يتجلّى هذا التكافل في عنصرٍ محوريّ على صعيد الدورة الاقتصادية وهو ألّا يكون أكثر المال دُولةً بين الأغنياء فيه خاصّة؛ وإنّما يحصل ذلك بمنع تشكّل أي عجلة اقتصادية ضمن جهازه الكبير يمكن أن تعمل على تدوير المال وتداوله داخل شريحة خاصّة أو طبقة معينة؛ فهنا سوف يزداد الغنيّ غنًى، والفقير فقرًا. ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة أن ينشأ الانقسام الطبقيّ وتتّسع الهوّة الطبقية، التي تُعدّ السبب الأول لانهيار كل أشكال التضامن والتلاحم الذي يمنح المجتمع المنعة والقوّة الحقيقية. ومن الواضح أنّ النظام البنكيّ الربويّ هو أحد هذه العجلات التي تؤدّي إلى هذا الانحصار والاحتكار؛ فأينما اعتُمد هذا النظام شاهدنا هذه الفروقات الطبقية تزداد وخامة.
لقد اعتمد الإسلام ـ بالإضافة إلى محاربة كل أشكال الربا ـ على مجموعة من الأنظمة الحقوقية المالية وغير المالية، التي تمنع تشكّل الطبقات على أساس رأس المال. مثل مبدأ اشتراط الكفاءة العلمية والمعنوية (كالورع والزهد والإعراض عن جمع المال) في الطبقة السياسية، وخصوصًا في قياداتها العليا؛ وحارب الشهرة المالية التي تؤدّي حكمًا إلى السلطة السياسية؛ وذلك بواسطة ترسيخ أركان القيم المعنوية والأخلاقية منذ اللحظة الأولى التي تبدأ فيها عملية تشكيل المجتمع؛ وأوجب سلسلة من المسؤوليات المالية على كل من يزيد رأسماله عن حاجته، حتى يعلم الجميع أنّ الزيادة في المال ليست ميزة إضافية بقدر ما هي مسؤولية.
فإذا تمكّنت دولة العدل من ترسيخ دعائم التكافل الاقتصاديّ عبر بناء وتأسيس الجهاز الاقتصاديّ السليم (حقوقيًّا وتشريعيًّا وإداريًّا)، يأتي حينئذٍ دور استخراج ثروات الأرض واستجلاب أرزاق السماء، التي يُفترض ـ بحسب الرؤية الكونية الإسلامية ـ أنّها تكفي لتأمين كل احتياجات المجتمع. وبذلك يمكن لهذا المجتمع أن يصبح مجتمعًا مرفّهًا سعيدًا شديد القوّة والمنعة. وفي ظلّ هذه القوّة والمنعة يتمكّن هذا المجتمع أيضًا من النهوض بأعباء رسالته العالمية تجاه المجتمعات البشرية كافّة.
إنّ القاعدة الأولى للاستخراج الذكيّ للثروات، هي تلك التي تجعل هذه الثروات عمدة تكوين ومراكمة جميع الثروات الأخرى، وتكون بذلك المحرّك الأوّل وقاطرة جميع المقصورات والعجلات الاقتصادية الأخرى. وهذا يعني وضع الأعمال والمهن والمشاريع المرتبطة بهذا الاستخراج على رأس جميع الأعمال الأخرى واعتبارها المحور الذي تدور حوله. وإنّما تُصاب اقتصادات الدول بالفشل والإخفاق حين تتقدّم الأعمال الأخرى على هذا النوع من الأعمال وتجعله تابعًا لها؛ مثل تضخّم قطاع الخدمات على حساب قطاعي الزراعة والصناعات؛ أو قيام الصناعات على موارد خارجية يتم استيرادها لندرة وجودها في أرض الوطن نفسه؛ أو حين يتحوّل الاقتراض من الخارج وسيلة لإدارة عجلة الاقتصاد المحلّي.
إنّ السياسة الذكية لاستخراج الثروات هي تلك التي تراعي ديمومة الثروات على مدى الأجيال، وتعمل على إضافة قيمتها بدل إهلاكها وهدرها. فمقارنة دقيقة بين الثروات الحاصلة من استخراج النفط، وتلك التي تحصل من استخراج مشتقّات الأشجار (من أخشاب وثمار وغيرها) تبين الأفضلية الواضحة لثروات الأشجار على ثروات النفط والمناجم. فالنفط ينفد مع الاستخراج، والأشجار تزداد وتكثر في ظلّ السياسات الزراعية الحكيمة. لهذا، يمكن عدّ أفضل وأنجح اقتصادات العالم هي التي تعطي الاقتصاد الزراعيّ (بمحورية الشجرة) الأولوية المطلقة.
ومنذ ألف وأربعمئة سنة وقف رسول (الله صلى الله عليه وآله) ليوجّه اقتصاد المسلمين الحقيقيّ قائلًا "اسْتَوصُوا بعمّتِكُمُ النخلةِ خيرًا".[1] وكان أمير المؤمنين خير من عمل بهذه الوصية حيث قام بزرع آلاف أشجار النخيل بنفسه.. وحين نقرأ عن أوضاع اليهود الذين عاشوا في محيط المدينة وحولها، وأصبحوا في مدّةٍ وجيزة أصحاب قدرة ومنعة وقلاع وسلاح، رغم أنّهم جاؤوا متأخّرين عن أهلها، فسوف نكتشف أنّهم استطاعوا أن يقيموا اقتصادًا قويًّا على زراعة الأشجار. ولهذا، حين هدّد رسول الله بعض قبائلهم التي خانت العهود والعقود بقلع أشجارهم، استسلموا لتوّهم، لأنّهم علموا أنّهم لن يتمكّنوا من الاستمرار والبقاء دون أشجار. فأسوأ أنواع الاقتصادات وأبعدها عن النجاح والدوام هو الاقتصاد الذي يزدهر في ظلّ السماح بقلع الأشجار، وأسوأ منها ما يكون تخريب التربة والأراضي المناسبة للتشجير، سببًا لمراكمة الأموال وتأمين فرص الأعمال، مثل اقتصاد المناجم والكسّارات. فما هي إلا فُقاعات وزبد، سُرعان ما تنفجر، لينكشف بعدها ذلك الفساد الذي ما بعده فساد.
الاقتصاد الناجح هو الذي يراعي التوازن والروابط المنطقية الصحيحة بين أنواع الأعمال والمشاريع؛ حيث تكون أعمال الاستخراج السليم القاعدة التي تُبنى عليها سائر الأعمال والمهن والتي يكون نتاجها وثرواتها المغذّي الوحيد لغيرها من المشاريع الإنمائية والإعمارية.
ولا شك بأنّ أي استخراج لثروات الأرض، ممّا يزيد على حاجات الناس الأساسية، سيكون عنصرًا لمراكمة غبيّة لثروات تنشئ العديد من المشاغل التي تذهب بالقسم الكبير من الطاقات والجهود المطلوبة لإعمار الأرض وإصلاحها.

 

[1] . وسائل الشيعة، ج25، ص 145.

كتب ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center