ثلاث أمنيات

أمل عبدالله

أثناء تحليقنا فوق مدينة مشهد، سرّني أنّ مقعدي لم يكن مجاورًا للنافذة، ليس لأنّني لا أكترث لجمال المنظر، بل لأنّني خشيت أن يقع بصري على القبة الذهبية لمشهد الإمام الرضا(ع)، قبل أن أكون مستعدة لذلك.
"ثلاث أمنيات، ستنالين ثلاث أمنيات بمجرد أن تقع عيناك على القبة الذهبية!" بهذه العبارة استقبلت صديقاتي خبر زيارتي لمقام الإمام الرضا عليه السلام.
ثلاث أمنيات، لا غير! لا أُنكر أنّ قصة الفانوس السحري وأمنياته الثلاث خطرت ببالي. ولأفرّ من هذه المقارنة، ذكّرت نفسي بكرم الله اللامتناهي، واحتملت أن يكون الرقم رمزيًّا؛ لكنّني التزمت بالقاعدة، ومن بين كومة عملاقة من الأمنيات انتقيت ثلاثًا.

للوهلة الأولى، قد يبدو عجيبًا أن يستطيع المرء تجاوز جميع تعلّقاته وتوقه للاستحواذ عليها ويحصر أمنياته بثلاث، إلا إنّه مع قليلٍ من التفكير يزول هذا العجب. فالحقيقة هي أنّ هذه الأمنيات الثلاث إنّما تخبر عن حقيقة المرء، وعمّا يعنيه حقًّا في هذه الحياة. وما هذا الانتقاء سوى سبيلنا لتقييم أنفسنا وما نعدّه أساسيًّا لوجودنا. في لحظة الحقيقة هذه، يمكننا أن نكتشف مدى أصالتنا أو زيفنا، وهي لحظة لا مكان للادّعاء فيها، إذ لا نريد المجازفة بتحقّق أمنية لا نرغب فيها حقًّا.
هكذا يغمرنا الإمام الرضا ببركاته. الأمر لا يتعلق بنيل ثلاث أمنيات، وإنّما بالمعرفة العميقة بأنفسنا التي تتكشف لنا بفضل هذه المنحة.

أوشكت الشمس على الغروب، واستعدّينا للتوجّه نحو المقام. "السلام عليك يا علي بن موسى الرضا" هي العبارة التي أرددها عادة بعد الصلوات اليومية، والتي اختزلت عمليًّا علاقتي بالإمام الرضا (ع). لذا لم أستطع تفسير الأسى الذي ملأ قلبي وأنا أسير نحو المقام مردّدة: "الله أكبر، لا إله إلا الله..."
لماذا كنت حزينة إلى هذه الدرجة؟ ما سر كل هذا الشجن؟ ما سبب هذه الدموع التي ذرفتها على شخص أكاد لا أعرفه؟ كيف يمكن أن ينتابني فجأة كل هذا الشوق له عليه السلام فأندب كل لحظة أمضيتها بعيدة عنه؟!
كان الجواب على هذه الأسئلة بسيطًا للغاية.
لقد كانت تلك المرة الأولى التي أدرك فيها حقيقة الإمام. فها أنا، المخلوق الذي لا حول له ولا قوة، أتوجه نحو الإنسان المختار من الله، وهو كحاله، دومًا، ينتظرني ليسكّن مخاوفي، ويذهب بقلقي، ويرشدني إلى السعادة التي لم أكف يومًا عن طلبها! القصة هي أنني لم أكن مستعدة قبل تلك اللحظة للجوء إليه والاحتماء بعظمته! ولكم كان مؤسفًا عدم إدراكي لهذه الحقيقة... لحقيقته من قبل!
وصلنا إلى المقام فوقفت ببابه أسأله الإذن بالدخول. وما إن وطأت قدماي الأرض المقدسة، حتى زال عني كل حزن. تفقّدت قلبي الموجع فإذا ببهجة لم أستطع تفسيرها تغمره، وإلى عيني الدامعتين حبت بسمة مطمئنّة! لقد أصبحت في حضرة إمامي المحبوب!
كان علينا اجتياز عدة أبواب للوصول للمرقد الشريف، وتهت مرة أو اثنتين.
"هل اقتربنا من القبّة؟ متى سنصل إليها؟" لححت في سؤال دليلتي الصبورة التي أكدت لي أنّ انتظاري لن يطول. إلا أنّ خوفًا طفوليًّا تملكني، أبقى عينيّ متأهبتين لالتقاطها، لكن... لا قبة ذهبية في الأفق!
"انتبهن! احذرن القبضات التي ستتلقاكن بمجرد أن تدخلن إلى المقام!" كانت التعليمات التي أصدرتها الدليلة، لأُفاجأ بعدها بسيل من النسوة المهرولات يجرفني معه. وما هي إلا دقائق قليلة حتى وجدتني أقف على الضفة المواجهة للمرقد المقدّس!
"الآن! اطلبي من الإمام ما تشائين!" صاحت الدليلة بأعلى صوت، وهي لا تصدق أذنيها حين كرّرت بسذاجة سؤالي عن القبة الذهبية!
بالطبع لن أفصح لكم عن أمنياتي الثلاث، على الرغم من أنّني لم أتردّد لحظة في إطلاقها وسط ذاك الحشد الغفير! ربما لأنني شعرت حينها أنّ لا أحد يستطيع سماعي سوى الإمام الرضا (ع).
كيف تكلمت مع الإمام الرضا؟ كيف يتكلم المرء مع إمامه المحبوب؟ بأي نبرة يخاطب روحه الرحيمة؟ بنبرة متوسلة؟ أم بنبرة آمرة؟ أم بهمسة؟ أم بدمعة؟ أم ببسمة؟ أم بكل هذه الأشياء مجتمعة؟!
فيما بعد، حين وصلنا للقبّة الذهبية، وقفت للحظات مأخذوة بجمالها الخلاب. لكن ماذا عن الأمنيات الثلاث؟ هل أكررها تحسّبًا؟ حسنًا، هذا ما فعلته. لكني في تلك اللحظة، ما وددت قوله حقًّا هو: "السلام عليك يا إمامي، يا علي بن موسى الرضا!"

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

أمل عبدالله

دخلت عالم الكتابة في العام 2008 ، بعد سنوات عديدة أمضتها في التعليم والعمل المخبري. أول أعمالها رواية "برج الخديعة" التي تلتها رواية "يوم سقطت طهران". في مجال أدب الطفل، للكاتبة مجموعة متنوعة من القصص صدر منها قصتي "توتة بلا توت" و "الأسبوع الذي أصبحت فيه متنمّرًا". شاهد اللقاء مع الكاتبة حول ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center