Home مقالات

قرأت لك: الإنسان وبناء الذات

قرأت لك: الإنسان وبناء الذات

الإنسان وبناء الذات
الشهيد الدكتور محمد جواد باهنر
ترجمة: البيان للترجمة
مكتبة الفخراوي ـ البحرين
الطبعة الأولى ـ 1996 م
153 صفحة من الحجم الكبير

إعداد: سوزان فلحة

هو أريج الشهادة يتضوع بين جنباته. وروح تنبض بالحياة ـ حياة الشهداء ـ تحوّل حروفه إلى أحرف من نور. يسيطر هذا الشعور عليك بقوة في الثلث الأول من الكتاب.

إذ يجمع بين مؤثرية البيان، المطعم بالتمثيل البديع، وصدق التجربة الذاتية. فحين أراد المؤلف أن يوضح لنا أن تطهير النفس لا يعني قطع علاقتنا بالماديات مثّل للمطلب بالبذور التي يغطيها الفلاح تحت التربة فهي تفتت الصخور وتشققها خارجة إلى النور ومع ذلك فإن جذورها لا تزال في التراب وتتغذى منه.

بناء الذات هنا هو المرادف لتهذيب النفس. والخطوة الأولى نحوه تتمثل في معرفة النفس ببُعديها المادي والمعنوي. وبالنسبة للجانب المعنوي فإن الحركة التكاملية للإنسان لا نهاية لها. مذكرًا بالاعتقاد السابق الذي حصر الدين بأعمال التوسل والعبادة، مغفلًا الأنشطة والفعاليات الاجتماعية، ومنبّهًا إلى ضرورة عدم الوقوع في الخطأ عينه فنحصر فهمنا للدين في هذه الأنشطة ونغفل عن لحظات الاستئناس مع الله.

يبدو المؤلف كأنه يفكر بصوت عال. والكتاب بالأساس وليد مجموعة من المحاضرات كان قد ألقاها الشهيد باهنر في مناسبات مختلفة وقام مكتب تدوين ونشر آثار الشهيد باهنر بتنظيمها تحت عنوانين رئيسين، الأول: "بناء الذات من وجهة نظر القرآن ونهج البلاغة"، والثاني: "بناء الذات وأبعاده في الإسلام".
ففي معرض البحث الفلسفي الخاص بمعرفة النفس نراه يبني الأسس النظرية المتعلقة بالمسائل الأخلاقية عمومًا. فيوضح أنّ فصل العقيدة عن العمل، وفصل العمل عن الأخلاق يُعدّ خسارة كبيرة لحقت بالإسلام. إذ إن المسائل الأخلاقية كانت مطروحة من باب كونها كمالية وبتعبير آخر مستحبة. بينما الإسلام ليس على هذا النحو. فجميع المسائل العبادية والأخلاقية والعقائدية ممتزجة مع بعضها بشكل كامل. والمفارقة أن المطالع للكتب الروائية سيجد أن بحث جهاد النفس لم يوضع في زاوية الأبحاث الأخلاقية، بل طرح في باب الجهاد. وأيضًا أشار بوضوح إلى الهدف من حركة الإنسان، فالغرض من جميع التعاليم هو تسامي الإنسان نحو الكمال المطلق والوصول إلى الله.

كذلك تطرق إلى نقطة هامة تتعلق بمعايير الأخلاق مؤكدًا على أن امتلاك المعيار ضروري جدًّا للمسائل الأخلاقية وذلك لقياس التعاليم الأخلاقية والاطلاع على أُطرها والتعرف إلى فروعها وأجزائها ومصاديقها وتفاسيرها. فالإسلام يعتقد بوجود مجموعة من الأصول الأخلاقية. لكن المؤلف يعترف أن مسألة "الأصول الأخلاقية والمعايير" تعد من المسائل المعقدة في الإسلام. إن القواعد الأخلاقية واضحة تمامًا وكثيرة جدًّا ولكن الأصول والمعايير ضرورية لأن حالة هذه التعاليم من الممكن أن تتغير في الظروف المتغيرة؛ ومن هنا الحاجة إلى رؤية فكرية وأساس. أما المعايير التي اعتمدها فهي الكمال، وكرامة النفس ولبها التقوى، والتقرب من الله.

الأمر الآخر الذي أشار إليه هنا هو ضرورة التعرف إلى الصفات الأخلاقية من شكر وصبر وقناعة وغيرها للوقوف على معناها وتناولها بالبحث والدراسة في مجتمعاتنا وتقديم تفسير عملي لها لكي يتمكن الإنسان بعد ذلك من بناء نفسه وفقها.

يعاني البيان من بعض الركاكة وهذه تبعة تقع على عاتق الترجمة. هذا بالإضافة إلى الأخطاء المطبعية التي تخللته وقلة الاهتمام بعلامات الوقف ما يسلب القارئ الراحة لدى تصفح الكتاب، ولكن يبقى الكتاب ذات قيمة عالية بمضمونه ومفيدًا لكل مهتم بتهذيب نفسه.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

سوزان فلحة

كاتبة وروائية لبنانية ولدت عام 1974. التحقت بالجامعة اللبنانية عام 1990 ثم تخرجت منها حائزة على شهادة الجدارة في الرياضيات البحتة. شاركت في إعداد وتحرير العديد من الكتب والإصدارات المختلفة قبل ان تتفرغ للكتابة الروائية مطلع عام 2008. صدر لها بالإضافة إلى رواية النغم العاصف رواية الشيفرة الحرجة. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center