Home مقالات

هل جربنا العلم لحل مشاكلنا الاقتصادية؟ إن لم نعبر الرؤية لن ندرك العلم

هل جربنا العلم لحل مشاكلنا الاقتصادية؟
إن لم نعبر الرؤية لن ندرك العلم

السيد عباس نورالدين 
مؤلف كتاب معادلة التكامل الكبرى

رغم أنّ الاقتصاد يُعد من فروع العلوم الأكاديمية، لكنّنا نرى أنّ معظم السياسيين والمسؤولين في العالم يتعاملون معه كمذهبٍ أو رؤية فلسفية نابعة من الفلسفة. ولعلّ سبب هذه المقاربة يرجع بالدرجة الأولى إلى مشاهدتهم لإخفاق الاقتصادات التي يُفترض أنّها اعتمدت على العلم.
لا يمكن لأحد أن يدعي أنّ أي نجاح اقتصادي مردّه إلى اتّباع علماء الاقتصاد في علمهم، بل نجد أنّ تحليلًا عابرًا للنجاحات الاقتصادية المحدودة يدل على أنّها كانت في معظمها نوعًا من اغتنام الفرص في الوقت المناسب.
الاقتصاد الحكومي أو اقتصاد الدولة في ترنحٍ مستمر حتى في أكثر الدول ثراءً، والخوف من الآتي يدل على عدم الاعتقاد بوجود علم حقيقي في الاقتصاد. فهل ترجع هذه الظاهرة العابرة للقارات إلى قضية عدم تطبيق علم الاقتصاد في آخر ما وصل إليه من نظريات واكتشافات، أم أنّ المشكلة تكمن في هذا العلم نفسه؟
ما أردت أن أظهره هنا هو أنّ علاقة الاقتصاد بعلم الاقتصاد ليست واضحة بالنسبة للأغلبية الساحقة من الذين يتحملون مسؤوليات ذات صلة بقطاعات الاقتصاد العام في أغلب دول العالم.
وحين نتوقف قليلًا عند ظاهرة إخفاق الاقتصاد كعلم في تفسيره للمشكلات الاقتصادية التي تعاني منها مجتمعات العالم، لا يمكننا أن نغفل عن أحد الأسباب الرئيسية المرتبطة بقصور المباني المعرفية التي تولّد منها علم الاقتصاد الحديث (هذا العلم الذي قام على أساس نظرية المعرفة المادية). فمن كان يُفترض به أن يحدّد آليات دراسة الظواهر الاقتصادية في الحياة البشرية بدا عاجزًا تمامًا عن القيام بوظيفته الأساسية المرتبطة بالكشف عن قوانين الازدهار.
 إنّ قضية الازدهار، وإن كانت النقطة المركزية لعلم الاقتصاد، لكنّها في الواقع قضية فلسفية قبل أي شيء. وبحسب الرؤية الكونية، التي تفسّر ماهية الإنسان والمجتمع وعلاقته بالوجود، فسوف يكون الاقتصاد ظاهرة إلهية تجري وفق تدبير الله وإدارته للعالم. وبناءً عليه، فإنّ تجليات الحياة الاقتصادية لأي جماعة بشرية لن تكون بمعزل عن تفاعلها مع هذا التدبير الإلهي الذي يجري وفق خطة محكمة.
وعلى ضوء ذلك، لا يمكن فهم حقيقة الازدهار ولا أسبابه بمعزل عن إدراك هذه الخطة وقوانين التدبير الإلهي الذي يظهر في آثار التفاعل البشري الاجتماعي معها. فازدهار أي مجتمع بأي شكل من أشكاله أو درجة من درجاته لن يكون سوى نتاج هذا التفاعل، والذي يتحقق على مدى مسارٍ زمنيّ طويل. وهنا يظهر خطأ من يظن أنّ بالإمكان تحقيق الازدهار بمعزل عن هذه المسارات أو السياقات التاريخية.
حين يتمكن مجتمعٌ ما من عكس مسار تاريخه السياسي، فيغير نظامه من ملكي إلى جمهوري، يكون بذلك قد أنجز أرضية مهمة للتغيير الاقتصادي؛ بَيد أنّ المسار الاقتصادي يقع في عمق وباطن المسار السياسي، حيث تتشعب قوانينه وتتعقد؛ ولا ينبغي أن نفترض أنّه بمجرد تحقق التغيير السياسي فسوف يتبعه التغيير الاقتصادي مباشرةً.
التغيير السياسي يرسم مسارًا جديدًا، لكن إن لم يطل البنى التحتية للاقتصاد الاجتماعي فلن يتمكن من تحقيق الازدهار المنشود؛ بل سرعان ما سيغلبه الاقتصاد ويقضي على إنجازاته. ولأجل ذلك، كان السياسيون معنيين بالدرجة الأولى في حل المشاكل الاقتصادية لمجتمعاتهم، وإلا فليتوقعوا الانقلابات والاضطرابات.
العقلية السياسية التي تتعامل مع الاقتصاد كمذهبٍ، من دون أن تدرك علاقة المذهب بالعلم، من المتوقع أن تغلّب الهوى والاستبداد والحسابات السياسية والرؤى القصيرة على برامجها الاقتصادية. فكيف إذا كانت هذه العقلية لا تمتلك رؤية مذهبية عن الاقتصاد من الأساس! هنا بالذات سيصدق عليهم المثال القائل: "هم كالفواخرة لا دنيا ولا آخرة".
ينطلق المذهب الاقتصادي الإسلامي من رؤية كونية تعتبر الاقتصاد نتاج ذلك التفاعل مع الخطة الإلهية والتدبير الرباني للعالم(وهذا ما يظهر بنحوٍ تفصيلي في التراث الإسلامي المرتبط باقتصاد الفرد)، بيد أنّ توضيح معالم هذا التفاعل ما زال يتطلب الكثير من العمل الفكري والنظري. وعليه، يجب أن نسوق الاقتصاد ـ إن أردنا الازدهار ـ على أساس التفاعل الإيجابي مع تلك الخطة الإلهية. وهذا ما يتطلب اكتشاف مراحلها وتحديد واقعها في الزمن الحاضر والمستقبل.
حين كان مرشد الجمهورية الإسلامية الفقيه المجدد الإمام الخامنئي يضع خطوطًا عامة لحركة الاقتصاد العام في إيران على ضوء التحولات الدولية والتحديات الخارجية، فكأنّه بذلك أراد القول بأنّ نجاح الاقتصاد لا يمكن أن يكون بمعزل عن مسار التحولات العالمية والدولية والاجتماعية. وهذا نحوٌ من النظرة المذهبية للاقتصاد، المذهب المبني على الرؤية الكونية والتحليل الفلسفي للمجتمع.

 وعلى ضوء ذلك يجب الانتقال مباشرةً إلى المرحلة التالية وهي مرحلة العلم؛ لكن العلم هنا بمعناه الشامل، لا المنحصر في إطار الرؤية الكونية المادية والمنبثق من نظريتها المعرفية الضيقة؛ العلم الذي يعني استخدام كل الوسائل الإدراكية لاكتشاف وقائع العالم وظواهره، ومنها الوحي والكتاب.
لنفترض أنّ قادة المجتمع قد أحسنوا تشخيص طبيعة المرحلة انطلاقًا من معرفتهم بالخطة الإلهية، وتبين لهم أنّها تتطلب التركيز على الاكتفاء الذاتي في الإنتاج الزراعي، نظرًا لما يمثله تحدي الغذاء اليوم على صعيد الأمن القومي. فمن الذي يجب أن يضطلع بهذه المهمة بعد ذلك؟
إنّه العلم وأهله الذين يُفترض عليهم اكتشاف أفضل وأسلم وأنجع الوسائل والطرق التي تمكننا من مضاعفة الإنتاج لتحقيق الاكتفاء. وعلى ضوء اكتشافاتهم المرتبطة بالوسائل، نتمكن من وضع الخطط الخمسية والعشرية المناسبة. فالعلم هنا يضع بين أيدينا الإمكانات والطاقات اللازمة، وبدونه نكون قد فقدنا الحلقة الأساسية لتحقيق الأهداف المنشودة.
ولا يبدو أنّ سياسيي مجتمعاتنا قد أدركوا دور العلم في هذا المجال، فضلًا عن تشخيص أهله وإمكاناته وضرورته. فباتوا بغنًى عن الوسيلة الوحيدة التي تضمن القدرة اللازمة للإنتاج والازدهار. يتصور السذّج منهم أنّهم إذا شجّعوا على الإنتاج من خلال دعم الزراعة وتخصيص نفقات كبيرة لها، فسوف تُحل المشاكل وتتحقق النتائج.
لقد حدد يوسف، بتفسيره للرؤيا، طبيعة المرحلة القادمة؛ لكن الحل الذي قدّمه كان مبنيًا على العلم. ولولا هذا العلم لما حُفظت المحاصيل سبع سنوات أنقذت شعبًا، بل شعوبًا من الهلاك المحتوم.

 

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center