Home مقالات

مستلزمات التحول التربوي في مجتمعنا... أين نجحنا وأين أخفقنا؟

مستلزمات التحول التربوي في مجتمعنا
أين نجحنا وأين أخفقنا؟

السيد عباس نورالدين
مؤلف كتاب ثورة التربية والتعليم

 

من إحدى الباحثات التربويات جاءنا السؤال التالي، وقد وجدت أنّ طرحه في مقدمة هذه المقالة يمكن أن يساهم في تسليط الضوء على موضوعنا بصورةٍ أفضل. وهذا السؤال هو:
"لماذا لم تدخل وثيقة التحول في التربية التي أُقرت في إيران حيز التنفيذ على مستوى المؤسسات التربوية وبقيت في إطارها النظري فقط، بعد سنواتٍ عديدة من إقرارها؟

هناك الكثير من النقاشات التي تدور حول الوثيقة في الأوساط العلمية، حول جدواها وحتى أصل وجودها.
هناك من يعتبر أنّ هذه الوثيقة تحتوي على مضامين مثالية جدًّا غير قابلة للتطبيق وبعيدة جدًّا عن الواقع التربوي في إيران أو أنّها تحوي قيمًا فضفاضة جدًّا وشاملة لكل ما يمكن أن يُتصور حول العمل التربوي، ويمكن إدراج أي عمل تربوي تحت مظلّتها أو أنها تحتمل الكثير من التأويلات وفيها الكثير من الإبهامات.
إحدى الملاحظات مثلًا حول أهدافها التي تبتغي إنسانًا مؤمنًا بكل أبعاده. إن أصل موضوع الإيمان هو أمر فردي ومرتبط بداخل الفرد، وبالتالي فإن العملية التربوية غير معنية بما يجري في نفس كل إنسان فهو أمر لا يمكن لأحد التنبؤ به ولا ضمانته. 
مسألة وثيقة التحول بدت لي معضلة كبيرة في النظام التربوي للجمهورية الاسلامية، فهي وإن كانت تقدم رؤية إسلامية غاية في الجمال حول التربية، ولكنّها تبدو عقيمة أمام كل المشكلات الموجودة وحتى إن أحدًا لا يملك تصورًا عن كيفية تطبيقها وربطها بالواقع".

 

انتصرت الثورة الإسلامية في إيران، وانتصر معها تيار التغيير الاجتماعي والسياسي في الفكر الشيعي، فتأسست دولة على قاعدة التمهيد لدولة المهدي العالمية. ومنذ اللحظة الأولى لقيام النظام الإسلامي الجديد، كان قادته بصدد تطبيق ما تحدثوا عنه على مدى عقود النضال بشأن نظام التعليم والتربية في المجتمع.
تعاقبت الحكومات، وكان الهم المشترك أن يكون لإيران نظامها التعليمي الخاص والمبني على الأصول الإسلامية. ولكن ما هي هذه الأصول؟ وهل بإمكان مسؤولي النظام الإجماع أو الاتفاق عليها وسط هذا الاختلاف الفكري والمنهجي ما بين كلامي وفلسفي وعرفاني وتجريبي؟
العقبة الأولى التي برزت على هذا الطريق تمثلت في نقص المتخصصين الإسلاميين في مجال التربية والتعليم؛ هؤلاء الذين يُفترض أن يكونوا حلقة الوصل بين الأصول وبين متطلبات التخطيط للنظام التعليمي. وحين تم تجاوز هذه العقبة إلى حدٍّ ما وبرزت نخبة من الباحثين والأكاديميين في التربية والتعليم؛
أطلت العقبة الثانية برأسها لتكشف عن صعوبة التوافق على الأصول الفكرية والمباني النظرية لمثل هذه القضية الكبرى؛ لكن تدخل المرشد العام للثورة والحكومة في البلاد وإصراره على المضي في هذا العمل حتى نهايته، أدى إلى انبثاق لجان من الباحثين والمفكرين ذوي الاهتمام المشترك، أنتج في النهاية تدوينًا لما عُرف بالمباني النظرية للتعليم والتربية في الجمهورية الإسلامية، والتي اتّصفت بدرجة عالية من التناغم والانسجام.
وهكذا وبعد مرور ثلاثة عقود على إسقاط النظام الملكي التابع للغرب، وُضعت إيران ولأول مرة على الصراط المستقيم لقيام ثورة أخرى في أخطر قضية يمكن أن يعرفها أي مجتمع، ثورة التربية والتعليم. ومن رحم هذه المباني النظرية تمّ تدوين وثيقة للتحول التربوي تنظر إلى آفاق ما بعد عشرين سنة. وأضحت هذه الوثيقة الرسمية دليلًا مرشدًا لكل الأعمال والمشاريع التغييرية المرجوة.
الأهداف المطروحة والآمال المنشودة التي تضمنتها هذه الوثيقة كانت تحكي عن إنجازٍ استثنائي ما كان ليحدث في تاريخ الفكر الشيعي، لولا الإشراف المباشر لقيادة حكيمة حازمة. فما تحقق على مدى بضع سنوات، ربما كان ليحتاج في الماضي إلى بضعة قرون؛ وذلك كما نعلم بسبب طبيعة الاختلاف المنهجي للعلماء فيما يرتبط باستنباط الرؤية الكونية الإسلامية، واستحالة قيام أي إجماع حولها.
هكذا تولدت الرؤية الآفاقية التي رسمت لإيران أهداف التفوق الحضاري بعد طول انتظار. وكانت الأنظار مشدودة نحو حصول تحولٍ بنيوي تظهر آثاره بعد عشرين سنة كحدٍّ أقصى، من إقرار هذه الوثيقة التاريخية وتبنيها من جانب الحكومة؛ لكن شيئًا لم يحدث لحدّ الآن.
 وباعتقادي، إنّ السبب الأساسي لمثل هذا الإخفاق يرجع بالدرجة الأولى إلى أنّ هذه الوثيقة ـ ورغم أهميتها النظرية ـ كانت تتطلب المزيد من الجهود التنظيرية المتوسطة التي تربط بين الأصول والمبادئ وبين ميادين التخطيط للمناهج والتحولات.
ولكي نعرف طبيعة هذا التعقيد وحجمه، يجب أن نتعرف إلى ما يحمله مصطلح التعليم العام من متطلبات، هي في الواقع أمور قد تبدو بعيدةً كل البعد عن تلك المبادئ والأهداف.
إنّ ما حصل هنا هو شيء شبيه باجتماع بضعة مفكّرين لأجل أن يضعوا تصورًا لسيارة المستقبل؛ فبدأوا بوصفها من ناحية الحجم والسرعة واستهلاك الوقود والسعة والقدرة والمتانة والرفاهية والراحة ومواكبة التقنيات الحديثة وتفاعل السائق معها و... لكنّ أحدًا من هؤلاء المفكرين الرؤيويين لم يكن يمتلك العلم والخبرة والمهارة اللازمة لتصميم هذه السيارة من الناحية التقنية والهندسية. 
وهكذا ستبقى سيارة المستقبل حلمًا يدغدغ آمال الجميع، وهم ينتظرون مجيء ذلك المهندس القدير الذي يستطيع أن يحول الحلم إلى حقيقة. وقد تزداد المشكلة تعقيدًا إن علمنا بأنّ ما يمتلكه هؤلاء المفكرون من علمٍ ومعرفة لا يمكن أن يساعدهم على تحديد المهندس المناسب لمثل هذا المشروع. فشتان ما بين الرؤية والحلم، وبين الهندسة والميكانيك والصناعة.
ولكي لا نطيل الكلام حول عقبة التنفيذ هذه، نقول إنّ وثيقة التحول التربوي التعليمي، ورغم أنّها كانت مرحلةً تأسيسيةً مهمّةً وضرورية، لكنّها كانت تتطلب الشروع بمرحلة أخرى من التنظير الذي يصِل المبادئ بواقع التعليم. فإذا كان من أهداف هذه الرؤية "بناء الإنسان المؤمن الحر"، وتم تعريف معنى الإيمان وحقيقته وكذلك قيمة الحرية وآفاقها وفق الرؤية المستنبطة من منابع الإسلام، فإن هذا بحدّ ذاته لا يكفي لإعداد المناهج التي تحقق هذا الهدف، وبناء العملية التعليمية على أساسه. فهناك الكثير من الكلام الذي يبقى حول كيفية تشكل الإيمان في المراحل العمرية الأولى وتكامله وموانعه، ودور التعليم في هذا المجال وحدوده، وتأثير البيئة المدرسية وميادينها.
والأمر نفسه ينطبق على قضية الحرية وقضية التعلّم. ولئن حفل الفكر البشري بالتنظير في مجال التعلّم (كيف يتعلم الطفل وكيف تتكامل قواه الإدراكية عبر المراحل التعليمية المدرسية)، ما مكّن واضعي المناهج من الانطلاق من تصورات معينة، فإنّ الفكر الإسلامي هنا ما زال يحتاج إلى الكثير من الأبحاث والدراسات والنظريات فيما يرتبط بهذه الميادين والتحديات. حقًّا، هل نستطيع أن نقول إنّ هذه الوثيقة قد اتّصلت برؤية نظرية واضحة حول العلم والتعليم؟
فما نحتاج إليه لأجل البدء في تسييل الرؤية المستنبطة من أصول الإسلام هو تشكيل ثقافة وسيطة تربط الأصول بالعملية التعليمية؛ وعلينا أن نعترف بأنّ مساحة هذه الثقافة الوسيطة هي أكبر مما نتصور.

 حين يريد معدّو المناهج أن يعالجوا قضية الإيمان في التعليم العام، فإنّهم سيبحثون عن الدراسات والرؤى والنظريات المفيدة في هذا المجال، وللأسف فإنّهم لن يجدوا ما يسعفهم. فقضية الإيمان ـ وكغيرها من القضايا القيمية التي ترتبط بالإنسان في الرؤية الإسلامية ـ لم تحظَ بنصيبها من الدراسات والأبحاث حين يصل الدور إلى عالم الطفل والتربية والمدرسة. 
وهناك العديد من النقاط المحورية في الوثيقة التي تتطلب أعمالًا نظرية دؤوبة ترتبط بماهية العلم وكيفية حصوله والموقف الجوهري من العلوم التي أنتجها البشر في ظلّ الحضارة الغربية، وقد نمت وترعرت في بيئة لا تشبه البيئة التي نتطلع ونصبو إليها.
 وهناك قضايا مفقودة ترتبط بظاهرة اللغة وتحولاتها ودورها في تشكل الفكر والرؤى والشخصية، وما الذي يمكن أن تحققه على صعيد تكامل القوى الإدراكية للإنسان عبر مراحل عمره المختلفة، وخصوصًا المرحلة المدرسية.
ولا شك بأنّ هناك أعمالًا بحثية عديدة تجري على قدمٍ وساق في البيئات الأكاديمية المختلفة، بيد أنّ ربط هذه الأعمال ونتائجها بالمشروع الكبير، يمثل تحديًا آخر لا يقل أهمية عن التحدي الثاني، وسوف نشير إلى عقباته وكيفية تجاوزها إن شاء الله. 

 

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center