Home مقالات

لماذا لا يمكن إصلاح أمريكا؟

لماذا لا يمكن إصلاح أمريكا؟

السيد عباس نورالدين

حين نقول إنّ أمريكا دولة لا يمكنها إلا أن تفعل الشر، فذلك إنّما يعود إلى طبيعة نظامها السياسي الذي قام على استخراج كل شر ممكن من البشر!
نتساءل أنّه ورغم تداول السلطة المستمر ـ وما يعنيه ذلك من إضعاف مفترض للعلاقة بين السلطة والمصلحة الشخصية ـ لماذا لا تنتج أمريكا رئيسًا واحدًا يمكن أن يخالف السياسات القائمة على التسلط والهيمنة على الشعوب؟
وطالما أنّ هذا الرئيس لن يحكم كثيرًا (ثماني سنوات ليست بشيء بمقياس عمر الإنسان، فضلًا عن عمر الأمم)، فما الذي يمنعه من أن يضرب ضربة نوعية تغير وجه العالم، وبعدها لن يطاله أحد (فرؤساء أمريكا لا يورثون أبناءهم السلطة بحسب المتعارف)؟
لكن سؤالنا هذا مبني على سذاجة هوليوودية فائقة، تفترض بأنّ النظام الأمريكي يمكن أن ينتج رئيسًا مستقلًّا بفكره وروحيته عن تلك الطبقة التي ارتبطت مصالحها بكل شر موجود في العالم. نفترض هنا بأنّ الانتخابات الأمريكية شعبية حقًّا، وأنّ الناس يمكنهم أن يختاروا أي فرد من أبناء الشعب الأمريكي؛ ثم نقول: وهل خلا هذا الشعب من الصالحين أو المستقلين؟
لكن لو تأملنا في عملية تدرج الرؤساء من أدنى المراتب إلى أعلاها، لشاهدنا سلسلة طويلة من الغربلة، التي لن يبقى فيها إلا من يضمن مصالح تلك الفئة القليلة من الرأسماليين الكبار الذين يتحكمون بمعظم مؤسسات المجتمع الأمريكي.
لقد بُنيت الولايات المتحدة على يد الرأسماليين الكبار مع شراكة شعبية محدودة؛ لكن نفوذ هذه الطبقة كان يزداد يومًا بعد يوم إلى أن وصل في القرن العشرين إلى حد الإلغاء التام لتلك الشراكة الصغيرة؛ وأضحت جميع المؤسسات القوية ـ التي تلعب دورًا أساسيًّا في الدعاية وتشكيل الرأي العام (وخصوصًا الإعلامي منها) ـ بيد تلك الأقلية التي تمتلك النسبة الكبرى من الثروة القومية.
إنّ قصة صعود هذه اللوبيات المالية الضخمة إلى مصاف التأثير الشامل، يرجع بالدرجة الأولى إلى طبيعة الثقافة الحاكمة على المجتمع الأمريكي. فإن أردنا أن نختصر هذه الثقافة بعباراتٍ وجيزة لقلنا بأنّ أمريكا قامت على فكرةٍ واحدة وهي أنّها أرض الفرص. والمقصود بالفرص هنا هو أنّ أي شخص يمكنه أن يصبح فاحش الثراء ولو كان من أدنى الطبقات! فلا معنى للوطن الأمريكي سوى هذا. إنّ ما هو موجود عند العديد من شعوب العالم من تصور للوطن كأرضٍ للأجداد أو محل يعبّر عن ثقافة عريقة أو ديانة أو حتى قومية، كل هذا غير موجود في الذهنية العامة للشعب الأمريكي.
لذلك، فإنّ نفوذ الرأسماليين الكبار في أمريكا إنّما يرجع بالدرجة الأولى إلى ذلك الحلم أو تلك الفكرة. وإنّما تكتسب الأشياء في هذا البلد قيمتها بمقدار ما تعبر عن تلك الفكرة أيضًا. لهذا، ينتخب الشعب الأمريكي، وهو في قمة سخطه على الأوضاع الاقتصادية المتردية، رئيسًا ينضح كل شيء فيه بالثراء. ولو أنّ الرئيس أوباما استطاع أن يرضي تلك الأغلبية البيضاء الساخطة بواسطة ازدهارٍ اقتصادي ما، لربما استطاع أن يترشح من يشبهه لرئاسة ثالثة.
أمّا ما يُحكى عن تلك الشريحة الواسعة من الأمريكيين البيض الساخطين، الذين وجدوا أنفسهم معزولين عن الحكم والسلطة بسبب سياسات الديمقراطيين المتساهلة تجاه الهجرة الجنوبية، فهو في الواقع القشة التي قصمت ظهر البعير. لكن العامل الأول وراء مجيء ترامب يعود إلى تشخيص تلك الطبقة الرأسمالية النافذة بضرورة التخفيف من سخط هؤلاء للإبقاء على مصالحها. وهذا ما جرى عبر تغييرٍ شكلي لا يمس مصالحهم أبدًا!
لكن لماذا ينتخب شعب، أغلبيته الساحقة من الفقراء المتضررين من الأوضاع الاقتصادية المتردية، رئيسًا يُفترض أنّه نتاج تلك السياسات الاقتصادية نفسها؛ هذه السياسات التي حمت مصالح الرأسماليين الكبار على حساب الفقراء في ذروة الانهيار الكبير؟
ألا يفترض أن يُترجم السخط الشعبي رفضًا قاطعًا لأي واحد من تلك الطبقة المستغلّة؟
فلو لم يكن بناء الحلم الأمريكي ـ الذي هو المعنى الوحيد الذي يُباع للناس ـ على فكرة الفرصة المتاحة للثراء السريع، لما استطاعت تلك اللوبيات أن تستغل ذلك السخط العارم، وتحصل على أكثرية تأتي برئيس يحمي مصالحها.
إنّني هنا لا أريد تبسيط المشهد السياسي الأمريكي، بقدر ما أريد أن أشير إلى أحد أهم عوامل وصول أي شخص إلى أعلى سلطة في تلك البلاد. فالغفلة عن هذا العامل هي التي تجعلنا نطرح تلك الأسئلة الساذجة المبنية على تبسيط مفرط للديمقراطية الأمريكية المزعومة.
ما يجري في الولايات المتحدة منذ زمنٍ طويل بُني على معادلة عجيبة، وهي أنّ بقاء نفوذ تلك الأقلية الرأسمالية وهيمنتها على كل شيء إنّما يحتاج إلى أن تبيع الناس حلمًا، وأن يبقى هذا الحلم قويًّا، وأن يكون الرئيس تجسيدًا له. وهذا الحلم نفسه هو الذي يوحد الطبقات المختلفة ويبني ديمقراطية ويمنح شرعية.
لو أنّ الثري الوحيد في قريتك لم يوحِ لفقرائها بإمكانية أن يصبحوا مثله، لما كان له أي شعبية تُذكر، وبالتالي لما فكر بأن يصبح رئيسًا لبلديتها؛ ففي غير هذه الحالة سيكون شخصًا معزولًا أو منبوذًا لا يمكن أن ينافس عالم القرية أو خادمها أو من يمثل قيمها ومقدساتها.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center