Home مقالات

لا انتصار إلا في ظل الحركة التقدمية.. ولا تقدم إلا في ظل الأعمال النوعية

لا انتصار إلا في ظل الحركة التقدمية
ولا تقدم إلا في ظل الأعمال النوعية

السيد عباس نورالدين
مؤلف كتاب على طريق بناء المجتمع التقدمي


إنّ الحركة التقدمية للمجتمع المسلم تقف على رأس عناصر التوفيق والنجاح والانتصار. ولأنّ حركة الجماعة المؤمنة تسير وسط مستنقع المعارضين الآسن، فإنّ توقفها وجمودها يعني شيئًا واحدًا، وهو تلوثها وامتزاجها بمياه ذلك المستنقع، ومن ثمّ تحولها إلى ماهية المعارضين، وإن لم يشأ قادتها وأهلها.


الحركة التقدمية تعني تحقيق إنجازات نوعية، ليس في قلب جبهة المعاندين فحسب، بل في الجبهة الذاتية قبل أي شيء آخر. وسر ذلك أنّ النصر لا يعتمد على إحداث تحوّل وتبدّل في صفوف الأعداء، وإن كان لردعهم وكسر إرادتهم وهزيمتهم دورٌ مهم في ذلك، لكنّ النصر الحقيقي يقوم على حصول تبدلات جوهرية في جبهة أهل الحق. ومن أجمل ما قيل في قوانين النصر والتقدم كلام لأمير المؤمنين عليه السلام يصف فيه سر انتصار المؤمنين الأوائل، حيث يقول: "وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا وَمَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا. فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا، أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ‏، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ".[1]

قوة قلوب أهل الحق هي النصر الأكبر، وهي أساس كل الانتصارات التي تتحقق على ضوئه. فإقبال الناس الذين كانوا في موقع المتفرج أثناء المواجهة المحتدمة بين الجبهتين، يُعد من نتائج ثبات المؤمنين وارتقائهم في حركتهم التقدمية. وهذا الارتقاء الذي يجذب تلك الأغلبية المترقبة، إنّما يكون بوصول جبهة الحق إلى مستوى تقدر معه على تحمّل مسؤولية قيادة تلك الأفواج المقبلة، وهدايتها وتأمين حاجاتها.

يمكن تصوير المواجهة الكبرى بين معسكري الحق والباطل، بأنّها عبارة عن فرصة يتدرب فيها أهل الحق ويتمرنون لأجل التكامل والارتقاء إلى ذلك المستوى. وقد يظهر معسكر الباطل طوال هذه المواجهة بأنّه ثابتٌ لا يتزلزل، لكن تقدّم أهل الحق وتطورهم سرعان ما سيؤدي إلى انكفاء أهل الباطل وسقوطهم، مع ما يستتبع هذا الانهزام من التحاق قسم كبير من المتفرجين بجبهة أهل الحق.
لكن هذا الالتحاق يعتمد في ماهيته وحجمه ونتائجه على مدى استعداد جبهة أهل الحق لاستقبال هذه الأفواج الداخلة، وقيادتها وهدايتها نحو الأهداف المنشودة. فإن لم تكن هذه الجبهة مستعدة لذلك، فإنّ النصر والإقبال سيكون من أهم عوامل هزيمتها وتراجعها!
لذلك كنّا نشير إلى ضرورة تحقيق الإنجازات النوعية التي يظهر مردودها في الارتقاء والتكامل على صعيد الجبهة الذاتية أكثر من أي شيء آخر. فهذا هو روح الحركة التقدمية وجوهرها. وينبغي جعله المؤشر الأساس للانتصارات والإنجازات الحقيقية.


من أكبر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها القيمون على الحركة التقدمية أن يظنوا بأنّ مجرد الثبات والصمود كفيل بتحقيق النصر. فهكذا تُبتلى جبهة أهل الحق بالجمود القاتل، نظرًا لطبيعة تحرك هذه الجبهة وسط المستنقعات الآسنة الملوثة. فلا بد أنّ جعل الصمود أو الثبات فرصة لتحقيق إنجازاتٍ ما؛ ولا بد أن تكون هذه الإنجازات إبداعية ونوعية.
إنّ ما يمكن أن يكسر الحصار الذي يفرضه معسكر الباطل على أهل الحق هو هذا النوع من الأعمال بالذات. فأن تطلب من جماعتك الصمود السلبي من دون القيام بشيءٍ نوعي مزلزل، بل تحمّل الأذى والصبر على البلية، لهو من أكبر الأخطاء! ففي ظل هذا الحصار، فقط الإبداع وتحقيق إنجازات نوعية هو الحل.

كم هو بعيدٌ عن الواقع الذي يظن مثلًا أنّ الثورة الإسلامية في إيران قد انطلقت وتحركت وتقدمت منذ الخطاب الأول للإمام الخميني عام 1963 م وحتى انتصارها عام 1979 م بفضل مجموعة من الخطابات التوعوية لهذا القائد الفذ وتفاعل الجماهير معها! فهذا تبسيط شديد الإخلال بفهم هذه الثورة التي كانت مفعمة بالأعمال الإبداعية والنوعية. ولو تأملنا داخل جبهة الإمام، وطيلة هذه السنوات النضالية التي شهدت العديد من الانتصارات والإخفاقات، لوجدنا أنّ هناك من كان يحقق كل حين ضربات وإنجازات نوعية، هي التي أدت في نهاية المطاف إلى إقبال الناس وإصرارهم على تطبيق مبادئ الثورة حتى الانتصار.
ومن هذه الإنجازات النوعية ما كان يقوم به تلامذة الإمام وأنصاره الأذكياء داخل النظام التعليمي العام، حيث تمكن الشهيد بهشتي والشهيد باهنر من اختراق هذا النظام وإدخال مجموعة من المفاهيم إلى مناهجه، والتي أظهرت الأيام أنّها كانت ذات تأثير كبير على شباب ذلك اليوم.
وفي تجربة المقاومة الإسلامية في لبنان وقائع مشابهة؛ ومن التبسيط المخل التصور بأنّ انتصار هذه المقاومة عام 2000 م كان بفضل ثبات ثلة من المجاهدين على قتال المحتل على مدى أكثر من خمسة عشر عامًا من دون تحقيق إنجازات نوعية وسط هذه المواجهة.

الثبات نفسه يعتمد اعتمادًا كبيرًا على العمل النوعي والإبداعي الذي يخلف آثارًا عميقة في الجبهتين؛ تتمثل في جبهة أهل الحق بما ذكرناه من تقوية القلوب والارتقاء التكاملي، وتظهر في جبهة الباطل بانكسار الإرادة وضعفها وتراجعها.
لذلك، إن أراد القيمون على هذه المواجهة استمرار هذه الحركة التقدمية، لكي لا يبتلوا بالجمود والاضمحلال، فعليهم أن يبحثوا ويكتشفوا من بين الأعمال ما يمكن أن يحقق مثل هذه الإنجازات النوعية، فيعمدوا إلى رعايتها ودعمها وإعطائها الأولوية المطلقة.

إنّ إعطاء الأولوية لمثل هذه الأعمال الإبداعية يعني شيئًا أساسيًّا، وهو أن لا يعاملوا أهلها بمساواتهم بغيرهم من غير المبدعين والكفوئين، بحجة حفظ الوحدة وإرضاء الأكثرية؛ بل عليهم أن يعلموا أنّ من طبيعة الأعمال النوعية أنّها تطلب منهم في بعض الأحيان أن يتصدوا لها ويقوموا بإدارتها بأنفسهم، حتى لو استلزم ذلك خروجهم عن برامجهم المعتادة.

إنّ التوفيق لاكتشاف هذه الأعمال والمشاريع النوعية إنّما يكون بفضل التوجه إلى هذه القضية والإيمان بها. فهنا يتفاوت القادة فيما بينهم وينقسمون إلى فئتين؛ فئة تحصر أولوياتها في إطار حفظ الصفوف وتثبيت الناس وحثهم على الصبر والتحمّل حتى مرور العاصفة. وفئة تعتقد بأنّ الوحدة والثبات والصبر إنّما هي نتاج تلك الحركة التقدمية التي تعتمد على سلسلة الإنجازات النوعية.

فالقائد الذي ينتمي إلى الفئة الثانية سيولي جل اهتمامه وأثمن أوقاته لاكتشاف الطاقات المبدعة التي ستنبعث منها تلك الإنجازات؛ ومثل هذا القائد لن تصرفه المتابعات اليومية والأعمال الرتيبة ـ مهما كثرت ـ عن هذا الأمر الحساس، لأنّه سيبتكر لها آليات تزيح عن كاهله أعباءها المنهكة.

إنّ اكتشاف الأعمال النوعية يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على التمييز، أولًا وقبل أي شيء، بين دور جبهة أهل الحق ودور جبهة أهل الباطل. فالتركيز على ما يقوم به أهل الباطل لأجل تحديد الموقف المناسب قد يعمي القادة عن أهم الأمور التي يمكن أن تكون أرضية مناسبة لتلك المشاريع النوعية.
إنّ جُلّ ما يقوم به أهل الباطل لا يعدو أن يكون إلهاءً وتعميةً وإشغالًا لأهل الحق عمّا ينبغي أن يقوموا به داخل جبهتهم. وأهل الحق البصيرون يلتفتون دومًا إلى ضرورة تحويل كل ما يقوم به أعداؤهم إلى فرص لتقوية جبهتهم والارتقاء بها.

إنّ أهل البصيرة ليسوا منفعلين أبدًا، بل يتميزون بأنّهم يسبقون الأعداء بخطوة أو عدة خطوات، ويبادرونهم كل حين بضربة نوعية تفقدهم صوابهم وتزلزل كيانهم وتشتت تفكيرهم.
كما إنّ اكتشاف الأعمال النوعية يعتمد على إيلاء قضية الارتقاء بالجبهة الذاتية الداخلية الأولوية المطلقة، نظرًا لأهمية تلك السنّة والقانون الأول للانتصار. وعليه، لا يمكن مضاهاة أعمال الكفار وآثارها بأعمال المؤمنين وآثارها؛ فهما من سنخين مختلفين تمامًا. فالثبات وعدم السقوط في فخ التسويلات الشيطانية والغوايات الإبليسية لا يكون عبر الصبر والتحمّل، بل بواسطة المعراج الصلاتي الذي هو فعل إلهي إبداعي منّ الله به على المؤمنين؛ كما جاء في الحديث: "الصلاة معراج المؤمن".
إنّ ما يعيننا على القيام بالأعمال النوعية التي ترتقي بالحركة التقدمية إلى آفاق غير مسبوقة هو أن نعيد النظر بمنظومتنا القيمية. ففي أغلب الأحيان نجد أنفسنا وقد غفلنا عن الأهم والمهم نتيجة انفعالنا المستمر تجاه الأعداء؛ وبتنا نظن بأنّ أفعال ترامب الحقيرة هي أسوأ بكثير من فعل مسؤول في جبهتنا يعطّل بعض الطاقات المبدعة؛ فكيف إذا كان هذا المدير مسؤولًا عن بناء الطاقات وجُل ما يقوم به هو أن يمنع تلك المشاريع النوعية في هذا المجال؟!

 

[1]. نهج البلاغة، ص 92.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center