Home مقالات

لماذا نخاف من أمريكا؟ ماذا عن حسن منهاج واللغة الإنكليزية

لماذا نخاف من أمريكا؟
ماذا عن حسن منهاج واللغة الإنكليزية!

السيد عباس نورالدين
مؤلف كتاب كيف نستفيد من التاريخ

رغم إدراك العديد من المسؤولين الكبار في الولايات المتحدة لقوتها الناعمة، إلا إنّ الغالب على الإدارات الأمريكية المتعاقبة تبنّي السياسات الصلبة في التعامل مع قضايا العالم وشعوبه. وبسبب ذلك، نجد أمريكا اليوم وأكثر من أيّ يومٍ مضى قوة متغطرسة متعجرفة بنظر أكثر شعوب العالم؛ وهي بلد لا يتوانى عن تحريك أساطيله واستخدام قدراته الاقتصادية لفرض إرادته على غيره حتى لو كان هذا الغير حليفًا قديمًا!

الذين يتبنون خيار القوة الناعمة وسط النخبة الأمريكية، يرون في هذه السياسات حماقةً فاضحة، نظرًا لمردودها السلبي على المصالح الأمريكية الاستراتيجية في شتى المجالات. ويؤكد هؤلاء على أنّ صعود أمريكا كقوة عظمى في العالم إنّما كان بالدرجة الأولى بفضل ما امتلكته من جاذبية ثقافية، لا بفضل كونها قوة عسكرية واقتصادية كبرى!

إنّ ما يهدد النظام الإسلامي في إيران ـ التي تُعد أهم قوة معارضة لأمريكا في العالم ـ ليس ما يمكن أن ينجم عن حربٍ عسكرية مع أمريكا أو حتى عن حصارٍ اقتصادي لا سابقة له، وإنّما هو تلك الشريحة من الشباب الإيراني، التي تتزايد باستمرار، وتنشأ على الاعتقاد بجمالية نمط العيش الأمريكي، فلا ترى بعدها من مشكلة في إقامة علاقات ودية مع هذه الدولة، التي لم تترك وسيلة للقضاء على ذلك النظام إلا واستخدمتها.

لكن صعود هذه الشريحة وتزايد قدراتها، كان يصطدم دومًا بالغباء الأمريكي المفرط، والذي سرعان ما كان يبدد أحلامها تلك. فأمريكا كعادتها لم تتمكن من إخفاء حقدها وعدائها للشعب الإيراني منذ أن انتصرت الثورة الإسلامية؛ وأغلب الظن أنّ مرد ذلك يعود إلى غلبة تيار القوة الصلبة على إداراتها ومقارباتها لقضايا المنطقة.

ولكن، لماذا لم يتم حسم أمر هذه الشريحة لحدّ الآن رغم كل ما جرى؟

ولماذا تطل هذه الفئة برأسها من حينٍ إلى آخر وتهدد بقاء النظام؟

هل تتصورون أنّ قلق قادة النظام الإيراني من أحداث الشغب الأخيرة كان ناشئًا من تلك الجماعات التخريبية التي لم يبلغ تعداد أفرادها سوى بضعة آلاف؟

وهل يمكن لهذه النسبة الضئيلة من المشاغبين، الذين لا يمتلكون وسائل إعلام ودعاية داخلية، أن تسقط نظامًا قام على مئات آلاف الشهداء، وما لا يُحصى من الجرحى، وتضحيات ونضالات لا يعلم حجمها إلا الله؟

لا شك بأنّ هناك أسبابًا أخرى وراء هذا القلق. فالنظام الشعبي لا يسقطه إلا الشعب. والشعب لا يسقط نظامه إلا حين يجد بديلًا. والبديل حاضر وهو الذي يتمثل بخيار آخر غير الإسلام؛ وهنا تأتي أمريكا لتقدم هذا البديل على طبقٍ من فضة!

لماذا القلق من الشعب إن لم يكن الخيار الآخر ماثلًا في عقلية شريحة واسعة منه؟

ولنا أن نسأل أيضًا ما الذي يصنع هذه العقلية ويوجدها بمثل هذا المستوى؟

الإجابة التي يقدمها أكثر المهتمين هنا تتمثل في تخوفهم من تأثير القوة الناعمة الأمريكية، التي ما فتئت تنخر بعقلية الشباب الإيراني منذ أن برز حجم التفاوت الكبير في القدرات الناعمة بين البلدين على صعيد ميادين العالم الافتراضي والشبكة العالمية. وبحسب تصور هؤلاء، فإنّ ما تقدّمه أمريكا هنا لا يمكن للنظام الإسلامي أن يقدّمه، لأنّه يرتبط بالخداع والجاذبية والإغراء والغرائز!

إنّ معظم الذين يتصدون للهجمات الإعلامية الأمريكية يدركون جيدًا بأنّها تقوم على عنصر الخداع، لكنهم يبدون عاجزين عن كشف هذا الخداع لأسبابٍ عديدة. وأتصور بأنّ السبب الأول يكمن في أنّهم أنفسهم لا يعرفون نقاط الضعف الأمريكي في هذا المجال. ولا تتفاجأوا إن علمتم أنّ مرد ذلك يرجع إلى عدم إتقان لغة الخصم!
فهذه الشبكة العالمية تحتوي من الفضائح التي تكشف مدى ضعف وخواء وهشاشة وحقارة الحياة الأمريكية، ما يجعل أكثر الأمريكيين غير راغبين في البقاء في بلدهم. وقد قلنا سابقًا بأنّ ما يبقي الأمريكي في بلده ليس إيمانه بنمط عيشه، بل لعدم تصوّره بوجود فرصة له خارجه. فأمريكا بالنسبة لعددٍ كبير من الأمريكيين بلدٌ سيئ، لكن بقية العالم أسوأ منه.

لم يحتج الأمريكي للحفاظ على قوته الناعمة في الداخل إلى أكثر من تقبيح الآخرين وشيطنتهم. وقد نجح إلى حدٍّ كبير في هذا المجال. لكن المصيبة هي أنّ الذين يتصدون لمواجهة الهجمات الإعلامية الأمريكية في بلادنا، لم يتمكنوا لحدّ الآن من اكتشاف حجم فضيحة الحياة الأمريكية، والذي يعني شيئًا أساسيًّا وهو سقوط القوة الأولى لهذه الدولة المتغطرسة.

انظروا وتأمّلوا في جميع الأدبيات الغربية فيما يتعلق بنمط عيشنا ونمط عيش الإيرانيين وتجربتهم السياسية وحياتهم الاجتماعية، فسوف تجدونها قائمة على الجهل والافتراء والكذب إلى حدٍّ كبير. ولو أنّنا كشفنا هذه الأكاذيب فقط، لكان ذلك كافيًا لتحقيق أكبر نصر في هذه المواجهة. لكن المشكلة تكمن في النقص الحاد في إدراكنا لتلك الفضائح.

إنّ إصرارنا على أن نقرأ الأمريكي في تصريحات مسؤوليه ـ التي تتم ترجمة مقتطفاتها لنا ـ وفي القنوات الإخبارية المدعومة من قبله، لهو أحد أهم أسباب ضعف رؤيتنا وإدراكنا لنقاط ضعفه. ولأجل التخلص من نقطة الضعف البارزة هذه، نحتاج إلى المزيد من المعرفة. وهذه المعرفة تعتمد اليوم بنسبة كبيرة على إتقان اللغة الإنكليزية.

إنّ برنامج الأمريكي، الهندي الأصل، حسن منهاج تحت عنوان "فعل الوطني"، كفيل لوحده بأن يسقط القوة الناعمة الأمريكية ولا يبقي لها أي تأثير، لكنّنا وللأسف نعجز عن نقل هذا البرنامج كما ينبغي. فكيف بمئات البرامج والأعمال الفكرية والإعلامية التي يفضح فيها الأمريكيون بلدهم ونمط عيشهم وسياسات إداراتهم بصورة لا تبقي لهذا البلد أي جمال أو جاذبية!

وحين تسألني: ولماذا لا يثور الشعب الأمريكي على دولته بعد كل هذه الفضائح؟ أقول مجددًا إنّ الأمريكي ما زال يرى العالم الآخر أسوأ منه!  

 

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center