Home مقالات

نحو أفضل مقاربة منهاجية لتعليم اللغة.. اللغة العربية نموذجًا

نحو أفضل مقاربة منهاجية لتعليم اللغة
اللغة العربية نموذجًا

السيد عباس نورالدين
مؤلف كتاب ثورة التربية والتعليم


النظر في وضع اللغة العربية ومخرجات مناهجنا الحالية يؤكد أنّنا في أزمة كبيرة تنعكس دومًا على مستوى الانتماء إلى الدين والاتّصال بينابيع معارفه الثرّة. فحين تضعف لغة الإنسان تضعف شخصيته ويضعف اتّصاله بما يُفترض أن يكون أفضل رافدٍ لبناء النفس وتقويتها.

قوة البيان هي القاعدة التي تُبنى عليها قوة العلم وقوة العمل. ولأجل ذلك، ينبغي أن يكون الهدف الأول من تعليم اللغة العربية ربط المتعلم بكتاب الله وتجلياته، الذي يمثّل مصدر المعرفة ومصدر القوة.

حين نتحدث عن هذا الهدف، فنحن نقصد أنّ هناك تجربة عميقة لا يمكن أن تتحقق بعيدًا عن الكفاءة اللغوية. وهذه التجربة العميقة تحمل معها كل خيرٍ وكمالٍ ممكن. وبالتالي، فإنّ كل ما نحلم به على صعيد قوة البيان ـ سواء لجهة فهم واستيعاب التراث، أو لجهة سلاسة التعبير وعذوبته، أو لجهة التأثير المميز على المخاطبين ـ سيتحقق في ظل تحقق الهدف الأول.
لقد بُنيت المناهج الحالية في جزءٍ منها على استبعاد التجربة التعليمية القديمة، التي كانت تتمحور حول قراءة القرآن، رغم أنّنا لم ندرس تلك التجربة ونحللها تحليلًا علميًّا صحيحًا؛ وإنّما أسقطنا عليها كل سلبيات الماضي الممتزج بالتخلف العلمي والفكري. فكلامنا عن هذا الهدف هنا لا ينبغي أن يستحضر تجربة الكتّاب وتعليم الصبيان تحت الشجرة.
يجب أن نتفق أولًا على أنّ لغة القرآن ومنظومته البيانية هي الأرقى، وأنّها تمثل المنبع الأغنى الذي يصدر منه كل ما يمكن أن يحقق الكفاءات والقدرات البيانية الرفيعة، مهما علت هذه القدرات. فهو صانع تلك المعجزة البلاغية العظيمة التي ينحدر عنها السيل ولا يرقى إليها الطير. وكلام أمير المؤمنين ـ الذي جُمع قسمٌ منه في كتاب نهج البلاغة، والذي كان على مدى التاريخ أهم مدرسة للبلاغة والفصاحة ـ هو أحد تجليات القرآن العظيم.

لم يتّفق العرب في زماننا هذا على موقعية القرآن ودوره البياني نظرًا لسيطرة النزعات القومية والعلمانية على أنظمتهم السياسية. لكنّ الأحرار في كل مكان يدركون أنّ كتاب الله هو المستوى الأعلى للغة العربية ويجب أن يكون هدفًا لمناهجها التعليمية، حيث يكون كتاب نهج البلاغة مثلًا أعلى له، ويدل دلالة واضحة على ما يمكن أن يحققه القرآن أو يصنعه فيمن يقتفي أثره.

إنّني أدعو كل المسؤولين عن إعداد مناهج اللغة العربية إلى إعادة النظر والتأمل بعمق في هذا الهدف، عسى أن تنطلق عجلة التخطيط وبناء المناهج وإعدادها على أساسه. ولأجل ذلك، أتقدم بمقاربة منهاجية قد تساهم في تفعيل النقاش والتخطيط وتوجيهه نحو التطوير المنشود.

أبدأ بطرح السؤال التالي: لو عرضنا على عربي ـ عاش في القرن الأول الهجري وهو غير حافظ للقرآن ـ هذه الجملة، وطلبنا منه قراءتها: {قالَ تزرعونَ سبعَ سنينَ دَأَبًا فَما حصدتُمْ فَذَرُوهُ‏ في‏ سُنْبُلِهِ إِلاَّ قليلًا ممَّا تأكلون‏}،[i] فإنه حتمًا سيقرأها بطلاقةٍ وسلاسة؛ لكن ماذا إذا حذفنا منها كل الحركات، فهل كان سيقرأها كما فعل سابقًا؟ والجواب هو: نعم ولا شك. طيب، ماذا إذا حذفنا منها كل النقاط؟ والجواب هنا سيكون كالجواب السابق أيضًا. فعرب عصر القراءة والكتابة الأول ما كانوا يعرفون التنقيط ولا التحريك، وإنّما دخلت هذه التفاصيل بعد أن ابتعدوا عن لغة القرآن، وحين دخل الكثير من العجم في حضارتهم. وسر تلك القدرة الأولى يعود إلى ما يمكن أن نعبّر عنه هنا بالأنس المغروز باللغة الأم والذي ينشأ مع نشوء الإنسان العربي وتشكل قدراته البيانية.

فعرب ذلك الزمان كانوا يأنسون بلغتهم أولًا وذلك قبل أن يتجهوا إلى تعلم القراءة والكتابة. وقد كان هذا الأنس النفسي والمعنوي قويًّا إلى درجة أنّ العربي كان ينزعج أشد الانزعاج من أي تلحينٍ وتحريكٍ خاطئ أو وضع كلمة في غير موضعها، كما تلاحظ آذاننا اليوم ذلك الأجنبي الذي يكسّر في لغتنا. وإنّما دعت الحاجة إلى كتابة القرآن للعلم بأنّه سيأتي زمان يفقد العرب هذا الأنس (للأسباب المذكورة)، فلا يقدرون بعدها على قراءة القرآن كما نزل. وهكذا دعت هذه الحاجات المستجدة إلى المزيد من التفاصيل في الكتابة مع ازدياد المسافة بعدًا.

لم يكن العرب الأوائل بحاجة إلى تعلم قواعد النحو وما ينجم عنه من ضرورة التحريك الذي يصل في الكتابة القرآنية اليوم إلى حدّ الزخرفة. فأكثر الكلمات العربية في القرآن لا يمكن قراءة حروفها أو تهجئتها إلا على نحوٍ واحد، ومع ذلك يتفنن خطاطو القرآن بتحريكها وكأنّهم يرسمون لوحةً فنية، بدل أن يسهّلوا على القارئ القراءة، وهم غافلون عن أنّ هذا التفصيل لا يزيد القارئ إلا نصبًا، ويجعل عينيه وبتبعهما ذهنه مشغولًا بأمور لا طائل وراءها.
وبسبب سياسة التحريك هذه، ابتعد قراء العربية عن جوهر اللغة العربية حين ظنوا أنّ اختلاف تحريك المفردات ذات الجذر الواحد يكثر المعاني في أصل المادة. فهناك العديد من معاجم اللغة وأساتذة العربية يقدمون لكلماتٍ، ترجع إلى جذرٍ واحد، معانٍ متضادة أو متباعدة؛ ممّا زاد في تعقيد اللغة العربية أضعافًا كثيرة.
أجل، إنّها كارثة التحريك والتنقيط التي يعتبرها البعض تطويرًا للغة العربية! ولو بدأنا في تعليم العربية، كما كان العرب الأوائل يبدأون، لحققنا ثورة كبرى، ليس على صعيد تعليم اللغة فحسب، بل على صعيد الفكر الإنساني أيضًا؛ لأنّ اللغة العربية، كما قلنا، تمتلك ذلك النظام الواقعي الذي ينسجم تمامًا مع مراحل النمو الفطري للذهن البشري.
فيجب البدء دائمًا من السعي لإيجاد وتحقيق الأنس باللغة في نفس المتعلم؛ وهذا ما يتطلب تجنب أي نوع من التعقيد، والتقليل قدر الإمكان من فرض الجهد الذهني التحليلي، بل حتى الجهد البدني. والأخير يبدأ من خلال أقل جهد يبذله الإنسان مع اللغة وهو الاستماع (إن اعتبرنا أنّ فيه جهدًا أصلًا)، ثم نتدرج وننتقل إلى الجهد اللساني، لنصل إلى الجهد اليدوي؛ حيث نلاحظ أنّ الكتابة هي أبعد ما تكون عن التحريك (بل التنقيط إن أمكن). يتّضح هذا الأمر لكل من يتأمل في أولئك الصحافيين وطلاب الطب الذين يدونون الملاحظات السريعة بكلمات خالية من النقاط والحركات، حتى يتمكنوا من تسجيل كل شيء، وبعدها يرجعون إلى هذه الملاحظات وقد فهموا كل شيء فيها ويعيدون كتابتها لتكون في متناول ذاكرتهم المستقبلية المحتشدة.

يلفت نظري أطفالنا، وهم في سن الثانية والثالثة، حين يجلسون لعدة ساعات يوميًّا وهم يشاهدون قناة سبايس توون التي تعرض كل برامجها باللغة العربية الفصحى. فأراهم بعد مدة وجيزة يتحدثون فيما بينهم وهم يحاكون بطلاقة ما سمعوه من أمتع البرامج المعروضة. لكن ما يلفت نظري فيما بعد هو أنّ هؤلاء الأطفال أنفسهم يفقدون هذه الطلاقة بعد السنة الثانية أو الثالثة من التعليم المدرسي. فما الذي جرى عليهم في المدرسة حتى حدث ما حدث؟ هل تعرضوا للاستهزاء من قبل أقرانهم بسبب هذه الطلاقة؟ أم اكتشفوا أنّ هناك لغة جديدة لا علاقة لها بما كانوا يسمعونه؟ أم وجدوا أنّ الأمر أعقد بكثير مما كانوا عليه؟

أجل، إنّ المناهج الحالية:
التي تصر على تحريك كل حرف في الكلمة؛
والتي تصر على التلازم بين الاستماع والقراءة والكتابة (علمًا بأن هذه مراحل تفصلها أزمنة وكفايات)؛
والتي تصر على إدخال قواعد النحو منذ السنوات الأولى؛
والتي تصر على تقديم أسخف النصوص وأكثرها مللًا؛

هي التي قضت على هذا الأنس الذي كان يتشكل بصورة عفوية من على شاشة السبايس توون وأمثالها، حيث يندر أن نجد بديلًا لهذه التجربة في الأسرة أو الشارع.

  

[i]. سورة يوسف، الآية 47.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center