Home مقالات

بين القيادة الانفعالية والقيادة الاستراتيجية.. كيف يعمل الأعداء على تشكيل القيادات

بين القيادة الانفعالية والقيادة الاستراتيجية
كيف يعمل الأعداء على تشكيل القيادات

السيد عباس نورالدين

منذ زمن بعيد وأنا أدأب على التفكير في كل ما يرتبط بواحدة من أهم قضايا المجتمع وأكثرها خطرًا، وهي قضية القيادة. ووجدت أنّ أكثر ما كان يخشاه المستعمرون ـ الذين غيّروا ألبستهم وبقوا على مخطّطاتهم ـ وما زالوا، هو تبلور قيادة حقيقية في المجتمعات التي يهيمنون عليها؛ قيادة تستطيع توجيه طاقات المجتمع نحو الأهداف الكبرى، تقلب الطاولة عليهم وتبدّل المعادلات الدولية التي تعمل لمصلحتهم.
لقد استخدم المستعمرون شتى الوسائل لمنع ظهور مثل هذه القيادات الحقيقية، من قبيل الاغتيالات والتصفيات الجسدية والمعنوية وإيجاد قيادات مصطنعة تعمل في الخفاء لصالحهم؛ ولكن الأخطر من بينها كان التوغّل في البيئة التي يمكن أن تنشأ فيها الشخصية القيادية المضادّة، والعبث فيها إلى الدرجة التي تحول دون ظهور أي توجّه يساعد على نموّ الروح القيادية الفعّالة.
لم يكتفِ هؤلاء المستعمرون بإيجاد البيئات المتناسبة مع مشاريعهم ومخطّطاتهم (كالجامعات والمعاهد والمؤسّسات الحكومية وغير الحكومية)، بل عمدوا إلى النفوذ إلى أعماق البيئات الخاصّة بثقافة المسلمين، حيث يُفترض أن تتشكل وتترعرع أنواع الأفكار والمبادئ والقيم ذات الصبغة الاستقلالية والنزعات التحرّرية والآمال التقدّمية، مثل الحوزات الدينية. وهناك عملوا، عبر عملائهم المباشرين وغير المباشرين، على ترويج كل ما يمكن أن يحول دون نشوء تلك الأفكار والتوجّهات والعقائد الأصيلة؛ من قبيل نشر فكرة فصل الدين عن السياسة، وفكرة أولوية المذهب على حساب الأمّة الواحدة، وفكرة أنّ الروحانية وليدة الهند واليونان، وغيرها من الأفكار التي تشغل الحوزويين بقضايا لا تمت إلى أولويّات الصراع بصلة.
وحين عجزوا عن الهيمنة المطلقة على الحوزات، التي وُجد فيها نوع من المناعة الذاتية بفضل التراث العلمي الكبير والرجالات المخلصة النزيهة والشخصيات الحكمية العميقة، انتقلوا إلى الخطوة التالية، وهي التي ترتبط بممارسة سياسة احتواء أي قيادة ناشئة واعدة، مستخدمين أساليب هي غاية في المكر والدهاء. نذكر على سبيل المثال أسلوبين خطيرين:
يتمثل الأوّل باستدراج هذا القائد إلى تبنّي برامج واهتمامات تؤدّي شيئًا فشيئًا إلى عزله عن شعبه وجمهوره، من خلال اعتماد ضخ إعلاميّ واسع يقوم على إمطاره بسيول من المدح والإشادة بشخصيته البطولية، والإشارة إلى شدّة عدائهم له وانزعاجهم منه، مستخدمين بذلك جحافل الصحفيّين الممجّدين الجاهزين تحت أدنى إشارة.. وقد عاينت واحدة من هذه التجارب عن كثب، حيث شاهدت كيف تغيّر خطاب إحدى الشخصيات البارزة، في غضون سنوات قليلة، من الأدب الشعبيّ، الذي يأخذ بعين الاعتبار النخبة والكوادر (أي العمق)، في الوقت الذي لا ينسى تطلّعات وآمال القاعدة (أي الهموم اليومية)، إلى خطاب مسكون بالرد على تصريحات إعلاميّين وسياسيّين من المستوى المتوسّط والمتدنّي. وأغلب الظن أنّ هؤلاء الإعلاميين والسياسيين أنفسهم لم يكونوا سوى جوقة واحدة تديرها غرفة عمليات ذات دراية واسعة بذهنية هذا القائد ونقاط ضعفه.

سعيت جهدي لتلتقي عيناي بعيني هذه الشخصية، كما كانت تفعل بالأمس، لكنّني وجدتها تمعن النظر في عدسات التصوير التي جاءت من كلّ حدب وصوب لتغطية مواقفها وبثّها في مختلف وسائل الإعلام العالمية. وأدركت ـ كما أدرك العديد غيري ـ أنّ من كنّا نهواه ونعشقه بالأمس، لم يعد يجسّد آمالنا وتطلّعاتنا ويحكي عن همومنا. لقد أصبحت هذه الشخصية، في مدّةٍ وجيزة، مشغولة باللقاءات الصحفية وتلبية المواعيد المتواصلة التي تطالب بها وكالات يعمل معظمها لدى أجهزة معروفة، وانقطعت عن مطالعة وملاقاة تلك النخب والكوادر والمفكّرين، الذين هم على تماس مع الأرض ويعايشون هموم الناس ويتعاملون مع قضاياهم.
وحين لا تنجح سياسة الاحتواء هذه عبر أسلوب الاستدراج، يأتي أسلوب آخر أشدّ مكرًا، وهو الأسلوب الذي يعمل على جعل هذه الشخصية القيادية مشغولة دومًا بسلسلة من التحدّيات والقضايا العشوائية المشتّتة، التي تسلبها فرصة النظر إلى البعيد والتفكير الاستراتيجيّ، الذي يُعدّ نقطة القوّة الأساسية لأيّ قائد واقعيّ.
إنّ القيادة الانفعالية هي التي تتابع تحرّكات الأعداء بصورة مستمرّة لاتّخاذ المواقف المناسبة؛ فتصبح بعد مدّة مسكونة بهواجس لا تمت إلى حقيقة الصراع وجوهره بصلة، وإن كانت في معظمها مبرّرة ومنطقية؛ حيث تجد لنفسها في ذهنية هذا القائد مبرّرات وجيهة، مثل هاجس حفظ الوجود وقلّة الإمكانات وضعف الناصر ووهن الأصحاب، وغيرها من الذرائع التي ستتغذّى على مدى الزمن من ضعف حضور الرؤية الكونية العميقة وعدم رسوخ إيمان الأنبياء والأولياء.
لا شك بأنّ الرد على مواقف الأعداء ومواجهة مخطّطاتهم يُعدّ أحد أهم مسؤوليات القائد الحقيقيّ؛ لكن علينا أن نميّز بين هذه المواقف والمخطّطات؛ والأهم أن نمتلك الرؤية العميقة للأولويات والمراتب. فحين يكون القائد في أعلى مراتب القيادة والتوجيه، فهذا يستلزم أن تكون جميع مواقفه وقراراته وخططه ذات طبيعة استراتيجية؛ لأنّ الاستراتيجيا هي التي توجّه دفّة سفينة المجتمع. وحين لا يكون القائد استراتيجيًّا، فهذا يعني أنّ هناك من سيحل محلّه؛ وفي هذه الحالة، سيحصل التضارب الواضح بين المسارين شئنا أم أبينا.
إنّ القائد الاستراتيجي هو الذي يستحضر استراتيجيّات الصراع والمواجهة في مواقفه المختلفة، حتى وإن كانت ذات طبيعة تكتيكيّة؛ وذلك لحاجة المجتمع الماسّة إلى التمسّك بالأصول والمبادئ العميقة في سيره وتحركه.

 

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center