Home مقالات

معضلة التشتت والشقاق في المهجر... وكيف ينبغي التعامل معها

معضلة التشتت والشقاق في المهجر
وكيف ينبغي التعامل معها

السيد عباس نورالدين
مؤلّف كتاب خطة الإسلام2

مطالعة متأنية أو سريعة لأوضاع المؤمنين والمسلمين في المهجر تبين أنّ هناك ظاهرة عامة لا شواذ لها تقريبًا، وهي ظاهرة الانشقاق والانقسام بين هذه الجاليات، وخصوصًا حين يصل الدور إلى أي نوع من الأعمال الإسلامية المنظمة.
ربما من الصعب أن نجد بيئة مؤمنة في الخارج إلا وهي تعاني من الانشقاقات داخل صفوف العاملين فيها؛ هؤلاء الذين يُفترض أن يجعلوا من أولوياتهم تشكيل تجمعات متراصة ومنسجمة، حيث تكون هذه الجمعيات والتجمعات أرضية لتمتين الالتزام الديني والارتباط بالبلد الأم وقضاياه وهمومه، فضلًا عن تأمين الحاجات الأساسية للمهاجرين.
 يواجه كل مهاجر أو مقيم في المهجر تحديات شديدة، تشمل شؤون دينه وآخرته، وتطال دنياه ومعاشه، فتجعله دائم القلق تجاه هويته ومصيره. بَيد أنّ هذا القلق يمكن أن يصبح عاملًا مهمًّا في اهتمام هذا المهاجر بتعزيز الانتماء للجماعة المؤمنة. وهذا ما يشكل بعض عناصر الالتحام والانسجام.
لا يخفى أنّ لمعظم حكومات الدول، التي يهاجر إليها أهلنا وشبابنا، مواكبةً أمنيةً لأي تجمع إسلامي فيها. وقد تصل هذه المواكبة إلى حد تجنيد البعض وربما دفعهم للقيام بأعمال تخريبية تطال وحدة الصفوف والانسجام. فمن السذاجة استبعاد مثل هذا العامل؛ لكنّ التأمل في أسباب هذه الانشقاقات يدل على وجود ما هو أعمق من ذلك، وهو ما يمكن أن نعبّر عنه بالمعضلة الأخلاقية. هنا بالذات نلاحظ مظاهر الخواء أو الضعف الأخلاقي في شخصية العديد من المتصدين للعمل الإسلامي.
في البيئة التي تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من القدرة للالتحام والتراص، تلعب المسألة الأخلاقية دورًا ملفتًا؛ فهي العنصر المحوري بعد الانسجام الاعتقادي. وفي ظل ضعف الالتزام بالقيم الأخلاقية، يسري الضعف إلى كل العوامل الأخرى، ولا نلاحظ عندها ذلك التأثير المتوقع للاشتراك العقائدي والفكري والعرقي والقومي.. ويظهر هذا الضعف شديدًا في الجاليات المهاجرة، لافتقادها إلى عنصرٍ مهم متوفر في البلد الأم الذي تشكلت فيها منظمات ومؤسسات عريقة. فما هو هذا العنصر الذي يلحم ويوحد ويجمع ويقلل من الانشقاقات؟
حين يختلف اثنان في مثل هذه البيئة (البلد الأم)، نجد أنّ هناك قوة عرفية أو تنظيمية تأتي للضغط عليهما أو منع تحول اختلافهما إلى انشقاق داخل البيئة التي يعملان فيها. وتتم ممارسة هذه الضغوط عبر التهديد المالي والتنظيمي بشكل أساسي (كطرد أحدهما من الوزارة أو المؤسسة التي يعملان فيها أو حرمانه من راتبه إن لم يلتزم بقرارات القيادة والإدارة العليا). ولهذا، من الطبيعي أن تضعف هذه الضغوط كلما ضعف الانتماء التنظيمي أو المالي. فكيف إذا كان العمل أو الإطار بعيدًا عن قوة هذه المنظمة أو المؤسسة ويعتمد بشكل أساسي على التطوع، ويشعر أفراده بنوع من الاستقلالية وحتى التفوق على صعيد تشخيص القضايا وتحديد الحاجات والمواقف والأولويات!
هنا لا يبقى سوى الوعي والبصيرة التي تعتمد على قاعدة الالتزام الأخلاقي، التي يُفترض بدورها أن تكون من القوة والرسوخ بحيث تغلب الكثير من نوازع النفس وميولها إلى الاستعلاء والجاه والبروز. فكل هذه النوازع تشكل أرضية خصبة للانشقاق والتشرذم أينما وُجدت.
أجل، ما يزيد الضغط بالاتّجاه السلبي هو قلة الكفاءات المتناسبة مع طبيعة التحديات التي تواجه الجاليات؛ وهي تحديات تتسم غالبًا بتعقيدات ومتطلبات، لا توجد في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة وذات المنظمات العريقة والراسخة.
للمعضلة الأخلاقية في أوساطنا تاريخٌ طويل، تسترها اليوم القوة التنظيمية المستجدة وإمكاناتها غير المسبوقة؛ لكن هذا لم يعالج المشكلة ولم يقتلعها. فما زالت معضلة الأخلاق، التي أسميها النزيف الأخلاقي المستمر، تنخر في شخصية المؤمن أينما وُجد؛ وذلك لأنّ هذه الشخصية الموالية، ومنذ أن بدأت بالتشكل قبل مئات السنين، لم تعتبر القضية الأخلاقية أمرًا محوريًّا في انتمائها (رغم كل تأكيدات الأئمة المعصومين عليهم السلام وتميزهم الخارق في البعد الأخلاقي)، فقد غلبت عليها أولويات حفظ العقيدة والدفاع عن المذهب والالتزام بالمسائل الشرعية الخلافية أكثر من أي شيء آخر. لهذه الغلبة منشأ في داخل الأوساط العلمية التي يُفترض أن تتشكل فيها الأولويات ومنها تنتشر وتُعمم.
فإذا كان خصمك أو من يهدد وجودك المذهبي ساقطًا أخلاقيًّا أو لا يولي الأخلاقيات أهمية في معركته معك، فمن الصعب أن تلتفت إلى هذا البعد في معسكرك وجبهتك. تصور أنّه لو لم يكن لإسرائيل أي سلاح للجو، فمن الطبيعي أن لا تهتم بتأمين أي نوع من الدفاعات الجوية. وهكذا، كان تشكل الهوية على مدى التاريخ يأخذ طابع الانفعال مقابل المهاجم ويتأثر بأولويات المواجهة التي لم يكن فيها حضور بارز للأخلاق، إلا ما ندر.
نسمع عن العلامة السيد محسن الأمين أنّه جمع ذات يوم الموالين والمحبين لآل البيت في دمشق (حيث انتقل مهاجرًا إليها)، وأكد عليهم أنّ رمز بقائهم كجماعة مؤمنة يعتمد بشكل أساسي على تفوقهم وتميزهم أخلاقيًّا. وكأنّ هذا العالِم علم بدقة نظره أنّ هذه الجماعة لن تخوض معترك العقيدة أو قلق الاختلاف المذهبي في الأحكام الشرعية الفردية، حيث لم يكن لمثل هذه التحديات وجود في البيئة الدمشقية آنذاك؛ ولأجل ذلك ربما يسهل التركيز على البعد الأخلاقي؛ ويبدو أنّ هذا التركيز قد أثمر على مدى الأيام.
إنّ انتقال المهاجر إلى بلاد الغرب، وهو يحمل الكثير من مخلّفات مجتمعه معه، يعني أيضًا أنّه ينقل معه أولويات ماضيه وتاريخه. ففي بلده الأم لم تكن القضية الأخلاقية حاضرة في الأولويات، وها هو يسعى في المهجر أن يحفظ هذا الانتماء (وما يتضمنه من أولويات) ولو في حدود التصور والفكر. فكيف إذا أضفنا نقطة التحديات المستجدة والضغوط الهائلة، والتي ـ كما ذكرنا ـ تتطلب مستوًى أخلاقيًّا مميزًا؟
هنا بالتحديد ستكشف المشكلة عن نفسها في صور الانشقاقات الناجمة عن خلافات حول من يترأس ومن يتزعم ومن يمثل الولاية؛ حيث يمكن لأي فرد أن يستغل علاقاته بالبلد الأم وخدماته المالية التي يقدّمها لأبناء شعبه لتثبيت زعامته.
تصور لو أنّك شخصٌ يساهم في جمع تبرعات مهمة لبلدك وشعبك المنكوب؛ فهل سيمارس بلدك الأم عليك أي ضغط فيما لو كنت تستغل هذه الأعمال لتثبيت رئاستك أو زعامتك في المهجر؟ أستبعد ذلك! بل ربما تنال بسبب ذلك امتيازات تجعلك منيعًا تجاه أي نقد أو إصلاح أو تطوير. وانعدام الشعور بوجود رقابة يشكّل بحدّ ذاته أحد أهم عوامل الاستبداد، وما ينجم عنه من مشاكل عويصة. وهذا ما يحصل في البلد الأم أيضًا حين يكون بعض المسؤولين في المنظمة أو الحكومة شركاء في صناعة القرار لما لديهم من نفوذٍ مالي وعشائري.
وما يزيد من حدة الانشقاقات، فيما إذا حصلت، نتيجة ذهنية استبداد هذا المسؤول وقصوره عن التطوير والمواكبة للتحديات وضعف مرونته وعجزه عن استقطاب الشباب، هو أن يبدأ باستخدام سلاح الطعن وكيل التهم بحق المخالفين أو المنشقين والتي قد تطال العقيدة والدين.
إنّ إصرار المركز في البلد الأم على معالجة هذه الانشقاقات بروح الحرص على الوحدة قد يدفعه أحيانًا إلى ارتكاب أخطاء قاتلة؛ وذلك بتعزيز تلك التهم والطعون، التي تدفع المنشقين أكثر نحو الابتعاد، بدل الحفاظ عليهم واحترام دوافعهم واهتمامهم بتغطية بعض الحاجات والمتطلبات التي تهم المهاجرين.
فسلاح الطعن بولاء المنشقين في المهجر غالبًا ما يؤدي إلى إضعاف المركز بدل تقوية الممثل الشرعي هناك؛ وذلك لأنّ ما يمتلكه المركز من قوة ضغط في البلد الأم مفقودٌ في المهجر، حيث تؤدي الغفلة عن هذا الأمر إلى ظهور ممارسة الضغط في الخارج كنوعٍ من السذاجة والخفة.
إنّ الأعمال الإسلامية، التي تنطلق من تشخيص الحاجات التي يعاني منها المهاجرون على اختلاف مستوياتهم، تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك الأعمال التي ترسخت في البلد الأم عبر مؤسسات ومنظمات قامت بعد تاريخٍ طويلٍ من النضال وتجارب الانشقاق والتلاحم. ففي المهجر، يُعتبر منطلق الأعمال هذا، عنصرًا محوريًّا في إسباغ الشرعية على القائمين بها. ولتقريب الفكرة إلى الأذهان، نقول: تصور لو أنّك في موقع المرجعية الدينية التي تدير حركة الأخماس والزكوات، ثمّ جاءك شخصٌ من بلدٍ بعيد، لا تعرف عنه شيئًا أو لا تربطك به أي صلة، حاملًا معه مبلغًا مهمًّا من الحقوق الشرعية وقدمه لك. ثم تتالى هذا الأمر عبر الأيام، ولم يكن من متصدٍّ آخر لقضية الحقوق الشرعية والصدقات في ذلك البلد البعيد. والآن يسألك هذا الشخص أن تجيز له صرف قسمٍ من الحقوق على المساكين أو الأعمال الإسلامية في مجتمعه. فهل تعامله من موقع الظن والتهمة أو أنّه من الطبيعي أن تجيز له بذلك؟ فالعقلاء هنا يعلمون أنّ ذاك التصدي والمتابعة والاهتمام يمنح ذلك الشخص ثقةً خاصة، تسمح لهم باستئمانه على الحقوق؛ لأنّه لو لم يكن أمينًا لما تصدى وتابع.
وفي العمل الإسلامي في بلاد المهجر تجري هذه القاعدة العقلائية تمامًا. فلا ينبغي النظر إلى من يتصدى لسدّ النقص في أي شأن يرتبط بالجالية نظرة اتّهام وطعن، لأنّه بكل بساطة قادرٌ على أن يدير ظهره ويقوم بهذه الأعمال بالطريقة التي يريد؛ بل علينا أن نعمل جهدنا على احترام وتقدير تصديه هذا، عسى أن يُبقي هذا التقدير على الشعرة التي تربطه بالمركز، ويحفظ الانتماء الولائي الذي يمكن استعماله فيما يخص الأمور الحساسة.
إنّ التخوين والتفسيق والتكفير والطعن بالولاء لا يجلب سوى المزيد من النفور والبعد والانشقاق؛ لهذا يجب أن يكون من يستعمل هذا السلاح في موقعٍ يؤهله فعلًا لاستخدامه. وأولئك الذين يستعملونه انطلاقًا من تصورهم بأنّهم يتمتعون بقدرات عظيمة نتيجة تواجدهم في البلد الأم وقرب مراكز القرار إنّما يسيئون ويخربون أكثر ممّا يصلحون.    

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center