Home مقالات

استحقار النفس أو تكريمها.. ما هو المطلوب؟

استحقار النفس أو تكريمها.. ما هو المطلوب؟

السيد عباس نورالدين

في إحدى رواياتنا تُذكر قصة ذلك العابد الذي عبد الله سبحانه وتعالى مخلصًا أكثر من سبعين سنة، ولم يسأل الله سبحانه وتعالى طوال هذه المدة حاجة قط؛ لقد كان متفرغًا للعبادة بحيث لم يكن يعيش أثناء عبادته قضية الاحتياج والطلب، إلى درجة أنّه كلما عرضت له حاجة شغلته العبادة عنها. فكانت تُقضى حوائجه من دون أن يسأل أو يلتفت. ثم تذكر الرواية أنّه عرضت له حاجة ذات يوم فسأل الله سبحانه وتعالى بعد كل هذه المدة من العبادة الخالصة أن يقضي له حاجته، فلم يحصل ما أراد. مرّت الأيام ولم تُقضَ حاجة هذا العابد الجليل. فقال في نفسه: لو كنت أساوي شيئًا(أي لي قيمة) لأُجيبت دعوتي. فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبي ذلك الزمان أن قل لعبدنا فلان أن إزراءك بنفسك هو أفضل من عبادة سبعين سنة.

ومن جانبٍ آخر، نقرأ في العديد من الأحاديث والروايات هذا المعنى أنّه "من هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَلَا تَأْمَنْ شَرَّهُ"؛[1] أو "مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَلَا تَرْجُ خَيْرَه‏"،[2] وهذا يشير إلى خطورة أن يتسهين الإنسان بنفسه، "فَلَا تَأْمَنْ شَرَّهُ"، وكأنّ هذا يشير إلى أنّ هذه الحالة من هوان النفس يمكن أن يكون منشأً لكل الشرور.
وجاء في حديثٍ آخر: "مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ كَبُرَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ"،[3] وكما هو معلوم أنّ حب الدنيا، الذي هو أصل كل خطيئة، إنّما يحصل حين تكبر الدنيا في عين الإنسان. فتبدأ المسألة من هوان نفس الإنسان عليه، فتعظُم الدنيا في عينه فيحبها، عندها يمكن أن تصدر منه كل الخطايا.

فكيف نجمع ما بين هاتين الحالتين: الإزراء بالنفس أي تحقيرها واعتبارها أنّها لا تساوي شيئًا، وبين خطورة ووخامة هوان نفس الإنسان عليه؟

هناك الكثير من المؤيدات أو الأسباب التي يمكن أن توصل الإنسان إلى حالة الإزراء بالنفس وتحقيرها. فما يعرفه الإنسان عن نفسه من أنها أمارة بالسوء، ومن ارتكابها للخطايا والإساءة إلى محضر ربها وخفّتها ولاشيئيتها وأنّها لا يمكن أن تكون منشأً للخيرات أو الكمالات؛ بل كل ما تحصل عليه من كمال أو جمال أو خير فهو محض التفضل من الله عز وجل؛ كل هذا يوصلنا إلى هذه النتيجة وهي أنّه مهما كان هذا الإنسان فإنّ نفسه لا تكون مستحقة لأي خيرٍ أو كمال. وما يؤيد هذا الأمر ضرورة مجاهدة النفس وأهمية مكافحة الهوى وأهمية منع الإنسان نفسه من الاستعلاء والتكبر والعجب.
من جهة أخرى، حين ننظر إلى هذه النفس نرى أنّ استحقارها قد يؤدي إلى الكثير من المصائب. فحين يرى الإنسان أنّه مهما فعل فإنّه لا شيء(حيث لا يوجد ما هو أسوأ من اللاشيء)، عندئذ لن يهتم بما يصدر منه؛ فكيف نجمع بين هذين الأمرين المتعارضين؟

تارة تكون نظرتنا إلى أنفسنا من ناحية أنفسنا أو ما يُعبَّر عنه بقيودها العدمية (الأنا)، وتارة ننظر إليها على أنها فيوضات وآية إلهية أي ننظر إلى الجانب الربي في القضية.
فإذا نظرنا إلى أنفسنا على أنها أنفسنا أي من جهة هذه الحدود العدمية (وهو الغالب على نظرة الإنسان إلى نفسه، لا الجهة الآيتية)، فمن الطبيعي عندها أن نحتقرها ونزدري بها، لأنّنا ننظر إليها من جهتها العدمية اللاشيئية، وأيضًا لأنّنا نرى من وراء ذلك كل أنواع الهلاك والبوار والعذاب والنقمة التي تلحق بها. حينئذ حتمًا سنستحقر هذه النفس؛ لأنّنا سنرى كيف أنّها تسوقنا إلى ما لا تُحمد عقباه.
أمّا حين ينظر الإنسان إلى هذه النفس على أنّها وديعة، استودعها الله فيه، وكيف أنّ الله أراد لعبده أن يكون كاملًا، وكيف أنّه يحبه أن يكون من الصالحين ومظهرًا لأسمائه وصفاته وقريبًا منه في جنته وخليفةً له في أرضه وأن يتحلى بحلية المتقين؛ فإنّه لن يستهين بهذه النفس، وهذه هي الجهة التي ينبغي للإنسان أن يعززها.

إذًأ تارة ينظر الإنسان إلى الجهة السوائية في وجوده فيستحقر نفسه ولا يرى أنّها تستحق أي شيء من الفضل والكمال، وتارة ينظر إليها من الجهة الإلهية فيعلم أنّه مسؤول عن تحليتها بكل الفضائل وتكميلها بكل مراتب الكمال حتى تصل إلى مقام القرب الإلهي. فلا يحصل عندئذ تعارض بين الأمرين ولا يحتار الإنسان ويضيع.

 

[1]. بحار الأنوار، ج75، ص 365.

[2]. تصنيف غرر الحكم، ص 263.

[3]. جامع الأخبار، ص 109.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center