Home مقالات

أهمية إدانة الغرب.. لماذا يجب تسليط الضوء على الاستعمار؟

أهمية إدانة الغرب
لماذا يجب تسليط الضوء على الاستعمار؟

السيد عباس نورالدين
مؤلّف كتاب كيف نستفيد من التاريخ

لكلمة الاستعمار في الضمير الغربي تردّدات سلبية لا تتناسب أبدًا مع الادّعاء السائد فيه بأنّه قد تخلّى عن هذه النزعة الوحشية والمنحطة. فالأغلبية الساحقة للشعوب الغربية تظن أنّ استعمارها لشعوب العالم وأراضيه كان خطأ فاحشًا، ويجب الاعتذار منه؛ حتى إنّ هناك تيارات تدعو إلى التعويض لمن لحقه الأذى والضرر منه.

يتصور الكثيرون من أبناء تلك المجتمعات ونخبها أنّ دولهم وحكوماتهم قد تخلت عن هذه النزعة إلى غير رجعة؛ خصوصًا عند من أدرك بعض الآثار الوخيمة للاستعمار على المستعمر نفسه، نفسيًّا وثقافيًّا وحتى اقتصاديًّا، هذا بالرغم من الثروات الهائلة المنهوبة التي يمكنك أن ترى آثارها في كل شوارع ومباني ومتاحف ومصانع وجامعات الغرب ومشاريعه الكبرى.

أجل، إنّ ما نراه في الغرب اليوم من تطور وازدهار يرجع في معظمه إلى نهب شعوب العالم تحت عنوان الاستعمار. وحتى تلك الدول الأوروبية التي لم تشارك بصورةٍ مباشرة فيه، ولم ترسل جيوشها لتحتل وتقمع الشعوب الأخرى، فقد استفادت من الاستعمار عبر المشاركة غير المباشرة، كحال الدول الاسكندنافية، التي كانت تؤمّن أخشاب صناعة سفن القوى المستعمرة، والعديد من موارد ومستلزمات جيوشها.
أجل، لقد تعرضت الذاكرة الغربية لعملية مسح شاملة منذ عقود، لإيهام أهلها بأنّ ازدهارهم وتطورهم كان وليد العمل والمثابرة والعلم والنضال السياسي، وهي أمور ـ لا شك بأنّها حصلت، لكنّها ما كانت لتحصل هكذا إلا في ظل التفاعل الاستعماري.

إنّنا مدعوّون لدراسة مدى تأثير الاستعمار في تشكّل الحضارة الغربية كما نعرفها اليوم، لا لأنّ دراسة التاريخ مفيدة ومليئة بالعبر والدروس فحسب، بل لأنّ الاستعمار ما زال كامنًا في عمق الثقافة الغربية وتوجهات أهلها؛ وإنّما هو اليوم يرتدي لباسًا آخر ويتستر بقناعٍ جميل ويتجسد بصورةٍ مبهمة تسعى للتبرؤ من الماضي الممتزج بأبشع الصور المناهضة للإنسانية.
الغرب اليوم قائمٌ على ادّعاءات ترتبط بإظهار نفسه كمتفوقٍ حضاري. وهي الفكرة نفسها التي قام عليها الاستعمار قبل مئتي سنة: رسالة الرجل الأبيض ومهمته في تغيير شعوب العالم.
لم تتبدل هذه النزعة في جوهرها، لكنّها اليوم تدعي أنّها أصبحت رسالة متنزهة عن الاستغلال والنهب. فالاستعمار القديم من منظور الغربيين قد انحرف عن دوره ومهمته الأساسية؛ وهو اليوم يعيش إصلاحًا حقيقيًّا. فبعد اختلاطه بالنهب والسلب والأعمال الوحشية وقمع السكان وإبادة أعراق، ها هو الاستعمار اليوم رسالة حضارية تتجلى في نشر القيم الإنسانية كالديمقراطية وحقوق المثليين وتحرير المرأة والتنمية المستدامة وحماية البيئة.

من الصعب أن يرى الإنسان الغربي نفسه في غير هذا الموقع الاستعلائي، لأنّ ثقافته كلها مبنية على قراءة الآخر من الأعلى. ومع كل هذا النفوذ والانتشار والإمكانات العسكرية، لا يمكن للغربي أن لا يرى نفسه متورطًا ـ وبحسب رأيه مسؤولًا ـ في مهام إصلاح العالم؛ فكيف إذا أضفنا مجموع مخاوفه من موجات الهجرة من الجنوب المتخلف الهمجي وأضفنا قدراته المتأتية من موقعيته في منظمة الأمم المتحدة و..!
لكن الإنسان الغربي اليوم يتصور أنّه قد خرج من الماضي وتحرّر منه.. وأنّه لن يعود إلى تلك التجربة البشعة. ففي بعض البلاد الاستعمارية القديمة، كهولندا يظن أكثر الناس أنّهم يشاركون في نسبة من الضرائب التي يدفعونها في تقديم مساعدات إنسانية تنموية كبيرة للشعوب المستعمَرة. ولا يمكنهم أن يتقبلوا فكرة أنّ حكوماتهم ما زالت متورطة في أي نوع من الأعمال الاستعمارية.
فقط الولايات المتحدة، ما زالت تحوي نسبة مهمة من الناس الذين يعتقدون بالاستعمار القديم؛ هؤلاء أنفسهم الذين انتخبوا ترامب وأمثاله وهم يشجعون أولادهم على الانضمام للجيش الذي يشن حروبًا ويحتل بلادًا وينهب نفطًا وثروات.

لكن الأغلبية الساحقة في المجتمعات الغربية لا تتصور أنّها تمارس أي نوع من الاستعمار، وإنّما هي متفضلة ومصلحة ومساعدة!
وقبل أن نفكر نحن فيما ينبغي أن نقوم به تجاه تلك الشعوب المضلَّلة، علينا أن نفكر فيما يمكن أن نقوم به تجاه شعوبنا المضلَّلة. فقد نشأت شعوب منطقتنا على هول الاستعمار وبشاعته، وهي ترفضه رفضًا قاطعًا؛ لكنّها في الوقت نفسه لا تمتلك أي نوع من المناعة الفكرية تجاهه، وهذا ما يتجلّى في ضعف انتباهها إلى الاستعمار الحديث.

إنّ العمل على تظهير القوى الغربية كمستعمِرة سيخدم هدفين مهمين أو لنقل أنّه حجرٌ واحد لإسقاط طائرين:
فمن جهة سيكون عاملًا محرجًا للمجتمعات الغربية حيث سيرمي الكرة في ملعبهم ويشغلهم عنّا إلى حدٍّ ما. ومن جهةٍ أخرى، سيساعد على ربط الذاكرة التاريخية لمجتمعاتنا بما يحصل اليوم. فليس من السهل بناء مثل هذه الذاكرة مجددًا، وطالما أنّ تلك الصور البشعة ما زالت موجودة، فينبغي العمل على ربطها بهذا الواقع الذي أسميناه استعمارًا جديدًا.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center