Home مقالات

التفاعل الصحيح مع حوادث الحياة.. سبيل إدراك الحضور الإلهي في وجودنا

التفاعل الصحيح مع حوادث الحياة
سبيل إدراك الحضور الإلهي في وجودنا

السيد عباس نورالدين

كيف يجمع الإنسان بين ضرورة تفاعله مع نعم الله ونقمه فلا يجمُد أو يتجلد، وبين النظر إلى كل هذه الحياة وحوادثها بمنظار أنّها لا شيء ولا تستحق منه شيئًا، فلا ينبغي أن يفرح فيها أو يأسى؟

للوهلة الأولى يبدو هذا الأمر متناقضًا. فمن ناحية على الإنسان أن يكون متفاعلًا جدًّا وحيويًّا للغاية، وفي الوقت نفسه عليه أن لا يفرح ولا يأسى ولا يحزن.
ففي قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون‏}،[1] و{لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُون‏}،[2] و {فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين‏}،[3] {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَه‏}،[4] إشارة إلى أنّ الله يريدنا أن نفرح بفضله ورحمته، كما أنّه يريدنا أن نخافه ونحذره.
وفي المقابل، يقول الله عز وجل: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُور}.[5]
فبالنظر إلى هذه الآيات يبدو وكأنّ هناك نوعًا من التناقض، فكيف يمكن لنا أن نحل هذه القضية؟
لأجل أن نفهم هذه القضية، التي ترتبط بأحوال قلوبنا وبنظرتنا إلى هذه الحياة وحتى بتقييمنا لأنفسنا في سيرنا إلى الله سبحانه وتعالى، نسأل: كيف ننظر إلى قلوبنا كمرآة ينبغي أن تعكس أحوالنا الحقيقية؟ هذا ليس بالموضوع البسيط الذي يمكن أن نمر عليه مرور الكرام، فأحوال القلب هي من أهم مؤشرات مستوى ارتباطنا وعلاقتنا بالله سبحانه وتعالى.
ولأجل أن نحل هذا التناقض الظاهري ينبغي أولًا أن نرجع إلى أصول معينة:
فالأصل الأول هو أنّ الله سبحانه وتعالى مالك القلوب وأنّه يحول بين المرء وقلبه، بمعنى أنّ أحوال القلوب هي في الواقع بيد الله سبحانه وتعالى يحركها بهذا الاتّجاه أو ذاك؛ فيبث فيها الفرح تارة ويبث فيها الحزن أخرى.
ثانيًا، يقف الإنسان المؤمن في حياته أمام هذا الاستحقاق وهو إدراك حقيقة أنّ الله يملك قلبه والتسليم لها، حتى يصل إلى مقام مشاهدة هذه الحقيقة بالمعاينة، فيشاهد أحواله القلبية المختلفة على أنّها تلك الواردات الإلهية والتصرفات الربانية. فلا يحصر الفاعلية والمؤثرية الإلهية في العالم بالأمور الخارجية وحوادث العالم والطبيعة وأمثال ذلك، بل يشاهد هذا الحضور وهذا التصرف الإلهي في ساحة قلبه، الذي ينبغي أن يعتبره من أهم ميادين مشاهدة الحضور والتصرّف الإلهي.

إذن يتصرف الله بهذا القلب ويُقلّبه بواسطة هذه الحوادث المختلفة والتنزلات والواردات المتنوعة، سواء كانت تنزلات الرحمة والفضل الإلهي أو الخوف والتحذير والنقمة وأمثالها، كما ورد في الآيات. هذه هي الوسائل والوسائط الإلهية التي تظهر فيها مستويات أو حالات الحضور الإلهي التي يُعبَّر عنها أحيانًا بالأسماء والتجليات الإلهية على القلب. والمطلوب من الإنسان المؤمن هو أن يشاهد ويدرك هذا الحضور الإلهي في حياته، وعلامة ذلك هو تفاعله مع هذا الحضور بالشكل الصحيح. وهذه هي الكرامة الحقيقيّة للإنسان المؤمن.
تارةً نحن ندرك أنّ الحادثة الفلانية هي مظهر النقمة الإلهية، لكن ليس الإدراك هو المطلوب فحسب، بل التفاعل القلبي مع الحضور الإلهي في تلك الحادثة. فلو أدركنا أنّ تلك الحادثة تمثل آيةً من آيات التخويف، أو آية من آيات الفضل والرحمة والنعمة الإلهية، علينا أن نرتقي فوق هذا الإدراك وننظر إلى قلوبنا إذا ما كانت تتفاعل مع هذه الأمور الإلهية، الرحمانية أو الرحيمية، بشكل صحيح فتظهر فيها حالة الفرح والانبساط والبهجة أو حالة الحذر والخوف وأمثال ذلك؛ فلو وجدنا مثل هذا التفاعل، نكون قد عبرنا مرحلة الإدراك والتصديق، ووصلنا إلى المرحلة القلبية وهذا هو المهم. أمّا لو وجدنا الأمر على عكس من ذلك، أي لم نفرح بنعم الله ولم نحذر ونخاف من نقماته، فهذا يعني أنّنا في مرحلة القلب واقعون في مشكلة حقيقية وعلينا أن ننظر ما الذي منع قلوبنا من هذا الالتفات وهذا التوجه؟!
إنّ الذي يجعل الإنسان غير متفاعل قلبيًّا مع هذه التجليات الإلهية اللُطفية أو القهرية هو تفاعله القلبيّ الخاطئ مع حوادث هذا العالم. فقد يواجه الإنسان أحيانًا أمرًا دنيويًّا معيّنًا، كخسارته لبعض الأمور المادية، فلا يلتفت إلى ما فيه من رحمة، وبدل أن يفرح، يسيطر عليه جانب النقمة ويحزن حزنًا شديدًا ويأسى على ما فاته. وأحيانًا أخرى، قد يأتيه شيء من نعم الدنيا، كالأموال والممتلكات والمناصب والاعتبارات، فيفرح بها فرحًا شديدًا ولا يلتفت إلى ما فيها من نقمة إلهية، فلا يحذرها. فبفرحه واختياله وافتخاره بهذه النعم وكأنّه يقول إنّني أستحق ذلك. وهذا في الواقع يمثّل قطيعة مع الله عز وجل لأنّه لم يشاهد حقيقة أو باطن هذه الحوادث الدنيوية، سواء كانت مآسي أو كانت نعم وأمور مبهجة لأهل الدنيا. هنا تكمن المشكلة عند الإنسان فيُحرم من مقام التفاعل القلبي الصحيح.
وبعبارةٍ ثانية، المطلوب هو أن يفكّك الإنسان أولًا حوادث هذا العالم ويرى الحضور الإلهي فيها، حتى في الحادثة الواحدة، فيفرح بما فيها من فضل إلهي، ويحزن لما فيها من نقمة، وفي الوقت نفسه يكون قد تحرر من الجهة الدنيوية أو الاعتبارية.
فعلى الإنسان أن يتجاوز هذه الحالات القلبية السطحية الدنيوية حتى يدرك الجانب الحقيقي المستبطن في هذه الحادثة أو تلك، من فضل ونعمة وفوائد إلهية ومصلحة حقيقية للعبد، فيفرح فرحًا حقيقيًّا ويحزن حزنًا حقيقيًّا.
فليس المطلوب من الإنسان أن لا يحزن ولا يفرح أي أن لا يتفاعل، بل المطلوب أن يتفاعل مع الواقع وأن لا يؤخَذ بالظواهر فيُحرم من إدراك الواقع والحقائق، وأهم ما فيها إدراك حقيقة الحضور الإلهي في وجوده.

 

[1]. سورة يونس، الآية 58.

[2]. سورة الزمر، الآية 16.

[3]. سورة آل عمران، الآية 175.

[4]. سورة آل عمران، الآية 28.

[5]. سورة الحديد، الآية 23.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center