Home مقالات

كارثة تعليم اللغة العربية في المناهج الحالية.. وكيفية الخروج من هذه الورطة

كارثة تعليم اللغة العربية في المناهج الحالية
وكيفية الخروج من هذه الورطة

السيد عباس نورالدين
مؤلف كتاب المدرسة الإسلامية

نسمع كثيرًا من طلاب المدرسة تعبير "أنا لا أحب اللغة العربية". ودون أن نلتفت إلى خطورة هذا الأمر، نستمر في التسبب بهذه المشكلة. طريقتنا في تعليم اللغة العربية، وما نفعله من جعل تلامذتنا في مواجهة لغتهم الأم، تجعلنا أشبه بمن يتعمد تعميق المشكلة وإيصال أعزاءنا وأمانات الله بين أيدينا إلى هذه الحالة النفسية التي هي أسوأ ما يمكن أن يعيشه إنسانٌ عربي أو مسلم تجاه اللغة العربية.
فاللغة بشكل عام، واللغة العربية بشكل خاص، هي ذاك النسيج الذي يربطنا بتاريخنا وديننا وثقافتنا؛ فإذا ضعف هذا النسيج، سيضعف الارتباط بالدين والثقافة والتاريخ والحاضر والمستقبل، وستضعف معه الشخصية وتتزعزع أركانها.
ينبغي أن نعلم أنّ اكتساب اللغة شيء، وتعليم المفاهيم شيءٌ آخر؛ فالخلط بين الأمرين، والذي يحصل في مناهجنا، هو المسؤول الأول عن خلق مجموعة من الصعوبات التعلّمية، التي تؤسس لتلك الحالة النفسية السلبية.
من المفترض أن يعتز كل إنسان عربي، وكل مسلم، باللغة العربية، بل من المفترض أن يحبها ويتمسك بها، لأنّها وسيلته الوحيدة للاستماع إلى كلام الله وقراءة كتابه والتعرف إلى دينه قبل أي شيء آخر. حين نصر على أن يكون اكتساب اللغة مصحوبًا بدراسة وتحليل واكتساب مجموعة من المفاهيم المختلفة، ثم ترانا نعرض هذه المفاهيم من دون رعاية أسس التعلّم الفعال والصحيح، فنحن بذلك نتسبب بإيصال الطالب إلى تلك الحالة النفسية.
إنّ اكتساب اللغة عند كل إنسان هو أمرٌ تلقائي لا يتطلب التعليم، وكلما أبعدنا اللغة عن القواعد والطرق والأساليب الملتوية، كانت إلى الاكتساب أقرب. وما علينا سوى وضع هذا الإنسان ـ خصوصًا إذا كان طفلًا ـ في البيئة المناسبة التي يحصل فيها التبادل اللغوي والبياني بحيوية ومتعة وفائدة. حيث يضطر هذا المكتسب إلى تفعيل هذا النوع من التواصل مع من يجيد اللغة ويتقنها من أجل تأمين احتياجاته ورغباته؛ وأثناء سعيه لتأمين هذه الاحتياجات عبر وسيلة اللغة يدرك أنّه كلما تطور بالبيان، فسوف يحصل على المزيد من الحاجات، سواء كانت هذه الحاجات مادية أو معنوية. ولا ننسى أنّ الكثير من الحاجات المعنوية العاطفية والنفسية إنّما تتحقق بواسطة هذا التواصل.
لكن حين نضع هذا المنهاج اللغويّ في قالب مفاهيم لا يدرك المتعلم مدى حاجته إليها، حتى لو كانت مهمة ومفيدة، مثل الهجرة والوطن والطبيعة والفصول الأربعة والحيوانات والفلاحين والحلوى وغيرها، وحين لا يقدر المتعلم على التفاعل مع هذه المفاهيم التي نصر على ربطها باللغة ـ كما هو حاصلٌ في كل مناهجنا ـ نكون كمن يضع العوائق بين المتعلم واللغة. فكيف إذا أضفنا عنصرًا مهمًّا يرتبط بأصول التعليم الفعال، وهو إشعار المتعلم بالفرح والبهجة ومتعة الاكتشاف ولذة المشاركة، والذي غالبًا ما يشكّل عقدة كبرى أمام معدّي المناهج وما تفتقد إليه كتب اللغة العربية بصورة ملحوظة! لأجل ذلك، تحولت حصص تعليم اللغة العربية إلى أوقات مملة، أقل ما تؤدي إليه هو تعزيز التشتت الذهني، الذي هو عدوّ التعلم الأول.
لاحظوا كيف يتم تعليم اللغة العربية، حيث يضطر التلميذ إلى القيام بالكثير من العمليات التحليلية غير المبررة (بالنسبة إليه)، وبذل الكثير من الجهد الذي ينتج القليل، في الوقت الذي كان يُفترض أن نجعل اكتساب اللغة تلقائيًّا عفويًّا.
 أمّا تعليم المفاهيم عبر صبّها في القوالب اللغوية، فلا ينبغي أن يكون لأجل تعليم اللغة، وإن كانت النتائج اللغوية حاصلة؛ بل ينبغي أن يكون في سياق اكتشاف قضايا الحياة المتلائمة مع حاجات الطفل ووعيه مع مراعاة عنصر البهجة والمتعة.
 لا شك بأنّ عرض المفاهيم يحتاج إلى قوالب اللغة، كما يتم ّعرض القضايا الطبيعية والقضايا التاريخية وغيرها من العلوم والمعارف، لكنّ ذلك لا ينبغي أن يكون تحت عنوان لغتنا العربية ولغتي فرحي وشمس اللغات وأمثالها.
 إنّ عرض المفاهيم المتناسبة مع القوى الإدراكية التي تصب في إطار إنضاج المتعلّم، إنّما يحصل عبر مراعاة شروط التعليم الفعال، خصوصًا في المرحلة العمرية الأولى؛ وذلك قبل أن يكتشف الطالب أهمية العلم في حياته، وقبل أن يتفتح وعيه تجاه قضية العلم ومسؤوليته وتأثيره على شخصيته ومصيره. 
إن أردنا أن يكتسب التلميذ لغته الأم بصورة سهلة وسريعة، فعلينا أن نخفف عنه أعباء التحليل والتمارين الذهنية التي تتداخل مع اللغة. ففي البداية يجب أن تكون اللغة متناسبة مع حاجاته لا مع حاجات المنهاج.
تشير الملاحظات الكثيرة إلى أنّ كره المتعلم للغة، سواء كان ذلك بسبب هذا التعقيد والحواشي أو بسبب خلوها من المتعة أو بسبب كرهه لمن ينطق بها، كل هذا سيؤدي إلى إيجاد صعوبات أمام تعلّمها. وفي المقابل حين نجد أنّ هذه اللغة تعبّر عن جمال الحياة وتتحدى ذكاءنا وتكشف لنا الآفاق البعيدة وتلوّن أيامنا بأجمل الذكريات فسنقبل على اكتسابها من دون أن نشعر أنّنا نكتسب لغة. فإن كنّا نريد أن نحقق أعلى النتائج في تعليم اللغة العربية يجب أن نحذف مادة اسمها اللغة العربية من المنهاج خصوصًا في المراحل العمرية الأولى.
لا تقلّدوا الأجانب في مناهجهم ولا في مقارباتهم للتعليم، لأنّ لغتنا ليست كلغاتهم. إنّها اللغة الصانعة للذكاء، لأنّها لغة الفطرة إن عرفنا كيف نعلّمها.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center