Home مقالات

تجنيس المرأة أو تنجيسها؟ أي فاجعة يرتكبها الغرب بحق الأنوثة

تجنيس المرأة أو تنجيسها؟
أي فاجعة يرتكبها الغرب بحق الأنوثة

السيد عباس نورالدين

في أحد برامج الواقع الأمريكية، يتوجه المقدم إلى زميلته، ويبدو أنّها كانت ترتدي بنطالًا على غير عادتها، ويقول لها يبدو أنّك اليوم محتشمة؛ فترد عليه ضاحكة: أجل، ولكن أنا امرأة، والمرأة ينبغي أن تكون مثيرة.
 تحت عنوان تمكين المرأة وتقويتها، يشهد عصرنا أوسع عمليات تفعيل القوة الجنسية للمرأة، مستغلًّا الاحتياج الشديد لهذه السلعة من قبل الرجال؛ وهذه العملية، كغيرها من المساعي الغربية الطائشة، كانت وستتحول إلى أهم سبب لإضعاف المرأة واستعبادها واستغلالها، بصورة لم يسبق لها مثيل. وكل من تأمل في أي مجتمع جعل الجنس محورًا والمرأة مصدره، علم أنّ هذا لن يؤدي إلا إلى إضعاف الأمرين معاً!
تجنيس المرأة، بمعنى تضخيم قوتها وميزاتها الجنسية على حساب كل شيء، سرعان ما يؤدي إلى تنجيس المرأة، الذي لا يكون سوى سبب ضمور جمالها وضعف جاذبيتها وتحولها إلى حثالة.
 أجل، أصبحت الإثارة الجنسية والإغواء والإغراء جزءًا أساسيًّا من نظرة الثقافة الغربية للحياة. وبحسب هذه الثقافة، على المرأة التي تريد القدرة والنفوذ أن لا تنسى أنّها تمتلك هذه القوة الاستثنائية التي تنشأ من شدة احتياج الرجل إلى جسدها.
الغرب في هذه القضية يبدو متصالحًا مع نفسه، لأنّه لا يرى ما وراء اللذة المادية هدفًا أسمى للحياة؛ وهكذا يكتسب تجنيس المرأة ـ أي تسليط الضوء على أبعادها الجنسية المثيرة للشهوة ـ أولوية في أدبياته وثقافته ونمط عيشه. وفي هذه القضية يتساوى الجميع بحسب الظاهر، وإن كانت المرأة هي الخاسر الأكبر.  
الذي يعرف سر الجاذبية والإثارة، يدرك جيدًا حقيقة الأمر. فأينما كثر العرض قل الطلب، لأنّ كل متاح وميسر سيكون أقل قيمة. ومع ذلك يمضي الغرب قدمًا ودون أي مراجعة، لأنّه قطع كل ارتباط بما وراء المادة.
  هنا، ستكون المرأة محور اللذات كلها، وتكون مفاتنها أفضل تعبير عن ذلك؛ المفاتن ليست سوى إشارات تدل على مواضع الاشتهاء. وقيمة المرأة في هذه الثقافة وجمالها يتجلى فيما تمتلكه من عناصر الإغراء. والمرأة المتألقة هي تلك التي تتمكن من إظهار هذه المفاتن بأكبر قدر ممكن. وهنا لن يكون اللباس ساترًا، بل سيؤدي وظيفة أساسية، وهي التركيز على تلك المفاتن وجعلها أكثر إغراءً، كما يكون دور علبة الجواهر أو العطور.
 وهنا، ولأنّ كل شيء يُقاس بالمال، فلا بأس من أن تعتبر المرأة نفسها سلعة ذات قيمة مادية، لكن بشرطٍ  واحد وهو أن يكون لها حرية تحديد السعر. ولأنّ النظام المادي قائم على حرية السوق حيث العرض والطلب، فعلى المرأة أن تحدد سعرها وفق قوانين السوق فقط.
يُروى عن برنارد شو، الأديب البريطاني المشهور، أنّه خاطب امرأة من الطبقة الراقية، وقال لها: هل تسمحين لي أن أنعتك بالغانية مقابل عشرين باوند؟ فصرخت المرأة في وجهه مستنكرةً أشد الاستنكار؛ فقال لها: هل تقبلين أن تنامي معي مقابل عشرين ألف باوند؟ فاحمرّ وجهها خجلًا.
ما نفهمه من هذا الموقف الساخر شيء هو غاية في العبرة. لقد أصبحت المرأة في ثقافة الغرب غانية، لكن ما يميزها عن غواني العصور القديمة هو أنّها هي التي تحدد السعر.
قد يصعب علينا تصور هذا المشهد، لأنّنا نحمل في أذهاننا الكثير من التصورات الجميلة عن هذا الغرب المتحضر الذي يدافع عن حقوق المرأة ويناضل من أجلها، فيفرض على الشركات والمؤسسات والمجالس الحكومية مساواة المرأة مع الرجل في جميع المراتب الوظيفية؛ لكنّنا لا نتساءل عن هذا الإصرار العجيب على جعل المظهر النسائي متمحورًا حول الجنس! فمن جهة الصدر لا بد من توجيه الفكر إلى الثديين عبر إظهار الخط الفاصل بينهما. ومن جهة التحت لا بد من أن تكون التنورة أعلى من الركبتين، نظرًا لما قد تشير إليه الساقين في النهاية. فاللباس الذي يُفترض أن يكون للأناقة والجمال أضحى في خدمة هدفٍ واحد وهو الإثارة والجنس.
 إنّ تحرير المرأة في الثقافة الغربية لا يعني سوى شيء واحد وهو إطلاق العنان لقوتها الجنسية الكامنة؛ وأي احتجاب أو احتشام لن يكون له إلا معنى واحد وهو إخفاء مرض أو تشوه أو تعبير عن الضعف في الخجل؛ أمّا نحن في هذه المواجهة الحضارية، فيبدو أنّنا لا نستطيع أن نصدق هول هذه الفاجعة؛ وبدل إدانة هذا الغرب المنحط لشدة استغلاله للمرأة، نتقوقع في زوايا الدفاع عن الحجاب ملتمسين له آلاف الأعذار.

مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center