Home مقالات

إنّها معركة الإعلام يا ذكي! في الإعلام المواجهة الحقيقية بين القيم

إنّها معركة الإعلام يا ذكي!
في الإعلام القيم هي التي تتحارب

السيد عباس نورالدين

اكتشف لبنانيون أنّ كل تلك الشتائم والسباب الموجه لشخصيات لبنانية يعتزون بها ـ والتي تعمدت محطات إعلامية بثها وتضخيمها ـ كانت تهدف إلى تصوير الحراك بعيدًا عن تيار المقاومة التقليدي المعروف. وقد نجح هذا الإعلام فعلًا في جعل مؤيدي المقاومة ينظرون بتوجس وشيء من الاشمئزاز إلى كل من يشارك في هذا الحراك. فلا شيء عند هؤلاء يمكن أن يبرر كيل الشتائم سوى أنّها في سياق أجندة معادية، حيث كل أصابع الاتّهام كانت موجهة إلى أمريكا طبعًا.
 والمضحك في ذلك الإعلام أنّه، ولكي يستهزئ بهذه المقولة، عمد إلى جعلها شعارًا وحيدًا للمتوجسين، وهو القول بأنّ الناشطين "الثوار" يقبضون من السفارة الأمريكية.
إنّ التركيز على هذه التهمة وتكرارها بطريقة تجعلها شيئًا مبتذلًا، يكفي لإسقاطها؛ وكأنّ الطريق الوحيد ليقبض أي ناشط سياسي هو أن يصطف مع أمثاله على أبواب السفارة كل صباح ويتلقى أجرته ثم ينطلق نحو المظاهرات وقطع الطرقات وركوب الباصات عصرًا!
لقد ابتكر الأمريكيون ـ المعروفون بالإبداع الشيطاني، وعلى مدى عقود بمواجهة الأنظمة المعارضة لهيمنتهم ـ عشرات الطرق لدعم من يعمل وفق أجندتهم؛ ولم تكن إيران كونترا الأولى ولا الأخيرة. ولمن يحب أن يطلع قليلًا على عمل السي آي إيه، ولا يجد الوقت لقراءة الكتب المفصلة، يمكنه أن يشاهد فيلم أمريكان مايد(American made) من بطولة توم كروز، وغيره العديد من الأفلام التي تشرح أسلوب عمل هذا الجهاز المشؤوم في دعم الأحزاب والتيارات في مختلف بلدان العالم.
وآخر ابتكارات الأمريكي كانت تلك الجمعيات غير الحكومية التي تعمل على تحسين أوضاع مجتمعاتها في تعليم اللغة العربية أو تطوير المهارات أو القيام بمشاريع تنموية أو الدفاع عن حقوق الشذوذ الجنسي، والتي أصبحت تمثل حصان طروادة في العديد من دول العالم.
 لكن ما يفوت الذين يعتقدون بأنّ أمريكا تدعم هذا الحراك، شيءٌ مهم، قد تؤدي الغفلة عنه إلى خسارتهم لهذا المعركة التي يريد الأمريكي أن تكون إعلامية بالدرجة الأساسية؛ فأنت لكي تكسب معركة إعلامية لا يكفي أن تشيطن خصمك الذي يسبك والذي يريد أن يهيئ الساحة لمزيد من النفوذ الأمريكي، الأمر يجري على قدمٍ وساق وراء الكواليس. فهناك يجري العمل الجاد على تشكيل حكومة لا يمكنها أن تتخذ أي موقف وطني بشأن المقاومة والصراع مع العدوّ الصهيوني تحت عنوان التكنوقراط.
 فبات خصمك يعمل على إظهار هذه الشيطنة نفسها كموقفٍ يواجه مجموعة من القيم الجميلة والمحقة. وفي معركة القيم ينتصر من يتمكن من إظهار نفسه كمدافع عن القيم الأعلى، أو في الحد الأدنى سيكون له الأسبقية والتفوق.
إن كانت قوة خصمك في حشد الناس حول موقفٍ مشرف كإسقاط النظام الطائفي أو القضاء على الفساد المستفحل، فلا ينبغي أن يكون موقفك الإعلامي متمحورًا حول التشكيك بنوايا هذا الخصم أو شيطنته؛ لأنّ قوته لم تأتِ من الأموال التي يتلقّاها بطرق غير مباشرة، بل من حشد الناس الذين يؤمنون بهذه القيم ويريدونها، وربما وجدوا فيه أفضل ممثل لها.
معارك الإعلام شيء يختلف عن معارك الأمن حيث اكتشاف خبايا ووثائق وعمالة ودعم؛ ولأنّ المعركة إعلامية بالدرجة الأولى، ينبغي أن نخوضها وفق قوانين الإعلام نفسه.

بعد نجاح المحرّكين في استبعاد جمهور المقاومة من الشارع، تمّ الانتقال إلى الخطوة الثانية وهي التركيز على تلك العناوين القيمية التي يُفترض أن تكون أكثر جاذبية من المقاومة نفسها. وبالفعل فإنّ سعينا لوضع المقاومة ـ رغم عظمة إنجازاتها ـ أمام قضية العدالة مثلًا لن يكون موفقًا؛ فلا شيء يعلو على العدالة كقيمة إجتماعية إنسانية عالمية.
 وهنا بالتحديد تكون قيمة المقاومة كوسيلة لغاية، وهي العدالة نفسها. فأنتم قاتلتم من أجل شيء نسيتموه، ونحن جيل اليوم سننهض من أجله. أنتم المقاومون تخليتم عن أهدافكم وانخرطتم في مشروع الحفاظ على مكتسبات الماضي، في حين أنّها مجرد وسيلة. وهكذا، يخسر الإعلام المؤيد للمقاومة عنصر التفوق ويخسر معه معركة إعلامية بامتياز.

 

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center