Home مقالات

الثورة لكي تنتصر

الثورة لكي تنتصر
س. عباس نورالدين
مؤلف كتاب المجتمع التقدمي

أجل، كل الأنظمة السياسية تحتاج إلى ثورات شعبية حتى تتبدل. والثورة الشعبية تعني رفض الأغلبية الساحقة لا الأكثرية الديمقراطية (خمسون زائد واحد) للنظام القديم؛ لأنّ تغيير النظام سيطال كل شؤون الحياة، وليس فقط الاقتصاد والمعاش.
لكن ما الذي يمكن أن يجمع هذه النسبة الكبيرة على مثل هذا التغيير؟
أهو مجرد السخط على الأوضاع؟
أم امتلاكهم رؤية واضحة موحدة للبديل؟
وكيف يعبّر الشعب بعد اجتماعه عن مطالبه؟
وكيف يطبقها بعد انتصاره؟
إنّ التأمل في أهم الثورات الشعبية التي جرت في العالم، أي تلك التي استطاعت أن تغير أنظمة مجتمعاتها السياسية ـ التي صادف أنّها ملكية استبدادية ـ يمكن أن يساعدنا على الوصول إلى الأجوبة الصحيحة عما يختلج في نفوسنا اليوم تجاه أوضاع بلدنا العزيز لبنان.
لقد نجحت الثورة الفرنسية في إسقاط النظام الملكي بعد أن كان قد أفلس بالكامل، ولم يتمكن من دفع رواتب ضباط جيشه الأشد ولاءً، ولأنّ الدول الإقليمية المنافسة كانت قد ضاقت ذرعًا بمغامرات الملك لويس السادس عشر العسكرية. فاجتمع السخط المحلي مع الإقليمي، ولم يكن الجيش مستعدًّا للدفاع عن ملكه بعد الآن وقد زج به في سلسلة من الحروب المخزية والمنهكة. لكن غياب القيادة الكاريزماتية التي يمكن أن تجمع الجماهير الساخطة حولها لبناء فرنسا الجديدة أدى إلى أن تضيع تضحيات الشعب الفرنسي بسرعة وهو يشاهد عودة الاستبداد والامبراطورية، ودخول بلاده في سلسلة من التحولات الطويلة الأمد و الباهظة التكاليف للتحول إلى الجمهورية.
أمّا الثورة البلشفية في روسيا فقد كانت كنظيرتها الفرنسية من حيث فشل القيصر في حل مشاكل الداخل، وتذمر الجيش من الهزائم المتكررة، واستدعاء الخارج الذي ساعد على عودة لينين المعارض والاستحواذ على الحكم، ليتحول بذلك إلى رجلٍ تجتمع حوله مصالح الثوار المتنازعين فيما بينهم. (فقد جرت بعد لينين حملات تصفية بين الثوار البلاشفة، كما حصل في الثورة الفرنسية التي قُتل جميع زعمائها على أيدي بعضهم البعض).
أما الثورة الإسلامية في إيران، ولأنّها بدأت كأطروحة لقيادة دينية ذات مرجعية شرعية وسياسية، خاضت صراعًا طويلًا مع الشاه الملك. ولأنّ هذه القيادة استطاعت أن تعبّر بعمق عن ثقافة الشعب الإيراني وتجسّد أعلى القيم التي يمكن أن يؤمن بها، فقد استطاعت أن تجتث النظام الملكي وتقيم مكانه صرح النظام الإسلامي بسرعة قياسية وفي أقل مستوى من الخسائر والتضحيات مقارنةً بغيرها من الثورات؛ فتمكنت بعدها من مواجهة اتّحاد القوى العالمية والإقليمية للقضاء عليها بواسطة تحريك عملاء الداخل والخارج وشن حروب العصابات والاغتيالات وعمليات التخريب الممنهج والحرب المفروضة لمدة ثمان سنوات والحصارات الاقتصادية الدولية المتواصلة بقيادة أمريكا.
فلا يخفى أنّ سر نجاح الثورات يكمن في اتّحاد جماهير الشعب على رؤية تتعلق بالنظام البديل، وأنّ هذا الاتّحاد لا بد أن يتجلى بصورة الاجتماع على قيادة واحدة توجّه الناس في المنعطفات المظلمة والتحديات الكبرى وتتمكن من إلهامهم لتقديم وبذل كل غالٍ ونفيس من أجل الحفاظ على منجزات ثورتهم.
فما أسهل أن تطلق مجموعة من الناس الغاضبين عنوان الثورة على حراكهم!
وما أصعب أن يكون ذلك ثورة حقيقية!
والأصعب منه أن تنتصر هذه الثورة، والأصعب من الكل أن تتمكن من إقامة نظام بديل يحقق للشعب كل ما يطمح إليه على صعيد العدالة والرفاهية والعزة والاستقلال والازدهار والتقدم!

أجل، إن كل هذا ممكن، وقد تحقق في بعض مناطق العالم. لكن العاقل الواعي هو الذي يستفيد من تجارب الآخرين، ويعتبر من حوادث التاريخ، ويتمكن من تطبيق قواعدها على بلده. فلا يجمع الناس ولا يوحدهم مثل الثقافة الواحدة، التي لا بد أن تجد من يمثلها في شخصية قيادية ملهمة.

 

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center